تقارير - ماتريوشكادولي

2026: الشرق الأوسط يعيد رسم خريطة الطاقة

ماتريوشكا نيوز

مع إنطلاقة العام الجديد 2026، تبدو خريطة الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وكأنها لوحة متحركة، يزداد فيها نشاط الدول والشركات، وتتبلور فيها رؤى جديدة تعكس سعي الحكومات والمؤسسات لتعزيز الأمن الطاقي، وتنويع المصادر والإعتماد على الكوادر المحلية، جنباً إلى جنب مع إستعادة الإستثمارات الأجنبية. وفي قلب هذا التحرك تأتي الشركة السورية للبترول لتعلن بداية مرحلة جديدة في قطاع الغاز في سورية، خطوة تضع البلاد على أول الطريق نحو إستعادة نشاطها الإستكشافي المتوقف منذ سنوات. وبدأت الشركة أعمال حفر بئر إستكشافية في منطقة التواني بريف دمشق، على عمق يقارب 4 آلاف متر، مستخدمة حفّارة أعيد تأهيلها بالكامل بعد توقف طويل. هذا المشروع لم يكن مجرد عملية فنية، بل رمزاً لإعادة تشغيل الكوادر الوطنية وتوظيف الخبرات المحلية، وسط تحديات بنيوية وفنية خلفتها سنوات الحرب. والحفر يجري وفق برنامج تقني مدروس، مع تطبيق معايير صارمة للسلامة والجودة، لضمان الحصول على بيانات دقيقة حول التراكيب الجيولوجية، وهو ما يعكس حرص الشركة على دمج الدقة العلمية مع الطموح الإقتصادي. والتقديرات الأولية للمخزون الغازي في ريف دمشق مشجّعة، ويفتح نجاح هذا البئر المجال لحفر آبار إضافية خلال الربع الأول من 2026، لتوسيع النشاط الإستكشافي وتعزيز ثقة الشركة بفرص الغاز في المنطقة. الهدف واضح: دعم إمدادات الغاز للإستهلاك المنزلي ومحطات توليد الكهرباء، تحسين إستقرار الشبكة الكهربائية، وتقليل الإعتماد على الإستيراد، بما يخفف العبء على الإقتصاد المحلي. ولا يتوقف الطموح السوري عند حدود ريف دمشق، فحقول الغاز في البلاد تتجه نحو مرحلة تعافٍ تدريجي، مدعومة بتحركات رسمية لإعادة شركات أجنبية، مثل شركة إينا الكرواتية التي كانت ناشطة قبل الحرب، وها هي اليوم تعود لتوقيع عقد تطوير معمل حيان والإستثمار في الحقول المحيطة. معمل حيان، الذي يقع شرق حمص قرب الحقول الغنية، كان ينتج قبل الحرب نحو 3.7 مليون متر مكعب يومياَ من الغاز، بالإضافة إلى المكثفات والغاز الطبيعي المسال، ويعد أحد الأصول الإستراتيجية في البلاد، وهو حجر الزاوية في خطة الحكومة لرفع الإنتاج المحلي وتقليص فجوة العرض والطلب. وفي الوقت الذي تحاول فيه سورية إعادة تنشيط قطاع الغاز، تتسارع تركيا على عدة جبهات لتحقيق أهداف طموحة في مجال الطاقة، مع التركيز على الإستدامة وتعزيز الأمن الطاقي. فالخطط التركية تقوم على إنتاج النفط إلى نصف مليون برميل يومياً خلال أقل من ثلاث سنوات، مع هدف متوسط المدى لإنتاج مليون برميل نفط مكافئ يومياً، يشمل النفط والغاز الطبيعي. تركيا، التي تمتلك موارد واعدة في النفط والغاز، تعمل على تطوير صناعات داعمة مثل التعدين والعناصر الأرضية النادرة، لتصبح مركزاً إقليمياً للطاقة. وفي البحر الأسود، يُتوقع أن يشهد إنتاج الغاز الطبيعي قفزة كبيرة خلال 2026، إذ سترفع تركيا الإنتاج من 9.5 ملايين إلى 20 مليون متر مكعب يومياً بفضل المنصة العائمة “عثمان غازي”، على أن تتصل الآبار في مرحلة ثانية عبر السفينة “سفين فيغا”، ليصل الإنتاج إلى 45 مليون متر مكعب يومياً بحلول 2028، مما سيتيح تلبية إحتياجات نحو 8 ملايين منزل. كما تخطط تركيا لإدخال أول مفاعل نووي في محطة أقويو خلال العام نفسه، ضمن خطة لبناء 8 مفاعلات لتوليد 20 ألف ميغاواط، ليكون المشروع أحد أكبر الإستثمارات الوطنية في مجال الطاقة. أما على الصعيد الدولي، فتركيا تتجه نحو إستكشاف النفط والغاز في باكستان، والصومال، والعراق، وسورية، وأذربيجان، مع تنفيذ عمليات حفر وإستكشافات بحرية وبرية جديدة، مستفيدة من أسطولها الذي يُعد الرابع عالمياً في التنقيب عن النفط والغاز. وفي مجال التعدين، ستبدأ تركيا تشغيل منشأة لإنتاج 570 ألف طن سنوياً من العناصر الأرضية النادرة في محافظة إسكي شهير، إلى جانب تطوير مناجم الذهب في النيجر، لتعظيم الإستفادة من الموارد المحلية والدولية. وفي قلب هذا التحرك الإقليمي، يظهر تعاون جديد بين مصر والسعودية، الذي يعكس تطوراً ملموساً في الإستراتيجية الطاقية بعيداً عن مشاريع مثل ممر IMEC الذي يعاني من تعثر. المشروع المصري-السعودي الطموح يهدف إلى ربط شبكتي الكهرباء للبلدين، وتمكين تبادل الطاقة بما يصل إلى 3000 ميغاواط، مستفيداً من التفاوت الموسمي في الإستهلاك؛ ذروة الصيف لمصر مقابل ذروة الشتاء للسعودية. المشروع، الذي يشمل كابلات بحرية عبر خليج العقبة ومحطات تحويل رئيسية، يمثل محطة أولى نحو ربط مصر بأوروبا، كما يُسهم في تخفيف الضغط على الأسواق المحلية وتحقيق تكامل إستراتيجي بين البلدين، خصوصاً في ظل التحديات المتعلقة بالطاقات المتجددة، حيث تسعى مصر لرفع حصة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول 2035، والسعودية إلى 50% بحلول 2030. وشهد العراق خلال العام 2025 نقلة نوعية في قطاع الطاقة، حيث وقّعت بغداد أكبر الصفقات الإستثمارية في تاريخها الحديث، شملت النفط والغاز والكهرباء والطاقة المتجددة، في مسعى لمعالجة الإختناقات المزمنة وتحقيق نقلة نوعية في منظومة الطاقة الوطنية. وإستندت هذه التحركات إلى إستراتيجية واضحة تجمع بين تطوير الموارد التقليدية وفتح مسارات جديدة للطاقة المستدامة، مع تعزيز التكامل بين القطاعات المختلفة لتلبية الطلب المحلي المتزايد، وتقليل الإعتماد على الواردات. في قطاع النفط، تصدّرت صفقة تطوير إحتياطيات نفطية مع شركة بي بي البريطانية المشهد، حيث إستهدفت تطوير حقول تقدر إحتياطياتها بأكثر من 9 مليارات برميل، ورفع الإنتاج إلى 8 ملايين برميل يومياً، عبر إعادة تأهيل حقل كركوك والمناطق المجاورة. وفي يوليو 2025، أبرمت بغداد إتفاقية مع شركة إتش كيه إن الأمريكية لتطوير حقل حمرين، بهدف رفع إنتاجه إلى 60 ألف برميل يومياً وإستثمار الغاز المصاحب بكفاءة أكبر. وتأتي هذه الإتفاقيات ضمن خطة إستراتيجية لدمج قطاعي النفط والكهرباء، مما يجعلها ركيزة أساسية في خريطة الطاقة العراقية الجديدة. أما قطاع الغاز، فشهد صفقات بارزة مثل تطوير حقل أرطاوي، ضمن مشروع “تنمية الغاز المتكامل”، بالشراكة بين وزارة النفط وشركات عالمية مثل توتال إينرجي وقطر للطاقة ونفط البصرة، بحضور رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، لتعزيز الإكتفاء الذاتي من الغاز بحلول 2027. كما تم توقيع عقد إنشاء منصة غاز مسال عائمة مع شركة إكسليريت إينرجي الأمريكية بطاقة إستيعابية 15 مليون متر مكعب يومياً، لتأمين الوقود لمحطات الكهرباء وتقليل الإعتماد على الإستيراد، ضمن خطة حكومية تهدف لتحقيق الإكتفاء الذاتي من الطاقة بحلول 2028. وفي مجال الكهرباء، شهد مارس 2025 توقيع أكبر إتفاقيتين في تاريخ القطاع مع شركتي جنرال إلكتريك الأمريكية وسيمنز الألمانية، لرفع القدرة التوليدية الوطنية بنحو 34 ألف ميغاواط، عبر تطوير وصيانة المحطات القائمة وإنشاء وحدات جديدة، مع إدخال تقنيات حديثة لزيادة الكفاءة دون إستهلاك وقود إضافي. وفي الوقت نفسه دشّنت وزارة الكهرباء أول محطة لتحويل النفايات إلى طاقة كهربائية في منطقة النهروان ببغداد، بالتعاون مع شركة شنغهاي الصينية، لمعالجة 3 آلاف طن نفايات يومياً وإنتاج أكثر من 100 ميغاواط، ما يفتح الباب أمام حلول الإقتصاد الدائري. وعلى صعيد الطاقة المتجددة، أطلقت الحكومة أول مجمع سكني مستقل يعمل بالكامل بالطاقة الشمسية، بالتزامن مع إفتتاح محطة طاقة شمسية في القصر الحكومي بالعاصمة بغداد، لتخفيف الضغط على الشبكة، خصوصاً في فصل الصيف. كما وقّعت وزارة الكهرباء إتفاقية ضخمة مع شركة أمريكية-بريطانية لإنشاء مشروع شمسي بقدرة 3 آلاف ميغاواط، يشمل أنظمة تخزين بطاريات بسعة 500 ميغاواط، وخطوط نقل تيار مباشر بطول 1000 كيلومتر، ما يضع العراق على طريق تحول نوعي نحو الطاقة النظيفة. هذه الصفقات الإستراتيجية، التي شملت تطوير النفط والغاز والكهرباء والطاقة المتجددة، لم تكن مجرد عقود، بل خطوة عملية نحو إعادة بناء قطاع الطاقة العراقي، وتحقيق أمن الطاقة والإستقرار الإقتصادي، وتوفير بنية تحتية حديثة، قادرة على تلبية الطلب المحلي المتنامي، وتقليل الإعتماد على الإستيراد، مع إدماج التكنولوجيا الحديثة وحلول الإستدامة في منظومة وطنية متكاملة. كما وقّعت مصر إتفاقية لتوريد الغاز الطبيعي “من لبنان إلى لبنان”،  فالغاز نفسه التي تريد مصر بيعه إلى لبنان لإنتشال نفسه من العتمة الشاملة، هو لبناني الأصل مستخرج من مياهه الإقليمية لكن الكيان الذي إعتاد على السرقة قام بسلبه وبيعه، فيما مصر نفسها وقعت مع إسرائيل على إتفاق جديد لإستيراد الغاز الطبيعي تبلغ قيمته نحو 35 مليار دولار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى