
اختبار الزيدي في طهران
بعد أقل من 24 ساعة من عودة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي من طهران يوم الخميس، تعرّضت كردستان العراق مرة أخرى للهجوم.
اعترضت الدفاعات الجوية للتحالف بقيادة الولايات المتحدة خمسة طائرات مسيّرة مفخخة فوق أربيل، ما أسفر عن انفجارات ودخان بالقرب من المطار الذي يستضيف قوات التحالف ويقع بجوار القنصلية الأمريكية. وعلى الرغم من أن إقليم كردستان العراق ليس غريباً عن هجمات إيران ووكلائها، فإن التوقيت كان يصعب تجاهله.
فبالنسبة لطهران، ورغم وصول رئيس وزراء عراقي جديد يعد بمسار مختلف، يبدو أن الأمر لا يزال «كالمعتاد».
هذا هو التحدي الذي يواجهه الزيدي. الزيدي، الذي كان رئيساً تنفيذياً سابقاً ويتميز بأسلوب يركز على النتائج، سعى إلى إعادة صياغة العراق كجسر لا كساحة معركة بين الولايات المتحدة وإيران.
أولوياته واضحة: مكافحة الفساد، وتوسيع التجارة وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز مؤسسات الدولة لصالح الشعب العراقي، وإخضاع الميليشيات المسلحة لسيطرة الحكومة.
وقد تجسّد هذا التصور خلال رحلته الخارجية الأولى إلى واشنطن التقى خلالها الرئيس دونالد ترامب وأشرف على توقيع 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع شركات أمريكية بقيمة محتملة تصل إلى 60 مليار دولار.
أشارت الزيارة إلى تحوّل في العلاقات الأمريكية-العراقية من التركيز على الجانب الأمني إلى التركيز المتزايد على الاستثمار والطاقة والبنية التحتية.
يبدو أن الزيدي يتوافق مع رؤية ترامب حول كيفية تحقيق التكامل الاقتصادي والتجارة لما لم تحققه عقود من الصراع في الشرق الأوسط. فالموقع الاستراتيجي للعراق وموارده الهائلة من الطاقة يجعلانه مركزاً طبيعياً للتجارة الإقليمية.
تبدو الشركات الأمريكية متجاوبة. ومع ذلك، يمكن للعراق أن يفعل المزيد لبناء الثقة. ومن الخطوات الفورية حل النزاعات المتعلقة بأكثر من مليار دولار من العقود المستحقة بين حكومة إقليم كردستان وشركات النفط الدولية. كان الزيدي قد تعهد بدفع مستحقات هذه الشركات قبل توجهه إلى واشنطن. والوفاء بهذا الالتزام الآن سيرسل إشارة قوية للمستثمرين الذين يبحثون عن القدرة على التنبؤ قبل الالتزام برؤوس الأموال.
أما العقبة الأكبر فتبقى إيران. خلال لقاءاته في طهران مع بزشكيان ومسؤولين كبار آخرين، طمأن الزيدي القادة الإيرانيين بأن الأراضي العراقية لن تُستخدم لتهديد إيران. وفي الوقت نفسه، ناقش الفرص الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ من تعزيز الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك إمكانيات الروابط التجارية التي تشمل العراق والولايات المتحدة معاً.
يجب أن يتردد هذا الرسالة صدى في طهران. فآفاق تخفيف العقوبات، والحصول على الأصول المجمدة، ومئات المليارات من الدولارات من الاستثمارات الأجنبية المحتملة – وكلها وردت في مذكرة التفاهم الشهر الماضي – تعتمد على تفاهم أوسع بين واشنطن وطهران.
لكن على الأقل بعض القادة الإيرانيين ما زالوا يتمسكون بشدة بـ«روح المقاومة»، وكذلك بوهم أن مضيق هرمز سيبقى حكراً على إيران وحدها، وأنها تستطيع الاستمرار في المماطلة في برنامجها النووي، والأهم من ذلك، أنه لن تكون هناك عواقب أكثر إيلاماً على الشعب الإيراني إذا استمرت الحرب.
كل هذا له تداعيات على العراق. فقد منح الزيدي 3 ميليشيات متبقية موالية لإيران مهلة حتى 30 أيلول/سبتمبر لتسليم أسلحتها والاندماج في مؤسسات الأمن العراقية. وقد شنت هذه الجماعات مراراً هجمات ضد إقليم كردستان وشركاء الولايات المتحدة في الخليج. وتمسك إيران بأوراق هذه الجماعات. تدعم واشنطن نزع السلاح، لكن بالنسبة للزيدي فإن القضية تتعلق في جوهرها بالسيادة. فلا يمكن لأي حكومة أن تمارس سلطتها الكاملة بينما تجيب جماعات مسلحة على قوى خارجية.
والموعد النهائي له أهمية خاصة لأنه يتزامن مع الانسحاب المخطط لمئات المستشارين الأمريكيين المتبقين من مهمة مكافحة داعش. وقد ترى إيران ووكلاؤها هذا الانسحاب دليلاً على تراجع الالتزام الأمريكي. وسيكون ذلك قراءة خاطئة خطيرة لكل من مصالح واشنطن ومسار العراق.
في غياب تفاهم أمريكي-إيراني أوسع، ستستمر الهجمات على كردستان العراق والخليج، وستكون لدى الميليشيات العراقية كل الحوافز لتأجيل نزع السلاح بانتظار توجيهات من طهران.
لقد عرض رئيس الوزراء، من خلال مثاله ومن خلال دبلوماسيته، على إيران مساراً مختلفاً: خفض التوترات، وتعزيز الدولة، والمشاركة في الانفتاح الاقتصادي العراقي الذي سيعود بالنفع على إيران أيضاً.
بمعنى آخر: أن تصبح طرفاً معنياً بالاستقرار لا معرقلاً له.
أما البديل المتمثل في استمرار الصراع فيقوّض وعد نظام إقليمي أكثر ازدهاراً واستقراراً وأماناً. والسؤال الذي يواجه إيران يزداد بساطة: الانضمام إلى المستقبل الاقتصادي للمنطقة أم الوقوف في طريقه.
المصدر: المونيتور (صحيفة إلكترونية)




