دولي

تآكل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي في ظل حرب غزة وتوسّع ساحات الصراع

ماتريوشكا نيوز

غزة لم تعد مجرد مسرح عسكري بين إسرائيل وحركة حماس، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس حدود التفاهم الأمريكي–الإسرائيلي. فإصرار وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن إسرائيل لن تخرج أبداً من غزة، وإعلانه نية إقامة منطقة أمنية دائمة ونواة إستيطانية شمال القطاع، يمثل إعلاناً صريحاً عن رؤية إسرائيلية تتجاوز منطق وقف إطلاق النار إلى فرض واقع إحتلال طويل الأمد. هذا الخطاب لا يتناقض فقط مع التفاهمات المعلنة بل يصطدم مباشرة بالتصور الأمريكي لمرحلة اليوم التالي، والذي يقوم نظرياً على إنسحاب تدريجي ومنع إعادة الإستيطان، وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية دولية. الخلاف هنا ليس تقنياً، بل وجودي في تعريف الهدف من الحرب، فإسرائيل ترى في الحرب فرصة لإعادة هندسة الجغرافية الفلسطينية بالقوة وفرض معادلة ردعية جديدة تقوم على أن الأرض مقابل الدم. لكن هذه الرؤية تصطدم بحقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية رغم دعمها العسكري والسياسي، لم تمنح بعد تفويضاً مفتوحاً لإعادة هندسة الحدود، وهو ما يفسر سعي بنيامين نتنياهو للحصول على ضوء أخضر من واشنطن في زيارته المرتقبة. وهنا يكتسب طرح الخط الأصفر وضم نحو 58% من مساحة غزة دلالة تتجاوز كونه تسريباً إعلامياً، ليصبح أداة تفاوض غير معلنة مع واشنطن عبر فرض وقائع على الأرض أولاً، ثم طلب الغطاء السياسي لاحقاً. ما يجري يكشف عن التصدعات العميقة داخل هيكل العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية التي طالما قُدِّمت بوصفها تحالفاً غير قابل للكسر. وما نشهده اليوم ليس فقط إدارة حرب، بل إدارة أزمة تحالف، تتقاطع فيها ملفات غزة، وإيران، ولبنان، وسورية، وتركيا، وتنعكس حتى داخل السياسة الأمريكية نفسها. وأحد أخطر تداعيات الحرب يتمثل في إنتقال الخلاف من مستوى الحكومات إلى الفضاء السياسي الأمريكي الداخلي. فتصريح النائب الجمهوري السابق مات غيتز بأن العلاقة مع إسرائيل سامة ومسيئة للولايات المتحدة الأمريكية، يعكس تحوّلاً نوعياً في خطاب كان محظوراً سابقاً داخل التيار المحافظ فهذه ليست زلة لسان، بل مؤشر على تبدل وتغير مزاج سياسي داخل قطاعات من اليمين الذي كان تاريخياً أكثر إنحيازاً لإسرائيل، ويتعزز هذا الشرخ بعودة ملفات قديمة إلى السطح، وعلى رأسها حادثة الهجوم الإسرائيلي على السفينة الأمريكية يو إس إس ليبرتي (1967)، التي تبقى جرحاً مفتوحاً في الذاكرة العسكرية الأمريكية، وإعادة تداول هذه الحادثة بكل تفاصيلها الدموية، ليست بريئة التوقيت فهي تُستخدم اليوم كمرآة تعكس سؤالاً أعمق: هل كانت إسرائيل وما تزال، شريكاً أمنياً موثوقاً أم باتت عبئاً إستراتيجياً؟ في قلب هذا النقاش يعود إسم جوناثان بولارد، لا كقضية تجسس فقط بل كـرمز لتناقض العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية. روايته عن تلقيه رسالة غير مباشرة تحثه على الإنتحار لإغلاق الملف، ثم رفضه القاطع لأي وجود عسكري أجنبي داخل إسرائيل، تضعنا أمام مفارقة قاسية: إسرائيل التي طالبت أمريكا لعقود بالإفراج عنه، تتحول إلى طرف أراد التخلص منه سياسياً. الأخطر هو موقفه من مركز التنسيق المدني–العسكري في كريات جات، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ويضم دولاً غربية وعربية. وصفه لهذا المركز بأنه تهديد للسيادة الإسرائيلية يكشف جوهر الإشكال: إسرائيل تريد دعماً أميركياً بلا رقابة، وقوة بلا شراكة فعلية في القرار. وأمام هذا الضغط المتصاعد داخلياً وخارجياً، يعيد نتنياهو إحياء الملف الإيراني. ليس لأن الخطر جديد، بل لأن إيران تمثل له طوق نجاة سياسي وفزاعة الداخل عبر تضخيم الحديث عن إعادة تأهيل القدرات الصاروخية الإيرانية وتحويل المناورات إلى تهديد وشيك، يحاول نتنياهو نقل مركز النقاش من فشل السابع من أكتوبر، ومن وحل غزة، إلى ساحة تهديد خارجي جامع ويريد الرضا من إدارة ترامب والرئيس نفسه لكسب ثقته لعله يعفو عنه أمام لجنة العفو الدولية التي يهرب من المثول أمامها كل مرة كطفل صغير يحاول اللهو عن واجباته المدرسية ولكن هناك فرق بين اللهو عن الدراسة واللهو عن القتل والإجرام! اللجنة الحكومية التي يجري تشكيلها للتحقيق في أحداث السابع من أكتوبر، مع توسيع نطاقها حتى إتفاق أوسلو، ليست بحثاً عن الحقيقة بقدر ما هي محاولة لإعادة كتابة السردية: ربط الفشل الحالي بمسار تاريخي طويل، وتذويب المسؤولية السياسية المباشرة. وفي لبنان يتحرك المشهد على حافة الإنفجار دون الإنزلاق إليه. إغتيالات متفرقة غارات يومية وإتهامات إسرائيلية بوجود عناصر لفيلق القدس الإيراني، تقابلها تصريحات لبنانية رسمية كرئاسة الجمهورية تتحدث عن إبعاد شبح الحرب وحصر السلاح بيد الدولة. هذا التناقض يعكس واقعاً معقداً: إسرائيل تضغط عسكرياً لإعادة فرض الردع والتخلص من السلاح، لكنها ما تزال مترددة في فتح جبهة شاملة دون غطاء أمريكي واضح. نتنياهو لن يحمل ملف ضرب إيران، عقدته الحالية فقط الى الرئيس ترامب، بل أيضاً ملف حزب الله وسلاحه على أن الحزب تعافى ويعيد ترتيب نفسه وتموضعه في الجنوب والبقاع والضاحية وإعطائه ضوءاً أخضر لعملية واسعة ضده من قبل ترامب يندرج ضمن السياق نفسه عبر توسيع الصراع كوسيلة لإعادة ضبط ميزان التحالف. أما سورية اليوم هي الساحة الأكثر تعقيداً. فهناك تتقاطع إسرائيل وتركيا وروسيا، والولايات المتحدة الأمريكية وقسد. الوساطة الروسية – بقبول أمريكي – بين دمشق وتل أبيب، تكشف أن واشنطن لم تعد تمانع دوراً روسياً إذا كان يحدّ من النفوذ التركي جنوباً. وإسرائيل من جهتها ترى في قسد ورقة إستراتيجية لعرقلة المشروع التركي، بينما تعتبر أنقرة أن التنسيق بين قسد وإسرائيل هو العقبة الأساسية أمام تسوية داخلية سورية. التهديد التركي بعملية عسكرية مقابل التخوف من إستغلال إسرائيل للفوضى لتوسيع إحتلالها، يجعل سورية مرشحة لتصعيد غير مباشر، تُدار فيه المعركة عبر الوكلاء. والتحول الأبرز هنا يتمثل في إنتقال تركيا في الخطاب الإسرائيلي من خصم تكتيكي إلى العدو الأول. التحالف الثلاثي مع اليونان وقبرص، والتصعيد الإعلامي حول الإمبراطورية العثمانية، ليس سوى محاولة لحشد جبهة إقليمية ودولية لعزل أنقرة، خصوصاً داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تنشط اللوبيات الإسرائيلية لعرقلة برامج التسليح التركية. لكن المفارقة أن إسرائيل وهي تحاول محاصرة تركيا، تجد نفسها في مواجهة دولة عضو في الناتو، ذات جيش وإقتصاد ونفوذ إقليمي واسع، ما يجعل أي مواجهة مباشرة مغامرة ذات كلفة عالمية عالية. إذن ما يجري اليوم ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل عملية إعادة تشكّل للنظام الإقليمي. الحرب على غزة كانت الشرارة، لكنها كشفت ما هو أعمق: إسرائيل تحاول فرض وقائع دائمة بالقوة، والولايات المتحدة الأمريكية تدعم لكنها تتردد في منح شيك على بياض، وإيران تُستخدم كفزاعة لإعادة لملمة الداخل الإسرائيلي المتخبط، ولبنان وسورية ساحتا ضغط لا أكثر، فيما تركيا تتحول إلى خصم إستراتيجي صريح. وفي قلب كل ذلك، يتآكل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي من الداخل، لا بالقطيعة، بل بالشك، والتوتر، وتضارب الأجندات. هذا التآكل لا يعني الإنفصال، لكنه يعني أن مرحلة الطاعة الإستراتيجية إنتهت، وأن المنطقة دخلت زمناً أكثر سيولة، حيث لا شيء مضمون، ولا تحالفات مقدسة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى