صحافة وآراء

نيقولاي غوغول – مبدع حاول الانتحار لكنه بقي حياعلى مدى العصور (الجزء الثاني)

د. أيمن أبو الشعر

• انعكست تجارب غوغول الحياتية في أعماله الإبداعية عبر حوادث صغيرة أو كبيرة عاشها وظهرت فيما بعد كباعث لبعض أجواء هذا العمل أو ذاك.

هناك عدة جوانب رئيسية تتجلى فيها انعكاسات التجارب والمعاناة الحياتية على نتاجات غوغول، نتوقف عند أهمها في نتاجاته من وجهة نظرنا، ومن أهم هذه الانعكاسات القوزاقية نراها في روايته “تاراس بولبا” لكن سيكون لنا معها وقفة خاصة:
1- أول ملاحظة نسجلها هي أن غوغول لم يعالج، بل لم يتطرق جديا لقضايا الحب بين الرجل والمرأة، وتعتبر معظم الآراء أن مرد ذلك يعود إلى أنه كان قد صبَّ جل اهتمامه على النقد الاجتماعي الساخر، وإظهار تفاهة مجتمع النفاق التي أدت إلى إهمال العواطف الإنسانية، وأنه أولى اهتمامه لإبراز طباع وممارسات الشخصيات المشوهة وحتى تلك المصابة بعُقد نفسية… هذا صحيح، ولكن إلى حد ما فقط، فمعاصروه من الأدباء الكبار لم يهملوا موضوعة الحب كبوشكين الذي كتب أروع أشعار الحب في فترات زمنية مقاربة، ورواية يوجين أونيغن إحدى قمم التعبير عن مشاعر الحب النبيلة، وحتى الحب العاثر في رواية آنا كاريننا لتولستوي، ونذهب إلى الاعتقاد بأن مرد ذلك هو أن غوغول كان انطوائيا، ولم يعش ولو حالة حب واحدة كما تدل سيرته الحياتية حتى أنه لم يتزوج، وبما أنه كان صادقا جدا في التعبير عما عاشه من خلال نتاجاته غابت هذه الموضوعة عن أدبه.

2- معظم الدارسين لغوغول يرون في قصة الأنف محاولة من غوغول لتقديم عمل “غير عادي” مركزا على اسلوب السخرية المرة في الكوميديا السوداء والطابع العبثي قبل ظهور التيار العبثي في الأدب، وأنه كرس ذلك الابتكار في القص لإظهار زيف المكانة الاجتماعية والبيروقراطية المتورمة آنذاك في المجتمع الروسي، ناهيك عن توغله في الرمزية حيث اعتبر الأنف ممثلا للهوية، وحتى المكانة الاجتماعية، وليس صدفة أن يقال شامخ الأنف مثلا، أو يرفع أنفه عاليا، بمعنى السمو في المجتمع، وبالتالي فإن فقدان الأنف بهذا السياق يعني فقدان المكانة الاجتماعية، وذلك عبر أسلوب ساخر أقرب إلى الكوميديا الهزلية… تتحدث قصة الأنف عما مرَّ بالموظف كوفاليوف الذي يستيقظ ذات يوم في بطرس بورغ فيجد نفسه بدون أنف، ويبدأ بتعقبه بعد أن يدرك أنه ظهر في المدينة متنكرا بزي مسؤول كبير، ورغم محاولاته المستمرة يرفض الأنف أن يعود لوجه صاحبه كونه يعتبر نفسه أعلى منزلة من صاحبه، في حين يشعر كوفاليوف بالدونية كونه بلا أنف ، تنتهي القصة بأن يعود الأنف إلى مكانه، لكن تشويقها الرئيسي في حوادثها الصغيرة التي توحي بكثير من العِبَر والتقييمات الاجتماعية… ونذهب إلى الاعتقاد بأن ما ذهب إليه النقاد صحيح، ولكنه ليس الحقيقة الوحيدة فمنشأ وباعث مثل هذا الابتكار كما نعتقد يعود إلى أرضية واقعية عمليةـ فهناك تعليقات غير مثبتة تشير إلى أن لدى غوغل أنف كبير محدب كان يدفع أحيانا للسخرية منه، ولا يُستثنى مهما صغر هذا الاحتمال أن يكون باعثا لكتابة القصة التي توغلت في المدى الاجتماعي خاصة أن وضع المواطن المهمش كان قد عاشه غوغول بمرارة.

3- في المعطف ملمح تأثير جدي من مرحلة حياته الأولى في بطرس بورغ رغم انه كتبها في مرحلة متأخرة عمليا عام 1842 ، وكانت من العمق والتأثير والصياغة الموغلة في الملهاة السوداء أن اعتبر دوستويفسكي أن جميع الأدباء الذين جاؤوا بعد غوغول قد خرجوا من معطفه ” هناك تقديرات بأن هذا القول لتورغيينيف” ” بمعنى أنهم جميعا تأثروا بهذه القصة المميزة جدا، والبسيطة جدا، والتي تحكي بواقعية مفرطة قصة الموظف البسيط الفقير “أكاكي أكاكييفيتش” في بطرس بورغ – حيث عاش غوغول لسنوات فقيرا مهمشا وموظفا بسيطا ، ويقتصد أكاكي طويلا بعد أن يهترئ معطفه بشكل مزر، ويمتنع عن بعض وجبات الطعام اليومية ليوفر ويجمع ثمن معطف جديد يشتريه بصعوبة بالغة، لكن المعطف سرعان ما يُسرق، وتحديدا يوم الاحتفاء بشرائه، ولا يتجاوب المسؤولون معه ولا يهبون لمساعدته، إلى أن يموت أكاكي الفقير قهرا، لكن القصة لا تنتهي هنا بل في إطار الفانتازيا حيث يعود شبحه بعد أن مات لينتقم من الطبقة المتعالية المتعفنة، ينتقم شبحه بسرقة معاطف تلك الشخصيات … ولابد من الإشارة إلى أن هذه القصة ترمز إلى أن كرامة الإنسان هي التي تُسرق في مثل هذه الحالات، حيث يُقيَّم الإنسانُ بمظهره وبما يملك ماديا لا بجوهره، ولأن الفقراء لا يملكون سوى القليل لتامين الدفء لأجسادهم التي ستشعر بالقشعريرة وتموت دون تلك الكرامة المجسدة ماديا ، والقصة تعكس بشكل أو بآخر ما عاناه غوغول “الموظف البسيط المهمش لعدة سنوات في بطرس بورغ حيث تجري حوادث هذه القصة”.

4- وتعتبر مسرحية المفتش العام التي نشرها عام 1836 من روائع الفن الكوميدي الهادف عموما حتى على مستوى العالم حيث قدمت هذه المسرحية على مختلف المسارح العالمية والتلفزيونات، وفي أطار مكثف جدا يقحم غوغول العقدة منذ بداية المسرحية ثم يجعلها تتسع افقيا بإشراك كثير من الشخصيات، وتتصاعد عموديا مع تضافر الأحداث، حيث يجمع عمدة المدينة المعنية كبار موظفيه ويخبرهم أن مفتشا حكوميا يسافر من منطقة إلى أخرى بشكل سري للوقوف على حقيقة ممارسات المتنفذين في هذه المدينة أو تلك، فيتوتر الموظفون الكبار الفاسدون ويخشون انكشاف أمرهم ، ويعتقد البعض أن المفتش موجود فعليا ويقيم في فندق البلدة، ويتصرف كما يتصرف المفتشون، ولم يدفع بعد فاتورة نفقاته في الفندق، وتتضافر الأحداث بحيث يهتم الجميع بالمفتش المزعوم وهو شاب مقامر وموظف بسيط ليس إلا، لكنه نتيجة تصور الآخرين بأنه المفتش العام ينعم بمعاملة رائعة، وتتكاثر الدعوات والاهتمام به لدرجة الترحيب بزواجه من ابنة العمدة… ويقرر الفرار من هذا الجو غير الطبيعي فيكتب رسالة إلى صديقه يوضح فيها الموقف الذي هو فيه، ويسخر من سكان ومسؤولي البلدة، فيكشف هذه الرسالة مدير البريد، وتكون كصاعقة على كل أولئك المزيفين المنافقين حيث يصل المفتش العام الحقيقي…
وأنا لا أشك في أن عبقرية غوغول اخترعت الشخوص والحبكة ولكني في الوقت ذاته لا أشك أيضا بأن بعض المعطيات التي عايشها شخصيا في بطرس بورغ إبان انتشار الزيف والنفاق والفساد الذي عايشه في بطرس بورغ كان من بواعث هذا العمل العملاق.

5- كتب غوغل الجزء الأول من رائعته الأنفس الميتة أو حرفيا “الأرواح الميتة” من 1834 وحتى 1842 حيث نشرت وأحدثت ضجة كبرى بعد الفراغ الذي أحدثته وفاة بوشكين، وهي أشهر من أن أعرف بها، لذا أوجز باختصار شديد أنها تتحدث عن المغامر تشيتشيكوف الذي يمارس النصب والاحتيال في وسط فاسد لشراء أسماء العبيد الذين تُوفوا عند ملاك الأراضي حيث كانت الثروة تقدر بمساحة الأملاك وعدد العبيد – الأقنان، وذلك كي يحصل على الأموال برهنهم في البنوك كجزء من الثروات … المهم هنا أن غوغول كتب واقعيا عما عايشه في مرحلة ما قبل إلغاء القنانة في روسيا، لكن ما يعنينا في هذا العمل الهائل هو أن غوغول قام بإحراق الجزء الثاني من هذا العمل العملاق، وكان ذلك انعكاسا عن تجربة مريرة نفسية حين وقع تحت تأثير القس المتطرف ماتفي قصطنطينوفسكي الذي أثر عليه واقعيا بشكل كبير، ودفعه إلى إحراق مخطوط الجزء الثاني من قصة الأنفس الميتة، وقام غوغول بذلك في 24 فبراير عام 1852 ،ثم امتنع عن تناول الطعام، ليلاقي حتفه بعد عشرة أيام جسدا، ويتربع على أحد عروش الأدباء الخالدين.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى