صحافة وآراءعربي

تجربتي مع رؤساء وزراء العراق منذ 2004

الدكتور ليث شبر

هذا المقال أكتبه بوصفه تعريفاً أولياً بمشروع أسعى إلى تقديمه للناس وإيداعه في المكتبة العراقية، مشروع يجسد قرابة ربع قرن من تجربتي السياسية ومن وجودي في مساحات متعددة من الدولة والعمل العام، عشت خلالها تحولات العراق الكبرى واقتربت من رجال القرار ومؤسساته ووقائعه. لدي من المعلومات والوثائق والرسائل والمواقف والحوارات والأسرار والإشكاليات ما أرى أن إبقاءه حبيس الذاكرة خسارة لجزء من ذاكرة العراق المعاصر، وسأضعه في هذا المشروع بقدر ما تسمح به المسؤولية الوطنية وأمانة الشهادة وحقوق الأشخاص والدولة. ولا أفكر فيه بوصفه كتاباً تقليدياً بالضرورة؛ فقد يكون كتاباً وملفاً وثائقياً في آن، أو عملاً مرئياً موثقاً، أو مشروعاً متعدد الوسائط يجمع الشهادة بالصورة والوثيقة والصوت، ويترك مادة يمكن للباحث والمؤرخ وصانع القرار أن يعود إليها بعد سنوات.

ومن هنا فإن هذا المقال يحمل أيضاً دعوة مفتوحة إلى المؤسسات والمراكز والمنتجين والمهتمين بتوثيق التاريخ السياسي العراقي ممن يجدون في المشروع قيمة تستحق أن ترى النور، للمساهمة في إخراجه وتمويله وتحويل مادته الضخمة إلى عمل مهني يليق بحساسية المرحلة التي يوثقها. فالمشروع الذي أفكر فيه يتجاوز سيرتي الشخصية إلى شهادة من داخل الدولة عن ربع قرن شديد الاضطراب من تاريخها، بما فيه من معلومات لم تنشر، ووثائق لم تعرض، ووقائع شهدتها أو كنت طرفاً فيها، وأسئلة بقي بعضها حتى اليوم بلا أجوبة.

منذ عام 2004، مرّ أمامي رؤساء وزراء العراق واحداً بعد آخر، ولم تكن علاقتي بهذه التجارب من مقاعد المتفرجين؛ فقد دخلت الدولة في أكثر مراحلها اضطراباً، وعملت في مؤسساتها، واقتربت من دوائر القرار، ثم أمضيت سنوات طويلة أراقب من داخلها كيف تُصنع السياسة وكيف تتعطل، وكيف يستطيع رئيس الحكومة أن يفتح للدولة نافذة، وكيف تستطيع بنية النظام نفسها أن تغلقها. وبعد أكثر من عشرين عاماً، أجد أن الكتابة عن هؤلاء الرجال لا ينبغي أن تكون محاكمة لأشخاصهم، ولا مديحاً أو هجاءً، وإنما شهادة رجل عاش جانباً من زمنهم، وعرف بعضهم عن قرب، وتعامل مع بعضهم من مواقع مختلفة، وقرأ الآخرين من داخل الدولة ومن خلال قراراتهم وأثرهم فيها.

كانت تجربتي الأولى الأعمق مع الدكتور إبراهيم الجعفري. عملت في مجلس الوزراء مستشاراً، وتسنمت موقع الأمين العام للجنة الحوار والتوعية الدستورية، وامتدت تجربتي معه قرابة سنة في مرحلة كانت الدولة العراقية الجديدة تبحث فيها عن دستور وهوية ومؤسسات وقواعد للحكم. اقتربت يومها من تفاصيل لم تكن الصحافة تراها؛ من النقاشات الدستورية إلى الحوار المجتمعي ومحاولة نقل الدستور من غرف السياسة إلى الناس. والجعفري في ذاكرتي رجل ذو تكوين فكري ولغوي واضح، شديد الحضور في التعبير، لكن تجربته اصطدمت مبكراً ببيئة سياسية كان فيها الحزب والطائفة والكتلة أسرع نمواً من الدولة. وربما كانت تلك السنة هي أول درس كبير تعلمته: جودة الرجل وحدها لا تبني دولة إذا كانت هندسة النظام تنتج التعطيل أسرع مما تنتج القرار.

ثم جاء نوري المالكي، ومعه دخل العراق طوراً مختلفاً. كنت منذ 2006 في ديوان رئاسة الجمهورية، وعملت مستشاراً في مكتب نائب رئيس الجمهورية الدكتور عادل عبد المهدي، وكنت قريباً من ملفات سياسية وأمنية شديدة الحساسية، ومنها الترتيبات الأمنية المرتبطة بالاتفاقية مع الولايات المتحدة والمجلس التنفيذي 3+1. لذلك لم أعرف سنوات المالكي من نشرات الأخبار؛ رأيت الدولة وهي تستعيد شيئاً من قوتها بعد سنوات الدم، ورأيت في الوقت نفسه كيف أخذت السلطة التنفيذية تتكثف حول مركز القرار. كانت تجربته تحمل مفارقة ستلازم العراق طويلاً: حاجتنا إلى دولة قوية، وخشيتنا من أن تتحول قوة الدولة إلى قوة السلطة. ومن هناك ترسخت لدي قناعة بأن العراق يحتاج رئيساً قوياً ضمن نظام قوي، لا رجلاً تقوى الدولة بقوته ثم تضعف بخروجه.

ومع حيدر العبادي واجه العراق لحظة وجودية: داعش تحتل مدناً، الخزينة تحت ضغط هائل، والمؤسسة العسكرية تحمل جراح انهيار كبير. استطاع العبادي أن يقود مرحلة استعادة الأرض وأن يعيد قدراً من التوازن إلى علاقة العراق بمحيطه والعالم، وهذه صفحة لا يمكن إنصاف تجربته من دون وضعها في الميزان. بيد أن تحرير الأرض كشف سؤالاً أشد صعوبة: ماذا نفعل بالدولة بعد استعادتها؟ فقد خرج العراق منتصراً عسكرياً، لكنه لم يخرج من هندسة المحاصصة، ولم تتحول لحظة النصر إلى لحظة تأسيس ثانية تعيد ترتيب السياسة والإدارة والاقتصاد والسلاح. وهنا بدأت أرى بوضوح أكبر أن أزمات العراق لا تنتهي بتغيير رئيس الوزراء؛ لأن ماكينة إنتاج الأزمة أعمق من مكتب رئيس الحكومة.

أما عادل عبد المهدي فله في تجربتي موقع مختلف، فقد عرفته وعملت معه قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، وكنت مستشاراً سياسياً وإعلامياً وفي العلاقات في مكتبه عندما كان نائباً لرئيس الجمهورية. عرفت فيه الثقافة الواسعة والقدرة على الإصغاء والقراءة الاقتصادية والسياسية المركبة، ولذلك تابعت تجربته في رئاسة الوزراء بمعرفة سابقة بالرجل لا بصورة صنعتها الشاشة. غير أن رئاسة الحكومة كشفت مرة أخرى الفارق الهائل بين عقل السياسي وقدرة النظام على تحويل الأفكار إلى حكم. جاءت تشرين لتضع الجميع أمام امتحان قاسٍ، وسقط الدم العراقي، وانتهت التجربة باستقالته. وقد تركت تلك المرحلة عندي سؤالاً لم يغادرني: كم من الرجال يمتلكون أفكاراً للدولة، ثم يدخلون إلى ماكينة الحكم فتستهلك قدرتهم قبل أن تتحول أفكارهم إلى مؤسسات؟

ثم جاءت حكومة مصطفى الكاظمي في ظرف استثنائي، بين ارتدادات تشرين، والسلاح المنفلت، وأزمة الثقة، والصراع الأمريكي الإيراني على الأرض العراقية. امتلك الكاظمي حركة خارجية وإعلامية واسعة، وحاول إعادة تقديم العراق بوصفه مساحة حوار إقليمي، لكن المسافة بقيت كبيرة بين صورة الدولة وقدرتها الفعلية. وفي تلك السنوات ازداد يقيني بأن السياسة الخارجية الناجحة تحتاج ظهراً داخلياً صلباً؛ فالسيادة لا تصنعها القمم والصور والزيارات وحدها، وإنما تصنعها خزينة مستقلة، واقتصاد منتج، ومؤسسات أمنية موحدة، وحدود مضبوطة، وسلاح يأتمر بقرار الدولة.

وجاء محمد شياع السوداني حاملاً فرصة أخرى؛ رجل خرج من الإدارة المحلية والوزارة ويعرف جهاز الدولة وتفاصيله، وتحرك في ملفات الخدمات والبنى التحتية والاستثمار بعقل تنفيذي أكثر وضوحاً من تجارب عديدة سبقته. وقد تابعت تجربته بعين تبحث عن الانتقال من إدارة المشاريع إلى إعادة هندسة الدولة نفسها، لأن العراق يستطيع أن يبني جسراً وطريقاً ومدينة، لكنه سيظل يدور في الحلقة ذاتها إذا بقيت المحاصصة تنتج السلطة، وبقي الاقتصاد أسيراً للنفط، والإدارة مثقلة بملايين الوظائف، والقرار السيادي موزعاً بين مراكز متعددة. ومن هنا أخذت رؤيتي تتبلور أكثر في مشروع الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة؛ دولة تعيد تعريف الحكم نفسه، وتدخل الذكاء والأتمتة والقياس إلى صميم الإدارة، وتنقل العراق من دولة تنفق الثروة إلى دولة تنتج القوة.

واليوم، مع تجربة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، انتقلت في تعاملي مع الحكومة إلى مساحة أخرى؛ مساحة المبادرة الوطنية للإصلاح والرسائل والمقترحات والمتابعة والقياس. لم أعد معنياً بتقديم الرأي السياسي وحده، وإنما ببناء نموذج يراقب القرار منذ إعلانه حتى تنفيذه، ولهذا أنشأنا الرسالة الأسبوعية إلى رئيس الوزراء، ونظام NRI لمتابعة الإجراءات الإصلاحية القابلة للقياس والإغلاق. دعمنا ما وجدناه صحيحاً، وناقشنا ما رأيناه ناقصاً، وقدمنا رؤيتنا في حصر السلاح، ومشروع مليون قطعة الأرض، والدينار الرقمي السيادي، والسجل المالي الوطني الموحد، والصناعة والزراعة والمياه والتعليم الذكي. أريد لعلاقتنا بأي حكومة أن تغادر ثقافة التصفيق والخصومة معاً، وأن تدخل ثقافة الدولة: نقيس، نقترح، نساند، نصحح، ثم نعود لنرى ماذا تحقق.

بعد هذه الرحلة، لا أستطيع اختزال تاريخ العراق في أسماء رؤساء الحكومات. الجعفري والمالكي والعبادي وعبد المهدي والكاظمي والسوداني والزيدي شخصيات مختلفة، لكل واحد منها عقله وظرفه وأخطاؤه وإنجازاته، لكنهم جميعاً دخلوا البناية السياسية ذاتها، بممراتها الضيقة وأبوابها الكثيرة ومفاتيحها الموزعة. وهذه خلاصة تجربتي معهم: مشكلتنا الكبرى لم تكن يوماً في العثور على رئيس وزراء خارق، وإنما في صناعة دولة تجعل الرئيس الناجح أكثر قدرة على النجاح، وتمنع الرئيس الضعيف من إضعافها. وبعد أكثر من عشرين عاماً داخل هذا المشهد، أمست قناعتي أشد رسوخاً بأن العراق يحتاج إلى إعادة تأسيس قواعد الحكم؛ نظام رئاسي ديمقراطي، ومؤسسات ذكية، واقتصاد منتج، وقرار سيادي واحد، ودولة تعرف ماذا تريد بعد عشر سنوات وخمسين سنة ومئة سنة. تلك هي المسافة التي قطعتها تجربتي: من العمل داخل الدولة التي وُلدت بعد 2003، إلى التفكير في الدولة التي ينبغي أن نورثها لمن سيأتي بعدنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى