
موسكو لم تعد تثق بالغرب نهائيا،وتصدع الناتو يختفي آنيا ولكن كالجمر تحت الرماد
د. أيمن أبو الشعر
موسكو ترى أن تصرفات الناتو قد تقود العالم إلى كارثة، وتؤكد أن هامش أمان منظومة الطاقة الروسية مرتفع بما في ذلك تثبيت الاستقرار
الطعنة في الظهر تُذل الغادر لا المغدور
الحقيقة إنني أصبت بالذهول وأنا أقرأ اعترافات المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند هكذا علنا وبشكل صريح ودون خجل عام 2015 ، فقد أعلنا أنهما دعما اتفاقيات مينسك للسلام في أوكرانيا ليس لتحقيق السلام فعليا، بل لمنح أوكرانيا الوقت الكافي لتعزيز قدراتها العسكرية وإعادة تسليح جيشها وتدريبه، حتى أن ميركل قالت لصحيفة “دي زايت” الألمانية أن اتفاقية مينسك عام 2014 كانت في الواقع محاولة مقصودة لمنح أوكرانيا وقتا ثمينا لتغدو أقوى، أما هولاند فأوضح أيضا بصراحة أن هذه الاتفاقيات ساعدت أوكرانيا على ترتيب صفوفها واستعادة توازنها وتعزيز قدراتها العسكرية، بمعنى أن هذا الأمر بالنسبة للغرب كان هو المطلوب، وكان القادة الغربيون غير آبهين بأنهم بذلك يخدعون روسيا ويشوهون معنى الوثوق بالعهود والاتفاقيات، حتى أن الرئيس الروسي اعتبر ذلك خيانة صريحة، ولهذا يمكن القول أنه لم يكن صدفة أن يعلن لافروف وزير الخارجية الروسية أن موسكو لن تثق بالغرب مجددا في المفاوضات بشأن أوكرانيا موضحا أن مخزون حسن النية والآمال في هذا المجال قد استُنفد منطلقا من أن الأوروبيين أعلنوا بوضوح انتقالهم إلى مرحلة توجيه الإنذارات لروسيا، وهنا لا بد أن نتذكر أن لافروف نفسه دفعته مجريات الأمور إلى التشكيك حتى بموقف الأمريكان في قمة آلاسكا، وأنها قد تكون كذلك مجرد فخ لإعطاء أوكرانيا فرصة لتعزيز التسليح على غرار ما جرى سابقا، حيث أعلن بشكل دبلوماسي لا يخلو من تشكيك حقيقي بأنه لا يريد أن يساوره شك في أن قمة آلاسكا قد تم التخطيط لها كفخ لكسب الوقت لإعادة تسليح كييف.
معطيات أخرى تعزز فقدان الثقة
على الرغم من ان روسيا عبَّرت مرارات عديدة بأنها ترغب بحل الأزمة سلميا وبالطرق الدبلوماسية منوهة بأن هناك أمورا أمنية لا تستطيع أن تتغاضى عنها، إلا أن الغرب لم يتحدث بشكل عملي ولا لمرة واحدة عن المخاوف الأمنية لروسيا، بل راح يفرض العقوبة تلو الأخرى حتى تجاوزت العقوبات الغربية على روسيا أية عقوبات على دولة أخرى، وباتت تلك العقوبات تسجل أرقاما قياسية تقترب من 30 ألفا وتفوق غينيتس نفسه، هذا بدل أن يأخذ الغرب بعين الاعتبار المخاوف الروسية ويكون شريكا حقيقيا لحل الأزمة، أو أن يدين ولو لمرة واحدة قصف السلطات التي تبوأت الحكم في كييف لمدن دونباس التي رفضت انقلاب القوميين المتشددين والذي جرى بدعم من الغرب نفسه، زد على ذلك أن الدول الغربية وخاصة بريطانيا ساهمت في إفشال الاتفاق بين روسيا وأوكرانيا في إسطنبول عام 2022 وخاصة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون الذي زار كييف في أبريل من ذاك العام ووعد بتقديم الدعم بالمال والسلاح على أن تتابع القوات الأوكرانية القتال، والواقع أن جميع الدول الغربية عمليا ساهمت فعليا باستمرار الحرب من خلال تقديم الدعم بالمال والسلاح كما وعد جونسون.
محاولة التأثير على القدرات الاقتصادية الروسية
مع تصاعد المواجهات بين روسيا وأوكرانيا تطورت المساعدات الغربية إلى أوكرانيا التي بات واضحا أنها ستنهار حتما في غضون أسابيع إن تم إيقاف هذه المساعدات، ثم تطورت هذه المساعدات لتشمل تزويد أوكرانيا بأسلحة متطورة وحتى صواريخ وقنابل موجهة يمكن أن تصل إلى العمق الروسي، وباتت أوكرانيا توسع من استخدامها لهذه الأسلحة وخاصة المسيرات التي باتت تنتج قسما منها بنفسها، وباتت القوات الأوكرانية بدعم من الغرب تتقصد قصف منشآت الطاقة الروسية بشكل يومي ما أسفر عن تعطل بعض هذه المنشآت بنسب متفاوتة حتى أن الرئيس الأوكراني تحدث عن تراجع التكرير بنسبة 40% ، وكذلك الإعلام الغربي الذي بات ينشر بنوع من التشفي أن روسيا أحد أكبر مصدري النفط في العالم باتت بحاجة إلى شراء النفط من الخارج لتأمين الوقود داخليا، وقد اعترف الرئيس الروسي بوجود معضلة في هذا المجال نتيجة القصف الأوكراني لكنه ذكر مؤخرا في اجتماع للحكومة الروسية أن محاولات العدو لإلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي لن تتحقق، وأن منظومة الطاقة في روسيا تتمتع بهامش أمان مرتفع وقدرة كبيرة على تثبيت الاستقرار.
واقع الناتو في الصراع مع روسيا
لا يحتاج الإنسان المتابع إلى كثير من الذكاء ليدرك أن الناتو عمليا هو الذي يحارب روسيا، ولكن باستخدام أوكرانيا رأس حربة وعبر أرواح شبابها، حيث تشير معظم المعطيات حتى المتباينة إلى أن أوكرانيا خسرت أكثر من مليون ونصف من شبابها بين قتيل ومشوه ومقعد، أي أنها على مدى عدة أجيال ستبقى بلدا معاقا هذا إن توقفت الحرب ، ومن البديهي أن روسيا تخسر أيضا أعدادا كبيرة من شبابها لكن المفارقة تكمن في قدرة بلد كروسيا يفوق تعداد سكانه تعداد سكان أوكرانيا بأكثر من ثلاثة أضعاف، ناهيك عن اتساعه كأكبر بلد في العالم وقدراته الطبيعية حيث تمتلك روسيا جميع عناصر مندلييف.
وقد أعلنت موسكو على لسان زاخاروفا الناطقة باسم الخارجية الروسية أن أجواء قمة الناتو في أنقرة تؤكد أنه ما يزال يتبع عسكرة القارة الأوربية استعدادا لنزاع مسلح مع روسيا والاستمرار مساعدة أوكرانيا، وأن خطوات الحلف غير المسؤولة قد تقود العالم بأسره إلى كارثة، من خلال اللهاث سعيا لتحقيق هدف وهمي لا يمكن أن يتحقق، وهو إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، منوهة بأن هذه السياسة تلحق الضرر في الواقع بشعوب بلدان الناتو.
شرخ جدي قد يلتئم وقد يتعمق
والحقيقة أن شرخا جديا لا يزال متواريا ظهر في الآونة الأخيرة داخل الناتو وبشكل خاص مع أحد أهم أعضائه، بل الطرف الأقوى والمهيمن والقائد الفعلي، وأقصد الولايات المتحدة الأمريكية، بدأ هذا الشرخ بمطالبة الرئيس الأمريكي ترامب بأن تأخذ أوروبا على عاتقها التمويل المناسب للحلف الذي يقع على عاتق الولايات المتحدة بالدرجة الرئيسية، وطالب الأعضاء برفع نسبة الفرز المالي للدفاع إلى 5% من الناتج الإجمالي المحلي الأمر الذي لم تتمكن هذه الدول من تحقيقه حتى الآن، صم طالب الدول الأوربية الناتوية بدفع ثمن السلاح الأمريكي الذي يوجه إلى أوكرانيا، ثم تصاعد الخلاف نتيجة عدم تحمس الناتو لمساندة ترامب في حربه ضد طهران، الأمر الذي أغضب ترامب كثيرا واعتبر هذا الموقف خيانة، لذا وجه مجددا انتقادا لاذعا للحلف في مؤتمر قمته في أنقرة، ومع ذلك نوه ترامب بإمكانية منح كييف حق انتاج صواريخ باتريوت الأمريكية فوق أراضيها، وفي الوقت نفسه تأكيده بأن واشنطن لن تغادر الحلف وستتابع دعمه، وحسب تصورنا كلا الأمرين تحت إشارة استفهام تستدعي الوقوف لاحقا عندهما بالتمحيص والتحليل.




