صحافة وآراء

نتنياهو بين مأزق الأنفاق والهروب من لجنة التحقيق: إسرائيل فوق برميل بارود داخلي وإقليمي!

ريم حسن خليل

يُخدع من يظن أن المشهد قد هدأ. صحيح أن المجازر الجماعية في غزة توقفت مؤقتاً، لكن المنطقة -بما فيها القطاع- لا تزال على موعد مع أسابيع وأشهر متوترة، خاصة في ظل وجود الحكومة الإسرائيلية الحالية وتصاعد التهديدات مع حزب الله في لبنان. فوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لوّح مؤخراً بتهديدات تمتد إلى لبنان واليمن، فيما نقلت وسائل إعلام عبرية عن مسؤول استخباري رفيع قوله إن الحكومة الإسرائيلية يجب أن تضع هدفاً واضحاً يتمثل في إسقاط النظام الإيراني قبل نهاية ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. أي أن تل أبيب ما زالت تفكر بعقلية الحرب، وتعد لمرحلة إقليمية قد تمتد إلى جبهات متعددة.

التقارير الإسرائيلية تتحدث عن تسارع في إعادة إنتاج الصواريخ الباليستية الإيرانية وترميم منصات الإطلاق التي دُمّرت خلال الحرب السابقة، في وقت تراقب فيه إسرائيل كل تلك التحركات عن كثب. بالتوازي، لا تُطرح أي مبادرات تفاوض نووي أو رقابة دولية، ما يجعل الذرائع الإقليمية والدولية للحرب جاهزة في أي لحظة.

الضفة الغربية ليست مستثناة من المشهد، فالاعتداءات الإسرائيلية مستمرة بوتيرة مرتفعة، بينما تتردد في الأوساط السياسية والعسكرية فكرة “وقف الهدنة” في غزة، و”الاستعداد لمواجهة حتمية مع حزب الله وإيران”. لا أحد في إسرائيل يتحدث عن نهاية المعركة، بل عن تأجيل جولة قادمة فقط، والسؤال هو: متى؟ بعد أيام، أم أسابيع، أم أشهر؟

في المقابل، ترفع إيران من نبرة تحديها، إذ صرّح أحد مسؤوليها مؤخراً أن بلاده أطلقت خلال الحرب السابقة نحو 500 صاروخ خلال 12 يوماً، لكنها قادرة الآن على إطلاق 2000 صاروخ يومياً إذا اندلعت مواجهة جديدة. ورغم صعوبة الجزم بمدى واقعية هذا التهديد، إلا أن المؤكد أن المنطقة تستعد لعام متفجر سياسياً وعسكرياً.

أما على صعيد أزمة المقاتلين الـ 200 المحاصرين في أنفاق رفح، فقد كشفت التسريبات عن اجتماع بين بنيامين نتنياهو وجاريد كوشنير-صهر الرئيس ترامب- تناول مصير هؤلاء المقاتلين. الموقف الإسرائيلي المتشدد في البداية، الذي كان يصرّ على “عدم خروج أحد حيّاً”، بدأ يلين تحت الضغط الأمريكي. يجري الحديث الآن عن اتفاق محتمل يقضي بتسليم المقاتلين أسلحتهم والخروج من الأنفاق، في خطوة يُنظر إليها على أنها دعائية داخلية لتخفيف الغضب الإسرائيلي وإظهار أن تل أبيب فرضت شروطها.

لكن هذه الرواية تبدو هشة، فالأسلحة التي يتحدثون عن تسليمها لا تتعدى بعض البنادق أو القنابل الخفيفة، ولن تؤثر على موازين القوى داخل غزة. بل إن مناقشات داخلية إسرائيلية طرحت إمكانية نقل هؤلاء المقاتلين إلى مصر أو دولة ثالثة، في خطوة محفوفة بالتعقيد الدبلوماسي، لأن كثيراً من هؤلاء المقاتلين يفضلون البقاء في غزة. ومع ذلك، يتوقع أن يتم حسم هذا الملف قبل نهاية الأسبوع، بحسب ما صرّح نتنياهو، الذي قال إن الأمر سينتهي “بطريقة مفيدة لإسرائيل”، وهي عبارة فضفاضة يستخدمها لتبرير أي مخرج يراه مناسباً.

في الداخل الإسرائيلي، يبقى ملف لجنة التحقيق في أحداث 7 أكتوبر النقطة الأكثر إحراجاً لنتنياهو، إذ يرفض السماح بتشكيل لجنة رسمية رغم ضغط أهالي القتلى والأسرى والمعارضة. لجان الجيش السابقة وُصفت بأنها “تحقيقات فاشلة”، والملفات المتعلقة بالجاهزية والإنذار المسبق تم تجاهلها عمداً. المعارضة تعتبر أن نتنياهو يتهرب من المساءلة ويخشى أن تُدين اللجنة الحكومة بأكملها في إخفاقات السابع من أكتوبر.

خلال جلسات الكنيست، تهرّب نتنياهو من الرد على أسئلة المعارضة، مكتفيًا بتكرار شعارات مثل “النصر على حزب الله” و”الصمود أمام إيران”، وعندما طُلب منه تفسير رفضه للجنة التحقيق، قال عبارته الشهيرة “المعركة لم تنتهي بعد” وهي الجملة التي يرى فيها كثير من المراقبين تمهيداً لإشعال حرب جديدة للهروب من المحاسبة.

في المقابل، يرى الشارع الإسرائيلي في موقفه إهانة، إذ جرت العادة على تشكيل لجان تحقيق حتى في قضايا أقل حجماً من أحداث 7 أكتوبر. ويعتقد كثيرون أن نتنياهو يؤخر اللجنة عمداً بانتظار الانتخابات المقبلة، على أمل البقاء في الحكم وإلغاء الملف نهائياً.

أما خارجياً، فقد لفتت الأنظار زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن بدعوة من ترامب، حيث استقبل في البيت الأبيض وسط دهشة إسرائيلية وسخرية من الإعلام العبري الذي وصفه بأنه “الجولاني” وليس “أحمد الشرع”، في إشارة إلى تاريخه حيث كان مطلوب مركزي وأساسي في قضايا الإرهاب وطُلب برأسه ملايين الدولارات الأمريكية لمن يسلمه أو يدلي بمعلومات عنه كونه من قيادة جيش تحرير الشام والقاعدة وداعش في الماضي، واليوم هو ضيف محترم جداً في البيت الأبيض. الصحف العبرية علّقت على الزيارة بـ “الصفقة الغريبة” التي تجعل من قائد سابق في تنظيمات جهادية شريكاً في التحالف الدولي ضد داعش، معتبرة أن تركيا تقف وراء ترتيب هذه الزيارة لتعزيز نفوذها في سوريا وغزة، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديداً مباشراً لمصالحها.

وفي ظل هذا المشهد المترنح، تستمر سياسات التضييق على الفلسطينيين داخل إسرائيل، حيث أقرّت لجنة في الكنيست مشروع قانون جديد يسمح باعتقال المواطنين بتهمة “التحريض على الإرهاب” بسهولة أكبر، دون الحاجة لموافقة النيابة العامة كما كان في السابق. البيانات الرسمية تشير إلى أن 96% في ملفات التحريض التي تم فتحها ضدهم في أول الحرب خصوصا مع وجود بن غفير، والتحريض الموجود في الشبكات الإسرائيلية اليهودية نافرة وخطيرة والتحريض لا يتوقف حتى على الطفل الفلسطيني.

ملامح مرحلة خطيرة في الداخل الإسرائيلي، حيث الانقسام الاجتماعي يتعمق، والتهديدات الإقليمية تتصاعد، ونتنياهو يناور للهروب من المساءلة. المشهد العام يوحي بأن إسرائيل تقف فوق برميل بارود داخلي وإقليمي، وأن أي خطوة خاطئة قد تشعل من جديد حرباً مفتوحة تمتد من غزة إلى طهران.


أعلاه هو خلاصة ما يدور في أدمغة بنيامين نتنياهو ومن معه، طبعاً هذا من خلال الإعلام الاسرائيلي والتسريبات والتقارير والاستنتاجات المستحصلة، آمل أن تنال أهل الاختصاص.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى