
هل سيتكرس الخصام بين روسيا وأرمينيا على خلفية تقاربها مع الاتحاد الأوروبي؟حيثيات الأزمة وتصاعدها
د. أيمن أبو الشعر
الرئيس الروسي ينوه بإمكانية الانفصال الحضاري، وبأن الأزمة في أوكرانيا بدأت بالسعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي
ارهاص تاريخي
لا بد من الإشارة إلى أن بعض الأحداث النوعية ساهمت في تردي العلاقات بين يرفان وموسكو ضمن ظروف تاريخية ودولية لها خصوصيتها، فقد سيطرت أرمينيا على إقليم قره باخ إثر انهيار الاتحاد السوفييتي نتيجة وجود غالبية أرمنية في هذا الاٌقليم، وظلت أذربيجان تطالب به باعتباره جزءا من أراضيها حتى وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ونتيجة الغالبية الأرمنية ظل إقليم “ناغورني قره باخ” يتمتع بحكم ذاتي منذ عام ، 1923 ولكن داخل أذربيجان، ثم انفصل نهائيا عن أذربيجان عند انهيار الاتحاد السوفييتي، وجرت صدامات دامية بين أرمينيا وأذربيجان إبان محاولة باكو استعادة الإقليم، ومع تصاعد قوة أذربيجان عسكريا بتحالفها مع تركيا تمكنت عام 2023 من السيطرة على قره باخ واستعادته ما اضطر القسم الأكبر من سكان هذا الإقليم الجبلي إلى النزوح إلى أرمينيا، حدث ذلك رغم أن أرمينيا عضو في معاهدة الأمن الجماعي مع روسيا وبيلاروسيا وقازاخستان وقرقيزيا وطاجاكستان، والتي تفترض تقديم الدعم العسكري في حال تعرض أي من هذه الدول للعدوان الخارجي، لكن الأمر هنا بالغ التعقيد انطلاقا من أن أرمينيا لم تتعرض لعدوان خارجي، وإقليم قره باخ لا يتبع لها بل لأذربيجان التي استعادته، ومع ذلك اعتبرت أرمينيا أن روسيا خذلتها، وقامت بتجميد عضويتها في تلك المعاهدة.
خطوات غاضبة
لم تستطع أرمينيا التهادن مع هذا المآل خاصة أنها بلد صغير لا يزيد عدد سكانه عن ثلاثة ملايين نسمة، وبالتالي فإن نزوح مئة وعشرين ألفا من قره باخ إلى أرمينيا ذات الاقتصاد الضعيف أساسا أمر موجع وصعب، وألقت باللوم على روسيا التي لم تنهض لمساعدتها عسكريا، بل لم تتدخل القوات الروسية الموجودة في قره باخ كقوات حفظ سلام مع قوات تركية.
بعد ذلك بدأت أرمينيا بالتعبير عن رغبتها بالتقارب مع الاتحاد الأوروبي وفي 12 مارس 2024 أصدر البرلمان الأوروبي قرارا يتضمن إتاحة المجال لأرمينيا لتقديم طلب للعضوية على أن تستوفي معايير كوبنهاغن، ثم أقرت أرمينيا ربيع عام 2025 قانونا يعبر عن رغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأعلن نيكول باشيتيان أن بلاده ستتابع التنسيق مع الاتحادين رغم علمه أن الإبقاء على الانتماء إليما معا أمر غير ممكن، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل قامت أرمينيا بداية مايو 2026 باستضافة اجتماعين أوربيين تاريخيين وهما القمة الثامنة للمجموعة السياسية الأوربية حضرها أكثر من 40 دولة وحضرها كذلك “زيلينسكي”، وأول قمة ثنائية بين الاتحاد الأوروبي وأرمينيا حيث تم إطلاق برنامج “شراكة الاتصال” للتعاون في مجالات النقل والطاقة والتحول الرقمي، بل ووقع الجانبان ترتيبات عمل مشتركة في مجالات الأمن والدفاع.
ردود فعل الاتحاد الأوراسي
لم تتقبل الدول الأربع الأخرى تصرفات أرمينيا فوجهت في لقاء قمة الاتحاد الأوراسي بيانا خاصا لأرمينيا موقعا من زعماء روسيا وبيلاروسيا وقرقيزيا وكازاخستان يطالبون القيادة الأرمنية بإجراء استفتاء شعبي بأسرع ما يمكن لتحديد مسار أرمينا اللاحق هل نحو الاتحاد الأوربي أم البقاء في الاتحاد الأوراسي، بل إن جانبا كبيرا من حوارات هذه القمة كان مكرسا لمناقشة توجهات أرمينيا الأخيرة هذه، وتم تكليف الجهات المعنية في الاتحاد بإعداد تقرير حول التداعيات الاقتصادية لأي انسحاب أو تعليق للمعاهدة مع أرمينيا، وتوجه الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو إلى المواطنين في أرمينيا بنصيحة لتوخي الحذر وضرورة تجنب السيناريو الذي وقعت فيه أوكرانيا، وأن يفكر بجدية قبل تحديد خياره، منوها بأن الاتحاد الأوراسي سيوافق على ما يختاره الشعب الأرميني، وأعلن أمين عام رابطة الدول المستقلة سيرغي ليبيديف أن أرمينيا لن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب، بل ستبقى عضوا في الاتحاد الأوراسي وفي رابطة الدول المستقلة.
ردود فعل روسيا
من البديهي أن تعتبر موسكو تصرفات يرفان موجهة ضدها بالدرجة الرئيسية خاصة أنها دعت زيلينسكي للقمة الأوربية، وأجرى باشينيان لقاء منفصلا معه. إعلاميا تناولت معظم وسائل الإعلام الروسية باستهجان واستغراب الخطوات الأرمنية حتى أن مدير عام مجموعة روسيا اليوم دمتري كيسيليوف عبر عن قناعته بأن باشينيان قد سلك طريق ساآكاشفيلي رئيس جورجيا الأسبق الذي ناصب روسيا العداء حيث شرع يوجه بوصلته نحو الغرب، ورغم أنه لم يمضغ ربطة عنقه كما كان يفعل ساآكاشفيلي إلا أنه بدأ يخدع شعبه – حسب كيسيليوف- بدعوته إلى تغيير المسار استراتيجيا والتخلي عن التعاون مع روسيا، وخاصة عجم إبلاغه حتمية ارتفاع أسعار الغاز في حال تمت القطيعة مع روسيا.
وقد أوضحت موسكو مدى خطورة هذا التوجه على أرمينيا نفسها حتى أن صحيفة فزغلياد كتبت تقول: أن روسيا مراعاة لأرمينيا لقاء انضمامها إلى الاتحاد الأوراسي بدأت تزودها بالغاز والوقود والماس بأسعار تفضيلية، ودون رسوم التصدير، لكن انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي سيفقدها هذه الإمدادات بشروط تفضيلية، هذا ناهيك عن أن شركة غاز بروم اشترت كامل شبكة نقل الغاز في أرمينيا، ويصل الغاز الروسي إلى أرمينيا حاليا ب 177،5 دولارا لكل 1000 متر مكعب في حين يبلغ سعره في أوروبا لكل ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي بين 545 و 850 دولاراً أمريكياً، وتبين أنه حتى لجوء أرمينيا إلى إيران القريبة يبقى صعبا في الظروف الحالية، والاستعانة بأذربيجان الجارة سيكون أصعب نتيجة العداء التاريخي بين الدولتين.
وقف الرئيس الروسي
اتسم موقف الرئيس الروسي بالمرونة والحسم بآن معا، فقد نوه بأن للقيادة الأرمينية أن تختار ما تراه الصواب، وأن روسيا ستحترم هذا الخيار وستسعى لأن يكون الانفصال هادئا وحضاريا، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن أرمينيا ستواجه خسارات حقيقية في عدة أمور، حيث ستفقد الفضاء الاقتصادي الأوراسي المتكامل الذي يحقق فوائد واقعية لكل دولة من دوله، وذلك بزيادة العائدات ورفع مستوى المعيشة لشعوب هذه الدول مستشهدا بواقع ارتفاع إجمالي الإنتاج الصناعي والزراعي وقطاع البناء بنسبة 10% ، ناهيك عن توسيع الاتفاقيات التجارية الخارجية وإجراء جميع التسويات بالعملات الوطنية، بل إن حجم التبادل التجاري بين دول الاتحاد الأوراسي زاد عن 95 مليار دولار أمريكي العام الفائت، وأوضح الرئيس بوتن بأن قرار أرمينيا بالتوجه نحو الاتحاد الأوروبي يجب أن ينبع من مصالح الشعب الأرمني، بل من مصالح الشعبين الأرمني والروسي اللذين تربطهما علاقات صداقة تاريخية لقرون عديدة، مذكرا في غضون ذلك بأن الأزمة في أوكرانيا بدأت على خلفية محاولة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وشدد على أنه يستحيل الجمع بين الاتحادين، مشيرا إلى حجم الاستثمارات الفعلية الروسية في أرمينا وهي ضعف الاستثمارات الموعودة لفظا بعد من الاتحاد الأوربي، هذا ناهيك عن أمر في غاية الأهمية والخطورة على الشعب الأرمني نفسه حيث أشار الرئيس الروسي إلى أن شروط العمل في روسيا ستتغير بالنسبة للأرمن حيث سيكون لزاما على الأرمني في روسيا الحصول على ترخيص عمل وضرورة إقامة لمدة خمس سنوات وغيرها من المتطلبات التي توجه للأجانب، حيث سيعامل الأرمن عندها كأجانب، والواقع أن عدد الأرمن الذين يعيشون ويعملون في روسيا يزيد عن مليونين ونصف المليون أرمني، وهم عادة يرسلون الحوالات لأهاليهم ما يشكل دخلا مساعدا للاقتصاد الضعيف أساسا، المفارقة أن عدد سكان أرمينيا لا يزيد عن ثلاثة ملايين نسمة أي ما يقارب تعداد الذين يعيشون ويعملون في روسيا فهم يزيدون عن ملونين ونصف المليون نسمة!!!




