
شواهد الجنوب.. حين لا تنجو القبور من الحرب
لم يترك العدوان الإسرائيلي في جنوب لبنان مكانًا لم تصل إليه يد الغدر والقتل والتدمير؛ فحتى المقابر، التي يفترض أن تكون أماكن لا يجوز المساس بها، طالتها الاعتداءات. يوثّق الفيلم الوثائقي «شواهد الجنوب.. الموت على طبقتين»، الذي عرضته شاشة الميادين جانبًا من هذه المأساة، مسلطًا الضوء على الدمار الذي أصاب عددًا من المقابر الجنوبية وما رافقه من انتهاك لحرمة الموتى وتشويه للذاكرة.
يتناول الفيلم واقع المقابر التي تعرضت للقصف والتدمير، ويشير إلى استهداف أكثر من خمسين مقبرة في جنوب لبنان. حيث لم يقتصر الضرر على تحطيم الشواهد والقبور، بل أدى في بعض الأماكن إلى اختفاء معالم القبور، ما وضع العائلات أمام مأساة جديدة تضاف إلى مأساة فقدان أحبائها.
تبرز أهمية الفيلم في اختياره زاوية مختلفة لتناول الحرب. فالتغطية الإعلامية غالبًا ما تركز على الضحايا الأحياء والمنازل المدمرة والقرى المستهدفة، بينما ينقل هذا العمل المُشاهد إلى مكان آخر من الألم: ماذا يحدث للموتى عندما تصل الحرب إلى قبورهم؟
يحمل عنوان الفيلم «الموت على طبقتين» دلالة إنسانية عميقة. فالطبقة الأولى تتمثل في فقدان الإنسان حياته، أما الثانية فتتمثل في تدمير مثواه الأخير ومحو الشاهد الذي يحفظ اسمه وذكراه. وهكذا يصبح الموت مضاعفًا بالنسبة إلى العائلات التي تجد نفسها غير قادرة على الوصول إلى قبور أحبائها أو حتى التأكد من بقاء رفاتهم في مكانها.
ويعتمد الفيلم على الصورة والشهادات الميدانية لإظهار حجم المأساة، فيحوّل المقابر المدمرة إلى وثائق بصرية تحمل آثار الحرب. فالركام، والقبور المتضررة، والشواهد المحطمة ليست مجرد مشاهد للدمار، بل تحمل قصصًا لعائلات فقدت أشخاصًا، ثم فقدت المكان الذي كانت تستعيد فيه ذكراهم.
ومن الناحية الصحفية، يلفت الفيلم الانتباه إلى قضية إنسانية وقانونية مرتبطة بحماية المقابر وحرمة الموتى خلال النزاعات المسلحة. كما يطرح سؤالًا حول مصير الذاكرة الجماعية في المناطق التي تتعرض للدمار، وكيف يمكن للعائلات والمجتمعات الحفاظ على أسماء موتاها وذكرياتهم عندما تختفي الشواهد التي كانت تحفظها.
ولا يقتصر أثر الفيلم على توثيق الأحداث، بل يدفع المشاهد إلى التفكير في الجانب الإنساني للحرب بعيدًا عن الأرقام والإحصاءات. فخلف كل قبر قصة، وخلف كل اسم عائلة وذكريات، وتحويل هذه الأماكن إلى ركام يعني أن آثار الحرب يمكن أن تستمر حتى بعد رحيل أصحابها.
في ختام الفيلم، تبدو المقابر الجنوبية أكثر من مجرد أماكن دفن؛ إنها شواهد على تاريخ المنطقة وعلى حجم الخسائر التي خلّفتها الحرب. ومن خلال «شواهد الجنوب: الموت على طبقتين»، تتحول صورة القبر المهدّم إلى رسالة عن ذاكرة يحاول الدمار محوها، لكنها تبقى حاضرة في وجدان أهل الجنوب.
«الموت على طبقتين» ليس مجرد عنوان لفيلم وثائقي، بل اختصار لمأساة إنسانية: أن يفقد الإنسان حياته، ثم يفقد حتى المكان الذي يحتضن ذكراه.




