صحافة وآراء

لماذا فشل الاتحاد الأوروبي بمصادرة الأصول الروسية؟

د. أيمن أبو الشعر

التخلي عن مصادرة الأصول الروسية انتصار للعقل والمنطق السليم، وصفعة للراغبين في إطالة أمد الحرب.

سرقة أضرارها أسطورية

لم يكن صدفة أن تستخدم بعض التعليقات على محاولة الاتحاد الأوروبي مصادرة الأصول الروسية ظلالا اسطورية كارثية من حيث نتائجها، حيث يتم تشبيه هذه العملية بفتح صندوق باندورا! فمن هي باندورا وما قصة صندوقها، ولماذا يتم تشبيه احتمال مصادرة الأصول الروسية به؟.  

باندورا شخصية اسطورية إغريقية تعتبر المرأة الأولى على وجه الأرض أمر رب الأرباب زيوس بتكوينها من التراب والماء، ومن ثم تم منحها الجمال والذكاء والموهبة والحيلة، وأرسلها كهدية “لإبيميثيوس” شقيق بروميثيوس الذي سرق النار وأهداها للبشر كخطوة مساعدة لتطويره، وأراد زيوس بذلك أن ينتقم من البشر وبروميثيوس معا من خلال إفشال مشروعه بتدميره من الداخل، حيث منح “باندورا” صندوقا مغلقا وطلب منها ألا تفتحه أبدا، وهو يعلم مدى فضولها، وبعد أن تزوجها إبيمثيوس فتحت ذاك الصندوق الذي كان مليئا بالشرور المختلفة والأمراض والنكبات والفظائع والدسائس التي انطلقت منه وانتشرت في الأرض، وباتت تصاحب البشر، وخرج آخر شيء من الصندوق الأمل على شكل ضوء وليس مجسدا ليرمز إلى أن الأمل نفسه يبدو في صندوق باندورا  حسن المظهر لكنه زائف!!! حتى أن البرلماني البلجيكي رودي كينيس حذر بوضوح من أن فكرة المفوضية الأوروبية لاستخدام الأصول الروسية المجمدة لصالح أوكرانيا قد تفتح “صندوق باندورا” وتتسبب بعواقب هائلة…

فكرة المصادرة على المحك الواقعي

يقدر حجم الأصول الروسية المجمدة بـ 300 إلى 350 مليار دولار قرابة 300 مليار تعود للبنك المركزي الروسي كذهب وعملات وسندات وحوالي  50 مليار أموال وأملاك خاصة لأفراد وشركات روسية، وقد سارع الغرب إلى تجميد هذه الأصول بُعيد بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وتتركز معظم هذه الأصول كودائع في مؤسسة يوروكلير البلجيكية الأمر الذي ساهم مساهمة كبيرة في إفشال مساعي المفوضية الأوروبية، حيث كانت أورسولا فون دير لاين الأكثر تحمسا للاستيلاء على تلك الأصول، وقامت بمساع حثيثة لإقناع قادة الاتحاد الأوروبي بذلك، وتمكنت على أقل تقدير من تثبيت تجميد تلك الأصول إلى أجل غير مسمى، لكنها فشلت في الحصول على موافقة الاتحاد على مشروعها، وتبرز في هذا المجال عدة عوامل أهمها:

-أن روسيا حذرت من مغبة القيام بهذا الإجراء وأعلنت أنها لن تتهاون أبدا في هذا المجال لا على الصعيد القانوني ولا على الصعيد الإجرائي، فعلى الصعيد القانوني بدأت عمليا برفع دعوى ضد مؤسسة يوروكلير لاستعادة ودائعها من بلجيكا، وعلى الصعيد الإجرائي هددت بأنها ستقوم بمصادرة الأصول الأوروبية الموجودة في روسيا في إطار المعاملة بالمثل

– هذا ناهيك عن أن استخدام الأصول الروسية المجمدة سيقوض أسس النظام المالي الدولي حسب ألفيرا نبيولينا رئيسة البنك المركزي الروسي.

– تغير موقف واشنطن تماما، وأصبحت لا تؤيد مصادرة الأصول الروسية، بل حذرت إدارة ترامب من أنه في حال تمت المصادرة، فإن على الاتحاد الأوروبي إعادة هذه الأموال لاحقا.

-أكد رئيس الوزراء الهنغاري أوربان أن على أبناء وأحفاد الذين يتخذون قرار المصادرة اليوم أن يسددوا غدا ما استخدمه آباؤهم وأجدادهم.

– حتى البنك المركزي الأوروبي أعلن على لسان رئيسته كريستين لاغارد أنه لن يدعم أية آلية لإقراض أوكرانيا يمكن أن تنتهك اتفاقيات الاتحاد الأوروبي مشددة على احترام سيادة القانون.

– رفضت بلجيكا أن تتم مصادرة الأصول المودعة عندها، وطالبت بأن تتقاسم الدول الأوروبية تبعات تلك المخاطر: ” إذا أرادت أوروبا المضي في خطة التعويضات، فعليها أن تتقاسم المخاطر بالكامل وتوفر ضمانات سيولة كافية… أعطوني المظلة، ثم اقفزوا معي. لكن حتى الآن، لم أر نصا واحدا يستوفي هذه الشروط”.

– تحولت مواقف العديد من الدول الأوربية، وتكاثر عدد الدول الرافضة لمصادرة الأصول الروسية عشية القمة الأوربية مما أحرج المفوضة الأوربية واضطرت إلى عدم طرح الموضوع، وهذه الدول هي: بلجيكا، سلوفاكيا، إيطاليا، هنغاريا، التشيك، بلغاريا، ومالطا.

-ناهيك عن أن ممارسة غير قانونية كهذه ستضرب السوق المالية وتفقد أوروبا مكانتها كمنطقة موثوقة وستتوجه معظم الدول لسحب إيداعاتها من البنوك الأوربية، وفي مقدمة هذه الدول مجموعة بريكس التي تبلغ حصتها من الاقتصاد العالمي 27% ناهيك عن دول غنية أخرى ستخشى على أموالها.

كل هذه العوامل أوحت بما لا يدع مجالا للشك بأن الإقدام على مثل هذه الخطوة سيعني بالفعل فتح صندوق “باندورا” ومواجهة مشاكل عديدة وكبيرة.

ردود الفعل الأولى

كان بديهيا أن ترحب موسكو بهذه الخطوة مع إدراكها بأن أوروبا اتخذت هذا الموقف على مبدأ “مكره أخاك لا بطل” فقد أعلن الرئيس الروسي بعد بضع ساعات من اختتام أعمال القمة الأوربية أن محاولة الاتحاد الأوروبي الاستيلاء على الأصول الروسية هو سرقة مفضوحة، وأن العالم أجمع يراقب ما يجري وكثير من الدول لديها سندات وودائع في الشركات المالية الأوروبية، وستمتنع كثير من هذه الدول عن أن تودع أصولها في أوروبا بعد ذلك، ويشير المعلقون بهذا الصدد بأنه في حال أقدم الاتحاد الأوروبي على هذه الخطوة، فإنه لن يستطيع أن يغير من الواقع ومساره الواضح نحو تحقيق روسيا أهدافها، ولن يجعل أوكرانيا تنتصر،  كل ما هنالك أن الغرب سيطيل أمد الحرب قليلا خاصة على خلفية ما يحققه الجيش الروسي على أرض الواقع…

كما وصف كيريل دميترييف المبعوث الخاص للرئيس الروسي تخلي الاتحاد الأوروبي عن مخططه لتمويل أوكرانيا من الأصول الروسية المجمدة بأنه “انتصار كبير للقانون والمنطق السليم” جاء تعليقه هذا حتى قبل اختتام أعمال القمة الأوربية لكن معظم المعطيات كانت تشير إلى أن قرار المصادرة بات ميتا عمليا، ولن يطرح على القادة كقرار ينتظر الموافقة عليه، بل ولن يتناوله بيان القمة، واعتبر التخلي عنه انتصارا لصوت العقل داخل أوروبا، وأنه عمليا يدافع عن مصالح الاتحاد الأوروبي ويساهم في استقرار “اليورو” ومجمل نظام  التسويات المالية في يوروكلير البلجيكية، وكان يمكن لو تم تمريره أن يُعرِّض كل هذه الركائز للخطر، من جهة ثانية اعتبر هذه النتيجة بمثالة ضربة قوية لأولئك الذين يسعون لإطالة أمد الحرب، وهو يقصد بشكل رئيسي أورسولا فون دير لاين، والأمر يطال في الواقع زعماء آخرين كانوا شديدي الحماس لمصادرة الأصول الروسية من أمثال توسك رئيس الوزراء البولوني الذي كان قد أوحى مع بداية القمة بأن مسألة مصادرة واستخدام الأصول الروسية بات واقعيا، وأنه تم اختراق جدي بشأنه، لتأتي نتائج القمة بمثابة صفعة قوية له ولوهمه وللواهمين معه!

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى