
الأوضاع المتحركة في منطقة الشرق الاوسط من دون انفجارات كبيرة لا تؤدي إلى تغيير ملحوظ في موازين القوى ولا في إخراج الأمور من حالة الستاتيكو. وهذا ما يمكن قراءته في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي يمكن قراءتها بمعاني مختلفة ومتناقضة على قاعدة “الشيء ونقيضه”. وهي تصريحات هدفها الغموض ونشر “العمى السياسي”. ومعنى هذا الأمر أن الرئيس ترامب يحكمه التريّث في خياراته وخصوصا أنه يجد أن لا جدوى أميركية من معاودة الحرب على ايران. كما أنه لا يمكنه أن يسير بمضمون مذكرة التفاهم الأميركي-الايراني وفقا للقراءة الايرانية لها. من هنا يؤثر في المرحلة الراهنة والقادمة تصعيد الضغوط على ايران وهي ضغوط متنوّعة.
ضغوط عسكريّة عبر عمليات جوّية. ضغوط اقتصادية. ضغوط في تسويق النفط الايراني وحظره أحيانا. ضغوط على الدول الخليجية لتأخذ “مسافة” عن ايران والاعتراض على احتكار طهران لمضيق هرمز. ضغوط من دول الناتو مجتمعة بعد أن سلّمت في قمة أنقرة زمام أمورها للولايات المتحدة الأميركية. ضغوط عبر الحصار البحري الأميركي على حرية الملاحة الايرانية ومرافئها. ضغوط عبر فرض عقوبات جديدة على قيادات وشخصيات ايرانية. ضغوط عبر استمالة أصدقاء دوليين واقليميين لإيران مثل روسيا عبر تحييدها ومساندتها شكليا في الحرب مع اوكرانيا ومثل تركيا عبر تعزيز دورها في الشرق الأوسط واعتبارها الشريك الأساسي لواشنطن وتقديم الرئيس رجب طيب أردوغان في العلاقة على رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو وتوسيع الدور التركي باتجاه لبنان من البوابة السورية وغيرها. ومن بين الضغوط الأميركية اختراق دول المحور الاسلامي والدفع باتجاه تحويل سياساتها نحو واشنطن واعتبار الدول الخليجية صديقة وحليفة. ومن بين الضغوط الأميركية المُتوقّعة الاستثمار مجددا في الداخل الايراني وخارجه بإعادة الربط مع المعارضة الايرانية من مجاهدي خلق والأكراد والاتنيّات المختلفة ومع ما تسميه واشنطن المعارضة المسلّحة في خوزستان. والمرامي السياسية للرئيس ترامب ليست في تغيير النظام السياسي في ايران لأنه مدرك استحالة ذلك وإنما لما يردده أمام المقرّبين منه هو في “تغيير السلوك”.
لكن ما لا يدخل في حسابات الرئيس الأميركي أن سياسات الضغوط الأميركية المتعددة هذه تدفع باتجاه محور جديد متحالف مع ايران هو الصين وكوريا الشمالية وباستقلالية تامة عن روسيا. وهذا المحور الجديد مستعد لمساندة ايران في خياريها العسكري والديبلوماسي ولا يقف على الحياد. وهكذا فإن بكين التي كانت سابقا محايدة في مضيق هرمز لم تعد كذلك حاليا بعد أن استنتجت بأن السياسة الأميركية تريد اعتراض الحسابات الصينيّة في الشرق الأوسط وخارجه. ولذا فهي إلى جانب طهران حتى بالنسبة لمضيق باب المندب.
سابقا كان مضيق هرمز هو عقدة الحرب والتفاوض. ولا يزال الأمر هو كذلك. فهو “الورقة الضامنة” لإيران فيما تذهب إليه في رسم المصالح ودوائر النفوذ واستعادة الحقوق والأموال المجمّدة ورفع الحصار. ولذلك لا تريد فيه “شراكة أميركية” كان الرئيس الأميركي قد لمّح إليها في سؤال له قبل شهرين وجّهته الصحافة الأميركية: “من يدير مضيق هرمز؟” فكان جوابه “أنا والمرجع الروحي السيد مجتبى خامنئي”. هذه الشراكة لا تريدها ايران في مضيق هرمز وإنما في مكان آخر عبر شراكات مالية واقتصادية في ايران وخارجها.
وإلى أن يتم التوافق على مفهوم الشراكة يبقى الخلاف الأميركي-الايراني مستحكما وسياسات الضغوط المتبادلة قائمة والتوتر متحكّما في الشرق الأوسط إلى حين.




