
واشنطن هي القاسم المشترك بين المسارين الأميركي-الايراني واللبناني-الاسرائيلي. هي شريكة في الاثنين. نائب الرئيس جيه دي فانس على المسار الايراني. ووزير الخارجية ماركو روبيو على المسار اللبناني-الاسرائيلي. وتحكم الاثنين وجهات نظر متعارضة. وهذا ما يتيح للرئيس دونالد ترامب هامشا واسعا من المناورة. فهو حريص على الحل الديبلوماسي مع ايران. لكن هذا لا يحول في حسابه دون إبقائها على هامش الحل الديبلوماسي مع لبنان للموازنة بين الضغوط الايرانية في مضيق هرمز والضغوط الاسرائيلية في الجنوب اللبناني.
تحتل ايران القسم الأكبر من تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وهي تصريحات تبحث عن صيغة العلاقة بين ايران والولايات المتحدة الأميركية في الأدوار والمصالح وحدود النفوذ. والطموح الأكبر لترامب هو في استعادة ايران إلى عباءة النفوذ الأميركي كما كانت عليه في زمن الشاه. من هنا هو يحاول طمأنة طهران بأنه لا يبغي تغييرا في النظام السياسي وهويته وإنما ينوي تثبيت علاقة توافق مع القادة الايرانيين الذين يعتبرهم حاليا “أكثر عقلانية”. وما يقصده “بأكثر عقلانية” هو أن لا يعترض هؤلاء القادة على ما ترمي إليه السياسة الأميركية في المنطقة وإن كانوا على خلاف معها وأن لا ينتقلوا إلى مواجهتها مع حرصهم على التحفظ عليها. أي أن المطلوب من ايران هو التكيّف مع هذه السياسة أو السكوت عن ما تعتبره سيئا فيها. وفي خلفية تفكير الرئيس ترامب أن أهم ما تحرص عليه ايران الحالية هو الإبقاء على النظام السياسي فيها. وقد يكون رهانه هذا هو في غير مكانه. ذلك أن الحرب الأميركية-الاسرائيلية على ايران لم تحقق على الأقل الأهداف المعلنة لها لا في الإختراق الجغرافي العسكري ولا في تحريك الداخل الايراني. وجلّ ما في الأمر الترداد المستمر على الهيمنة الجوية والبحرية والتي لم تحل دون “هيمنة طهران” على مضيق هرمز والتحكم بالملاحة البحرية فيه وتحويله إلى “قنبلة نووية” نفطية وغازية واقتصادية وغذائية أدّت إلى أضرار واسعة في العالم بما فيه الولايات المتحدة الأميركية نفسها.
وعلى ما يبدو أنه في حسابات الطرفين الأميركي والايراني هناك “وصل” بين مضيق هرمز والجنوب اللبناني. ما يعني أن المفاوضات طويلة وما يعني أن نتنياهو يمتلك وقتا لممارسة ضغوطه على المسار اللبناني. وهذا ما يفسر ظاهرة البوابات الاسرائيلية على المنطقة العازلة. فهو يريد الإبقاء على الاحتلال واستثمار ذلك في الإنتخابات الاسرائيلية والإيحاء للاسرائيليين بأنه “متمرد” على السياسة الأميركية ويُعد إلى تكريس استقلالية الدولة العبرية عن أي تبعيّة لواشنطن حتى في المجال العسكري والعتاد والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. وهذا ما يفسر في ضوء التحوّلات العميقة في المنطقة كيف أن نتنياهو يسعى إلى إنشاء محور من خارج الحسابات الأميركية يضم اسرائيل وقبرص واليونان ودولة الإمارات العربية المتحدة والهند. وهذه التحوّلات العميقة كانت بدورها وراء تكوين المحور الإسلامي من تركيا ومصر وباكستان والمملكة العربية السعودية ومن مقاربات تنظيمية جديدة لمجلس التعاون الخليجي وللجامعة العربية ومنظمة الدول الإسلامية. فالتحوّلات العميقة هذه هي التي ترسم خريطة المنطقة وأوجه العلاقات والصراعات فيها خصوصا وأننا إزاء تحوّل عميق في السياسة الأميركية يرمي إلى احتواء “الأضداد” وإلى رؤية أميركية تلتقي وتفترق مع السياسات الاسرائيلية والايرانية على السواء. وهذه ناحية عبّر عنها رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو بأن “علاقته الشخصية جيدة مع الرئيس دونالد ترامب وإنما هناك خلافات في وجهات النظر”.
وإزاء تحوّلات المنطقة العميقة المطلوب شيء من المرونة الايرانية الإضافية. لماذا؟ لأن نتنياهو يعتبر “العناد الايراني” مدخله لتخريب التوافق الأميركي-الايراني ولتكرار تجربة الولايات المتحدة الأميركية مع عناد الرئيس العراقي السابق صدام حسين والذي استتبع احتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق.
أيا يكن الأمر “صيغة الإطار الثلاثي” أغفلت جدولا زمنيا للإنسحاب العسكري الاسرائيلي. وهذه نقطة يبني عليها بنيامين نتنياهو. ومعالجتها تمتلكها واشنطن وحدها التي يراهن عليها المفاوض اللبناني الذي يعطي الخيار الديبلوماسي فرصة قد تطول أو تقصر بحكم تشابك أزمات المنطقة وتحوّلاتها ومحاورها.




