صحافة وآراء

بين ’’فلسفة الصفقة‘‘ و’’قوة التفاوض‘‘ الكون مهدّد

عبد الهادي محفوظ

الرئيس دونالد ترامب هذا الشخص المحيّر. كل شيء لديه بسعر وحسابات. هو رجل أعمال في السلطة وخارجها. يُصوّب باتجاه ويُطلق النار في مكان آخر. تكلّم عن فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز وأخذ المردود المالي الموازي لهذه الرسوم من دول الخليج العربية المشاطئة للمضيق وغير المشاطئة له عبر شراكات اقتصادية ومالية.

ما عرّف بـ’’فلسفة‘‘ دونالد ترامب هو كتابه ’’فن الصفقة‘‘ الذي يعتبره أحد أهم إنجازاته. وعلى حد تعبير مستشار وزارة الخارجية الروسية الباحث الدكتور رامي الشاعر ’’يُعتبر كتاب فن الصفقة مفتاحا لفهم تفكير دونالد ترامب بصرف النظر عن موقعه داخل أو خارج البيت الأبيض. فهو ليس سياسيا تقليديا وإنما هو تاجر أو رجل أعمال دخل المشهد السياسي بآليات السياسة ولكن بأنماط التجارة وبعقلية البزنس وبفلسفة الصفقة‘‘.

ينصح ترامب في كتاب ’’فن الصفقة‘‘: ’’لا تدخل التفاوض من موقع المساواة. بل اجعل الطرف الآخر يشعر بأنه سيخسر أكثر منك إذا لم تتم الصفقة‘‘.

مقاربة الرئيس ترامب للتفاوض قد تصحّ مع ’’حلف الناتو ومع دول أوروبا الغربية‘‘. وهي أن ’’حلفاء الولايات المتحدة الأميركية لن يصمدوا أكثر من أسبوعين من دون الولايات المتحدة‘‘. هذه المقاربة هي في حاجة لنقاش في موضوع التفاوض مع ايران. وقد تدفع صاحبها إلى إعادة النظر. ذلك أن ايران خبيرة أكثر من غيرها بفلسفة المقايضات. ذلك أن ’’سوق البازار‘‘ كان الركيزة الاقتصادية والمالية في نظام الشاه وكان مساهما أساسيا في إسقاطه. وهو لا زال يُشكّل الدعامة الأساسية للجمهورية الإسلامية وفي إيجاد المخارج العملانية للحصار الإقتصادي والعقوبات المفروضة. أي أن الرئيس ترامب هو إزاء ’’مفاوض شرس‘‘ وصبور وماهر في تحريك أحجار الشطرنج ومدرك بأن الحرب الأميركية-الاسرائيلية لم تحقق أهدافها. كما أن الحرب البرّية فيها توريط للولايات المتحدة الأميركية بمستنقع مشابه لحرب فيتنام أو لمأزقها في احتلال أفغانستان وخروجها الصعب.

والمفارقة أن المقاربة الايرانية للتفاوض لا ترتكز فقط إلى معادلة ’’الصفقة‘‘ في مفهوم الرئيس ترامب وإنما إلى أبعاد أخرى تتصل بالسيادة والنفوذ والأيديولوجيا وإلى أبعاد روحيّة تدخل فيها ’’المشيئة الربّانية‘‘ والقدرة العسكرية ووحدة الشعب الايراني والظروف الدولية والاقليمية. ومثل هذه المقاربة لا تلتقي إطلاقا مع ما يبغيه الرئيس ترامب من سرعة في إنجاز ’’الصفقة‘‘.

في التفاوض مع ايران الوقت ليس في صالح الرئيس دونالد ترامب. فهو يستعجل النتائج. وهو ليس حال المفاوض الايراني الذي يعتبر أن الحل عبر التفاوض يحتاج إلى اثنين وليس إلى إملاءات وإنما إلى قواسم مشتركة وتنازلات متبادلة. فـ’’قوة التفاوض‘‘ وفقا لكتاب وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي ترتكز إلى معادلة ’’نعم ولكن‘‘ أي القبول بالفكرة المطروحة واشتراط  النقاش بالتفاصيل وإغراق الطرف الآخر بها أي إنهاكه. وهنا مشكلة الرئيس ترامب الذي يعتمد في التفاوض بشكل أساسي على شريكه رجل الأعمال ستيف ويتكوف وعلى صهره جاريد كوشنير وهما يفتقران إلى الخبرة الديبلوماسية وينتسبان إلى ’’مدرسة الصفقة‘‘ بمدلولها التجاري. أما بين من هو خارج ’’مدرسة الصفقة‘‘ في الفريق الأميركي المفاوض، فهو نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الذي يغلب الحلول الديبلوماسية على ’’مخارج الصفقة‘‘ المصحوبة بالمبالغات المريبة والضغوط والذي هو أقرب إلى السياسة التقليدية الأميركية للدولة الأميركية العميقة.

ليست طهران وحدها من تتحفظ على مقاربات الرئيس الأميركي حول ’’الصفقة‘‘. فالمتابعون في وزارة الخارجية الروسية ومن بينهم الباحث الدكتور رامي الشاعر يتوقفون طويلا على تحليل المكالمات الهاتفية الطويلة للرئيس دونالد ترامب مع الرئيس فلاديمير بوتين. والإستنتاج الروسي: ’’يبدو ترامب في حالة نفسية من الترداد والتناقض وعدم الثقة. فهذه سياسة المراوغة والخداع التجاري من أجل رفع سقف التفاوض وزيادة ’’فن الصفقة‘‘. ففي الوقت الذي يقول أنه يسعى للتسوية الأوكرانية فإنه يسمح لحلف الناتو بضرب أهداف مدنية في عمق الأراضي الروسية كما يبارك للدول الأوروبية إعلانها أن روسيا تهديد استراتيجي لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأميركية‘‘. واستطرادا فإن الصين تزداد خشيتها من سياسات الرئيس ترامب سواء في غرب آسيا أو في المحيط الهندي وأفريقيا والشرق الأوسط. ومن هنا الإستنتاج الروسي والصيني بأن الأزمة الخليجية بتشابكها والأزمات الأخرى للمحور أهدافها الاستراتيجية إلى ما هو أبعد بكثير من حدود منطقة الخليج والشرق الأوسط. فالصين هي أكبر اقتصاد رئيسي يمكن أن يتأثر بأي اضطراب في الخليج يثيره الرئيس الأميركي بهدف عرقلة الإنتقال إلى عالم التعددية القطبية.

واقع الأمر المضي بـ’’فلسفة الصفقة‘‘ قد يُهدّد بحروب مدمّرة بأكثر من مكان وحتى في المجالين الروسي والصيني. وبذلك اقتراب من دائرة السلاح النووي وتهديد الكون وكائناته مجتمعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى