
صدر في دمشق مؤخرًا كتاب نقدي جديد للناقد السوري مفيد خنسة، المقيم حاليًا في سلطنة عُمان، يتناول فيه جانبًا من التجربة الشعرية للشاعر أيمن أبو الشعر، من خلال المنهج الذي ابتكره وأطلق عليه اسم “النقد الاحتمالي”. ويأتي هذا العمل، الصادر عن دار جهات للنشر والتوزيع بعنوان “طلقات شعرية وقصائد أخرى للشاعر أيمن أبو الشعر من منظور النقد الاحتمالي”، بوصفه دراسة نوعية تعتمد التطبيق العملي، وتستند إلى شواهد شعرية لتحليل تجربة الشاعر وفق رؤية نقدية جديدة.
ويمثل هذا الإصدار الكتاب الثاني الذي يخصص لدراسة تجربة أيمن أبو الشعر، بعد الكتاب الذي أصدره الأديب الدكتور راتب سكر تحت عنوان “أيمن أبو الشعر بين روزا لكسمبورغ وساحة العاصي”، وهو ما يؤكد استمرار الاهتمام النقدي بتجربة الشاعر وما تثيره من أسئلة فكرية وجمالية.
ولا يُعرف مفيد خنسة بوصفه ناقدًا أدبيًا فحسب، بل هو أيضًا إعلامي وكاتب شغل مواقع بارزة في الصحافة السورية. فمنذ عام 1996 انضم إلى عضوية كل من اتحاد الصحفيين العرب واتحاد الكتاب العرب، وتولى خلال مسيرته رئاسة القسم الثقافي في صحيفة الثورة السورية، كما شغل منصب المدير العام لمؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، التي كانت تصدر عنها أربع صحف سورية، إلى جانب نشاطه في إعداد البرامج الإذاعية والتلفزيونية.
ويضاف هذا الكتاب إلى سلسلة من مؤلفاته التي أسست لمنهج “النقد الاحتمالي”، ومن أبرزها: “النقد الاحتمالي – دراسات نقدية” الصادر في القاهرة عن دار أوراس عام 2021، و”النقد الاحتمالي لقصائد مختارة للشاعر العراقي يحيى السماوي” الصادر عن دار الينابيع عام 2023، و”النقد الاحتمالي في الشعر السوري المعاصر” الصادر عن دار جهات بدمشق عام 2023، وأخيرًا “النقد الاحتمالي في الشعر السعودي المعاصر” الصادر عن دار بعل بدمشق عام 2026.
وجاء الكتاب في 184 صفحة من القطع المتوسط، بينما حمل غلافًا مميزًا صممه الفنان طلال أبو الشعر، فجاء غنيًا بعناصره البصرية وألوانه، إذ ضم صور أغلفة المجموعات الشعرية التي يتناولها المؤلف في دراسته، فيما توسط الغلاف الأمامي صورة للشاعر أيمن أبو الشعر خلال إحدى أمسياته الشعرية، يظهر فيها الميكروفون أمامه وحركة يده التعبيرية التي توحي بلحظة إلقائه إحدى قصائده.
أما الغلاف الخلفي، فاحتوى على صورة للناقد مفيد خنسة، إلى جانب مقتطف من مقدمته، يصف فيه تجربة الشاعر، مؤكدًا أن حياته لم تسر في مسار عادي، وإنما تشابكت فيها السياسة والوعي والفن، ومرّت بمحطات استثنائية، من بينها محاولة اغتياله على مدرج جامعة دمشق أثناء إحدى أمسياته الشعرية، وهي تجربة تركت أثرًا واضحًا في تكوينه الإنساني والنضالي والإبداعي.
ويستهل خنسة كلمته على الغلاف الخلفي بالقول:
“حين نغوص في تجربة الشاعر الكبير أيمن أبو الشعر نجد أنفسنا أمام عالم شعري ثري، يتداخل فيه الإبداع بالوعي الفلسفي، واللغة الرمزية، والفكر بالموسيقى الداخلية للكلمة”.
ويتوزع الكتاب على سبعة أقسام رئيسية، تبدأ بالمقدمة، تليها المقدمة النظرية، ثم فصل “المنطق الجمالي”، قبل أن ينتقل المؤلف إلى أربعة تطبيقات نقدية تناول فيها قصائد ونصوصًا مختارة، هي: “عشتار وتجليات الواقع والمطلق بين الموت والحياة”، و”سيأتي يوم أن نشدو تهانينا”، و”الحلم في الزنزانة رقم 7″، إلى جانب مجموعة “طلقات شعرية”.
ويختار المؤلف أن يسير مع هذه الفصول وفق تسلسلها، مع الإشارة إلى أنها تشكل في مجملها بنية مترابطة تتداخل فيها الأفكار ولا تنفصل عن بعضها. ففي المقدمة الأولى يقدم عرضًا مكثفًا لأبرز المحطات في حياة الشاعر، قبل أن يعرّف بالقضايا الشعرية التي تشكل محور الدراسة، وهي قصيدة “عشتار وتجليات الواقع والمطلق بين الموت والحياة”، وقصيدة “سيأتي يوم أن نشدو تهانينا”، وملحمة “الحلم في الزنزانة رقم 7″، ثم مجموعة “طلقات شعرية”.
ولا يكتفي خنسة بتقديم مدخل إلى النصوص التي سيحللها، بل يرسم أيضًا صورة مكثفة لمسيرة أيمن أبو الشعر الإبداعية، متوقفًا عند أبرز إنجازاته ونشاطاته الثقافية، ثم يشير إلى اتساع حضور تجربته خارج العالم العربي من خلال ترجمة مختارات من أشعاره إلى عدد من اللغات الحية، ليخلص إلى التعامل معه بوصفه ظاهرة ثقافية تتجاوز حدود التجربة الشعرية التقليدية.
ومن هذا المدخل ينتقل إلى الجانب النظري، حيث يخصص فصلًا بعنوان “مقدمة نظرية” لشرح الأسس التي يقوم عليها منهج “النقد الاحتمالي”، وهو المنهج الذي ابتكره، موضحًا أنه يعتمد على الاستفادة من مختلف العلوم والمعارف في استكشاف العلاقات القائمة والمحتملة بين عناصر العمل الإبداعي، سواء على المستوى الجمالي أو الفكري، وهو ما يفسر اختياره لهذه التسمية.
ويواصل شرح هذا المنهج في فصل “المنطق الجمالي”، متناولًا مفهوم المنطق وأدوات الربط، ثم يناقش فكرة التوازن وعلاقتها بالإبداع، مستعينًا بالشعر بوصفه نموذجًا يوضح من خلاله الأسس التي يستند إليها هذا النهج النقدي.
وبعد تأسيس الجانب النظري، ينتقل إلى التطبيق العملي عبر أربعة فصول حافلة بالتحليلات التفصيلية، مستندًا إلى شواهد شعرية يقرأها وفق منهج النقد الاحتمالي، فيسعى إلى استكشاف ما يتوارى خلف النصوص من دلالات ومعانٍ، ولا سيما أن الشاعر اعتمد في كثير من أعماله على الرمز بوصفه وسيلة للتعبير عن أفكار حادة وتمرير انتقادات جدية للسلطات في تلك المرحلة.
كما يبرز الكتاب أثر الثقافة الواسعة التي يتمتع بها الشاعر في تشكيل تجربته الشعرية، من خلال توظيف المرجعيات الدينية والأسطورية، إلى جانب الاستخدام المتميز لأساليب البلاغة، ولا سيما الصور التخيلية والاستعارات والتشابيه، فضلًا عن الإفادة من الرمزية، وبناء الصياغة اللغوية، وتقاطع الأزمنة داخل النص الشعري. ويعزز الناقد جميع هذه القراءات بشواهد نصية يقوم بتحليلها، مستندًا إليها في بناء رؤيته النقدية وإثبات استنتاجاته.
وفي ختام الكتاب، تتجلى قيمة هذا العمل بوصفه دراسة نقدية مختلفة في منهجها وأدواتها، استطاع من خلالها مفيد خنسة أن يقدم قراءة جديدة لتجربة أيمن أبو الشعر، معتمدًا أسلوبًا نقديًا مبتكرًا يجمع بين التأصيل النظري والتطبيق العملي. وتزداد أهمية هذا الإصدار لأنه يتناول تجربة شاعر مجدد ومبتكر، لم يعرف التكرار في مسيرته، بل صاغ من حياته الغنية بالتجارب والنضال والإنجاز قصائد ما تزال حاضرة في وجدان جمهورها، وتتردد على الألسنة رغم مرور عشرات السنين على كتابتها.




