صحافة وآراء

من الكلاشينكوف إلى الصاروخ الباليستي: تشريح التحول العسكري الحوثي..!

محمد سالم مجور

من مران إلى بناء منظومة القوة

منذ انطلاق عملية «فجر اليمن» وأنا أتابع البيانات العسكرية والخطاب الإعلامي المصاحب لها وألاحظ مقدار الاستغراب الذي يرافق الحديث عن حجم القوة التي راكمها الحوثيون وقدرتهم على الصمود والتكيف واستخدام منظومات عسكرية أكثر تعقيدًا مما عرفوه في بداياتهم. هذا الاستغراب دفعني إلى العودة إلى مسار الحركة منذ حروب صعدة ومراجعة سنوات طويلة من التقارير والبيانات والدراسات العسكرية والتقنية، في محاولة للإجابة عن سؤال أراه أكثر أهمية من عدّ الصواريخ والمسيّرات:

كيف وصل الحوثيون إلى هنا؟

قبل اثنين وعشرين عامًا كانت الدولة اليمنية تخوض حربًا في جبال مران ضد حركة مسلحة محدودة نسبيًا تعتمد في جانب كبير من قوتها على المقاتل المحلي والبندقية والأسلحة الخفيفة والمتوسطة وتتحرك داخل جغرافيا جبلية ضيقة حول صعدة. قُتل مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي في سبتمبر/أيلول 2004م وكان من السهل افتراض أن مقتل القائد سيقود إلى نهاية التمرد أو بداية نهايته، لكنه لم يفعل.

تلت الحرب الأولى خمس حروب أخرى حتى 2010م ثم خرجت الحركة من صعدة وخاضت معارك دماج وحاشد وعمران ودخلت صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014م. وبعد أكثر من عقد على بدء التدخل العسكري بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015م لم تعد القوة الموجودة اليوم هي الجماعة نفسها التي دخلت العاصمة آنذاك.

نحن أمام تنظيم راكم أكثر من عقدين من الخبرة القتالية واستوعب جزءًا من مؤسسات الدولة وترسانة الجيش السابق ووسع قاعدته البشرية وطوّر وحدات للصواريخ والطائرات المسيّرة وقدرات في التجميع والتصنيع العسكري، ووصل تأثيره من جبال صعدة إلى العمق السعودي والبحر الأحمر وباب المندب وإسرائيل.

هذه المسافة بين «الكلاشينكوف والصاروخ الباليستي» لا تختصر تطور السلاح فقط بل تطور منظومة كاملة لإنتاج القوة، والسؤال الاستراتيجي لم يعد: من أين حصل الحوثيون على هذه الصواريخ؟ بل:

كيف تحولت حركة محلية قاتلت الدولة في جبال صعدة إلى قوة عسكرية هجينة تستطيع إنتاج المقاتل واستيعاب التكنولوجيا وتطوير التكتيك وتجميع وتصنيع أجزاء من منظومات السلاح ثم استخدام الصاروخ والمسيّرة والبحر لفرض تكلفة تتجاوز حدود اليمن؟

لفهم ذلك لا يكفي تتبع الصواريخ والمسيّرات؛ فالقوة الحوثية الحالية تقوم على ست طبقات تراكمت فوق بعضها:

الإنسان والعقيدة القتالية والتعبئة والتكنولوجيا والتصنيع وشبكات الدعم والتوريد ثم القدرة على تحويل هذه العناصر إلى تكلفة استراتيجية على الخصم.

الحرب التي كان يفترض أن تستنزفهم أصبحت مدرستهم

يمكن قراءة حروب صعدة الست بين 2004م و2010م باعتبارها ست محاولات للقضاء على الحوثيين، لكن نتائجها تسمح بقراءتها أيضًا باعتبارها المدرسة العسكرية الأولى للحركة؛ فمقتل المؤسس لم يسقط التنظيم والحملات المتكررة لم تمنع عودته، ومع كل جولة تراكمت خبرة في الحرب الجبلية والكمائن وحركة الوحدات الصغيرة واستخدام التضاريس والتعامل مع القبائل والحفاظ على بنية القيادة تحت الضغط. وعندما ضعفت سلطة الدولة بعد 2011م تحولت المعرفة التي استخدمت للبقاء في صعدة إلى أداة للتوسع خارجها.

ثم جاءت حرب ما بعد 2015م لتفتح مدرسة أكبر؛ فقد واجه الحوثيون على مدى أكثر من أحد عشر عامًا تفوقًا جويًا واستخباراتيًا كبيرًا وخاضوا جبهات واسعة وأطلقوا الصواريخ والمسيّرات باتجاه السعودية ثم نقلوا جزءًا من المواجهة إلى البحر الأحمر وإسرائيل، وفي مراحل لاحقة واجهوا ضربات أمريكية وبريطانية وإسرائيلية مباشرة.

كانوا يخسرون رجالًا ومعدات ومواقع لكنهم كانوا أيضًا يختبرون الدفاعات ويتعلمون من عمليات الاعتراض ويغيرون وسائل الإطلاق والمسارات والتكتيكات، لذلك لا تكفي قراءة الحرب من خلال ما دمرته من قدراتهم بل يجب أيضًا قراءة ما تعلموه منها. ولا يعني ذلك أن كل خسارة تحولت إلى مكسب، لكنه يعني أن التنظيم أظهر قدرة متكررة على تحويل جزء من الضغط العسكري إلى معرفة قابلة للاستخدام في الجولة التالية.

الإنسان والعقيدة: من عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف

قبل الصاروخ يأتي الإنسان، وقد قدرت لجنة خبراء الأمم المتحدة القوة الحوثية بنحو 30 ألف مقاتل في 2015م و220 ألفًا في 2022م ونحو 350 ألفًا بحلول 2024م. وهي تقديرات وليست تعدادًا عسكريًا نهائيًا إذ أوضحت اللجنة أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من أعداد المجندين الجدد، لكن اتجاه النمو يصعب تجاهله.

التعبئة والعقيدة: من المقاتل إلى منظومة التعبئة

ولا يمكن تفسير هذا النمو بالعقيدة الدينية أو بالتجنيد الطوعي وحدهما؛ فالحركة بنت منظومة تعبئة تجمع بين التجنيد والدورات الثقافية والمؤسسات الدينية والتعليمية والمخيمات الصيفية والشبكات القبلية وأجهزة السلطة والحوافز الاقتصادية إلى جانب ممارسات ضغط وإكراه وثقتها مصادر دولية.

المغزى ليس أن الحوثيين يمتلكون جيشًا محترفًا من 350 ألف جندي بل أن التنظيم أصبح يمتلك بنية قادرة على تعبئة أعداد بشرية أكبر بكثير من قاعدته المسلحة في 2015م، وقتل المقاتل أسهل من تفكيك النظام الذي يستطيع إنتاج مقاتل آخر.

وتتكامل هذه القدرة البشرية مع عقيدة قتالية تشكلت داخل سلسلة طويلة من الحروب، ومن أهم دروسها أن البقاء نفسه قد يصبح شكلًا من أشكال الانتصار؛ فخسارة موقع لا تعني خسارة الحرب ومقتل قائد لا يعني انهيار التنظيم والتراجع التكتيكي يمكن أن يسبق عودة لاحقة، وهكذا أصبح الزمن جزءًا من معادلة القوة.

الأمر نفسه يفسر منطق الصاروخ والمسيّرة؛ فالحوثيون لا يحتاجون إلى امتلاك قوة جوية تماثل القوات الجوية السعودية أو الأمريكية بل إلى أدوات أقل تكلفة تستطيع تجاوز جزء من هذا التفوق وإجبار الخصم على حماية أصول أعلى قيمة. وتظهر هذه المعادلة في الحرب الصاروخية ضد السعودية، فبحسب الأرقام التي قدمها التحالف للجنة خبراء الأمم المتحدة أُطلق باتجاه أهداف في المملكة حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2021م عدد 781 طائرة مسيّرة و409 صواريخ باليستية أي 1,190 سلاحًا من هاتين الفئتين. الرقم مصدره التحالف وليس إحصاءً مستقلًا، لكنه يكشف حجم الانتقال من حرب جبلية إلى حملة بعيدة المدى استمرت سنوات.

من الوطنية إلى غزة: توسيع مجال التعبئة

القوة الحوثية لا يمكن تفسيرها بالمذهب والسلاح الإيراني فقط؛ فهناك في الذاكرة السياسية اليمنية وخصوصًا في المرتفعات الشمالية سرديات قوية حول السيادة والاستقلال ومقاومة السيطرة الخارجية. ولا يعني ذلك أن اليمنيين كانوا تاريخيًا كتلة واحدة ضد الخارج، فحرب الجمهوريين والملكيين في الستينيات شهدت دعمًا مصريًا واسعًا للجمهوريين ودعمًا سعوديًا للملكيين.

لكن التاريخ يكشف أيضًا أن هوية الطرف المتدخل تستطيع تغيير الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الصراع الداخلي، ومنذ 2015م عمل الخطاب الحوثي على إعادة تعريف الحرب من صراع بين أطراف يمنية إلى «عدوان خارجي على اليمن» وبذلك حاول التنظيم الانتقال في وعي الجمهور من طرف في حرب أهلية إلى قوة تدعي الدفاع عن الأرض والسيادة والاستقلال.

لا توجد استطلاعات مستقلة تسمح بقياس نجاح هذه السردية بدقة لكن تجاهل أثرها سيكون خطأ، والسؤال الذي تطرحه هو:

كم من اليمنيين قاتل مع الحوثي لأنه يؤمن بمشروع الحوثي وكم قاتل معه لأنه رأى خصمه مرتبطًا بقوة أجنبية تقصف بلاده؟

ثم جاءت غزة لتضيف موردًا تعبويًا جديدًا؛ فبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م سجلت ACLED عدد 548 مظاهرة مؤيدة لفلسطين أو مناهضة لإسرائيل في اليمن منها 431 فعالية برعاية الحوثيين، بينما وقع 84% من إجمالي تلك الفعاليات في مناطق سيطرتهم. وعلى امتداد 2023م سجلت المنظمة 849 فعالية مرتبطة بفلسطين وإسرائيل، أكثر مما سجلته خلال السنوات الثماني السابقة مجتمعة وكان ما يقارب ثلثيها برعاية الحوثيين.

هذه الأرقام لا تعني أن المشاركين أصبحوا مؤيدين للحكم الحوثي؛ فالمشاركة لفلسطين ليست تصويتًا لعبدالملك الحوثي والتأييد للعمليات ضد إسرائيل لا يعني الرضا عن الحكم في صنعاء، لكنها تكشف كيف حصلت الحركة على مورد جديد للتعبئة والتجنيد وإعادة تعريف دورها. وهكذا التقت في خطاب واحد ثلاث سرديات: السيادة اليمنية في مواجهة الخارج وفلسطين في مواجهة إسرائيل والحركة باعتبارها الطرف الذي يقول إنه حوّل الشعار إلى فعل عسكري.

— يتبع في القسم الثالث: من مخزن السلاح إلى منظومة إنتاج، ثم شبكات الدعم الخارجي وانتقال القوة الحوثية إلى مدى أبعد.

من منظومة الإنتاج إلى شبكات القوة

من مخزن السلاح إلى منظومة إنتاج

ربما يكون التحول الأكثر أهمية قد حدث خلف منصات الإطلاق؛ فالخطاب الحوثي يتحدث عن «التصنيع الحربي اليمني» بينما يختزل خصوم الحركة ترسانتها أحيانًا في أسلحة إيرانية أعيد طلاؤها وتسميتها، لكن الأدلة التقنية تشير إلى واقع أكثر تعقيدًا من الروايتين.

يقدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS أن الحوثيين طوروا قدرة محلية فعلية في بعض المسيّرات الأبسط والصواريخ الباليستية قصيرة المدى مع استمرار الاعتماد على مكونات خارجية مهمة، وتشير الأدلة التي استعرضها المعهد إلى أن تصنيع «صماد-3» يتم على الأرجح داخل اليمن وإن كانت مكونات أساسية فيه تأتي من الخارج.

في المقابل يرى المعهد أن الصواريخ الباليستية متوسطة المدى المستخدمة ضد إسرائيل ومنها «فلسطين-1» و«فلسطين-2» شديدة التعقيد على القاعدة الصناعية اليمنية الحالية ويرجح تزويد إيران بها مباشرة، كما تبدو بعض صواريخ كروز أكثر اعتمادًا على الخارج في مكونات يصعب إنتاجها محليًا.

الوصف الأدق إذن هو «التوطين العسكري الجزئي»: معرفة وتصميم خارجيان في بعض المنظومات ومكونات مهربة أو تجارية ومعدات وأدوات إنتاج تقابلها خبرة هندسية يمنية وتجميع وتعديل وتصنيع لبعض الأجزاء محليًا، وكلما ارتفع تعقيد المنظومة زادت أهمية المساعدة الخارجية.

المخزون يمكن استنزافه؛ أما المعرفة التي تعيد إنتاج المخزون فاستنزافها أصعب.

إذا انتقل التنظيم من استخدام مخزونات قديمة إلى التجميع ثم التعديل ثم تصنيع الأنظمة الأبسط وبعض أجزاء الأنظمة الأكثر تعقيدًا فنحن لا نراقب نمو ترسانة فقط بل نشوء معرفة صناعية عسكرية متراكمة، وإن ظلت مقيدة بضعف القاعدة الصناعية اليمنية واعتمادها على الخارج.

إيران وشبكات القوة

إيران تبقى الطرف الخارجي الأكثر توثيقًا وتأثيرًا في هذا التحول، وقد خلصت لجنة خبراء الأمم المتحدة في 2024م إلى تلقي الحوثيين مساعدات تقنية وتدريبًا وأسلحة ودعمًا ماليًا من إيران إلى جانب دعم من جماعات عراقية مسلحة وحزب الله، كما رأت أن الحوثيين لا يمتلكون القدرة على تطوير وإنتاج معظم منظوماتهم الأكثر تقدمًا دون مساعدة خارجية.

لكن شبكة القوة الحوثية لا ينبغي اختزالها في خط يبدأ في طهران وينتهي في صنعاء؛ فالمكونات التجارية ومزدوجة الاستخدام تأتي عبر أسواق وشبكات توريد دولية، ويوثق IISS مثلًا استخدام محركات صينية الصنع في «صماد-3»، وهو دليل على الاستفادة من السوق وشبكات التوريد لا دليلًا بذاته على قرار حكومي صيني بتسليح الحوثيين.

أما روسيا والصين فهناك تقارير ومؤشرات على اتصالات ومصالح متقاطعة وقنوات توريد أو تعاون محتملة، لكن الأدلة المفتوحة لا تسمح بوضع موسكو أو بكين في مستوى الدعم العسكري الإيراني أو بالجزم بوجود تحالف عسكري رسمي مع الحوثيين.

الصورة الأدق هي شبكة متعددة الطبقات: إيران بوصفها الشريك العسكري والتكنولوجي الخارجي الأعمق والأسواق الدولية وشبكات المشتريات بوصفها مصادر للمكونات والمواد والأدوات واليمن بوصفه مساحة للتجميع والتعديل والتعلم والتشغيل، وبدرجات متفاوتة، للتصنيع المحلي.

من الرياض إلى البحر الأحمر وإسرائيل

يمكن قراءة تطور الصاروخ الحوثي كخريطة مختصرة لهذا التحول؛ ففي المراحل الأولى ظهرت منظومات مثل «قاهر-1» المبني على تعديل صاروخ دفاع جوي قديم للاستخدام أرض-أرض، وبحلول 2017م كانت لجنة خبراء الأمم المتحدة توثق هجمات باليستية ممتدة المدى بينها الصاروخ الذي استهدف الرياض في 4 نوفمبر/تشرين الثاني وقطع مسافة تقدر بنحو 1,043 كيلومترًا.

ثم اتسعت الجغرافيا مرة أخرى بعد غزة، فلم تعد السعودية وحدها داخل نطاق التأثير بل أصبحت إسرائيل والبحر الأحمر وخليج عدن جزءًا من مسرح العمليات. وبين 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2023م و31 يوليو/تموز 2024م أحصت لجنة خبراء الأمم المتحدة ما لا يقل عن 134 هجومًا انطلقت من مناطق سيطرة الحوثيين ضد سفن تجارية وسفن حربية أمريكية وبريطانية في البحر الأحمر وخليج عدن.

هنا تغير معنى الصاروخ والمسيّرة؛ فلم يعودا مجرد وسيلتين لإحداث خسائر عسكرية بل أصبحا أداتين لإنتاج أثر اقتصادي وسياسي، فاستهداف مطار أو منشأة نفطية أو سفينة في ممر بحري حساس يمكن أن يؤثر في الطيران والتأمين والشحن والاستثمار والحسابات السياسية. وهذا هو الانتقال من القوة التكتيكية إلى القدرة على إنتاج أثر استراتيجي.

— يتبع في القسم الرابع : «فلسطين-2» وحدود الدعاية، ومفارقة العلاقة مع إيران، ثم خطأ قياس الحوثيين بصورة 2015م.

من الرياض إلى البحر الأحمر وإسرائيل

يمكن قراءة تطور الصاروخ الحوثي كخريطة مختصرة لهذا التحول؛ ففي المراحل الأولى ظهرت منظومات مثل «قاهر-1» المبني على تعديل صاروخ دفاع جوي قديم للاستخدام أرض-أرض، وبحلول 2017م كانت لجنة خبراء الأمم المتحدة توثق هجمات باليستية ممتدة المدى بينها الصاروخ الذي استهدف الرياض في 4 نوفمبر/تشرين الثاني وقطع مسافة تقدر بنحو 1,043 كيلومترًا.

ثم اتسعت الجغرافيا مرة أخرى بعد غزة، فلم تعد السعودية وحدها داخل نطاق التأثير بل أصبحت إسرائيل والبحر الأحمر وخليج عدن جزءًا من مسرح العمليات. وبين 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2023م و31 يوليو/تموز 2024م أحصت لجنة خبراء الأمم المتحدة ما لا يقل عن 134 هجومًا انطلقت من مناطق سيطرة الحوثيين ضد سفن تجارية وسفن حربية أمريكية وبريطانية في البحر الأحمر وخليج عدن.

هنا تغير معنى الصاروخ والمسيّرة؛ فلم يعودا مجرد وسيلتين لإحداث خسائر عسكرية بل أصبحا أداتين لإنتاج أثر اقتصادي وسياسي، فاستهداف مطار أو منشأة نفطية أو سفينة في ممر بحري حساس يمكن أن يؤثر في الطيران والتأمين والشحن والاستثمار والحسابات السياسية. وهذا هو الانتقال من القوة التكتيكية إلى القدرة على إنتاج أثر استراتيجي.

«فلسطين-2»: القدرة الحقيقية وحدود الدعاية

يصف الحوثيون «فلسطين-2» بأنه صاروخ باليستي فرط صوتي ويقدمون له مواصفات تتحدث عن مدى يتجاوز ألفي كيلومتر وسرعات عالية وقدرة على المناورة، لكن تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة يعرض هذه المواصفات باعتبارها معلومات قدمها الحوثيون لا تحققًا تقنيًا مستقلًا منها.

وهذا التفريق مهم؛ فالصاروخ الباليستي يستطيع تجاوز سرعة Mach 5 خلال أجزاء من مساره لكن ذلك لا يجعله تلقائيًا مساويًا لمركبة انزلاقية فرط صوتية متقدمة أو صاروخ كروز فرط صوتي قادر على المناورة المستدامة داخل الغلاف الجوي، كما يربط IISS «فلسطين-1» و«فلسطين-2» بعائلات صاروخية إيرانية ويرى أن تعقيدها يجعل إنتاجها الكامل داخل اليمن غير مرجح.

وهناك إدعاء بأن اليمن أصبح «سابع دولة في العالم تمتلك سلاحًا فرط صوتي» كحقيقة تقنية مثبتة، لكن هذا لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأهم:

الحوثيون أصبحوا قادرين على تشغيل واستخدام منظومات بعيدة المدى أكثر تعقيدًا بكثير مما امتلكوه عند بداية الحرب.

مفارقة العلاقة مع إيران

وتظهر هنا أيضًا مفارقة العلاقة مع إيران؛ فالخطاب الحوثي يقدم السعودية والولايات المتحدة باعتبارهما قوتين تتدخلان في اليمن بينما يقدم إيران باعتبارها دولة تساعد اليمنيين على مقاومة ذلك التدخل، ولا يحتاج هذا الخطاب إلى جعل الجمهور يحب إيران بل يكفي أن يقنع جزءًا منه بأن الحصول على مساعدة خارجية لمقاومة قوة أجنبية يختلف عن وجود تلك القوة وهي تقصف البلاد.

وغزة أضافت بعدًا آخر إذ أصبح بالإمكان تقديم العلاقة مع طهران ضمن إطار «محور المقاومة» وفلسطين بدل وضعها حصريًا داخل الصراع المذهبي والجيوسياسي، وقد يكون ذلك خفض الكلفة السياسية للارتباط بإيران لدى بعض الشرائح لكن هذا يبقى تقديرًا تحليليًا في غياب قياس مستقل للرأي العام، فيما يرى يمنيون آخرون الدعم الإيراني نفسه شكلًا من أشكال التدخل الخارجي.

المفارقة لا تختفي بل يعاد تعريفها؛ فالحوثيون لا ينفون حاجتهم إلى الخارج بقدر ما يحاولون رسم حد سياسي بين «التدخل» و«الدعم»: الأول يُقدَّم بوصفه انتقاصًا من السيادة والثاني بوصفه أداة لحمايتها.

— يتبع في القسم الخامس والأخير: ما الذي لا تعنيه الأرقام؟ ولماذا قد يكون قياس الحوثيين بما كانوا عليه في 2015م خطأً استراتيجيًا؟

ما الذي لا تعنيه الأرقام؟ وخطأ 2015م

ما الذي لا تعنيه هذه الأرقام؟

قبل الوصول إلى النتيجة هناك حدود يجب تثبيتها:

350 ألف مقاتل ومجند لا تعني 350 ألف جندي محترف؛ و849 فعالية مرتبطة بفلسطين لا تعني تأييدًا سياسيًا مماثلًا للحكم الحوثي؛ ووجود مكونات صينية لا يعني قرارًا من بكين بتسليح الحركة؛ والتقارير عن تعاون روسي محتمل لا تثبت تحالفًا عسكريًا؛ ووصف «فلسطين-2» بأنه فرط صوتي لا يثبت امتلاك اليمن تكنولوجيا فرط صوتية مستقلة؛ والسيطرة على السكان والأرض لا تساوي الرضا السياسي عن السلطة.

هذه ليست تحفظات شكلية؛ إنها ضرورية لكي نقيس القوة الحوثية كما هي لا كما يقدمها إعلام الحركة ولا كما يرغب خصومها في تصويرها.

خطأ 2015م

كل ما سبق يقود إلى السؤال الأهم؛ فقد يمتلك خصوم الحوثيين تفوقًا هائلًا في الطيران والاقتصاد والاستخبارات والأقمار الصناعية والدفاع الجوي، لكن التفوق المادي لا يعوض الخطأ في تعريف الخصم.

الحوثي الذي دخل حرب مارس/آذار 2015م ليس الحوثي الذي يقاتل في 2026م.

منذ ذلك الوقت أمضى التنظيم أكثر من أحد عشر عامًا إضافيًا في الحرب؛ عمل تحت القصف ووسع منظومة التعبئة وراكم خبرة صاروخية وطوّر شبكات توريد وبنى قدرة أكبر على التجميع والتصنيع الجزئي وخاض عمليات بحرية واسعة وأطلق أسلحة باتجاه إسرائيل واختبر دفاعات قوى متعددة وتعرض لضربات منها ثم حاول التكيف معها.

هذا لا يجعل الحوثيين قوة لا تُهزم؛ فلديهم نقاط ضعف بنيوية حقيقية تشمل اقتصادًا هشًا وقاعدة صناعية يمنية محدودة واعتمادًا مستمرًا على مكونات وتكنولوجيا خارجية وشبكات توريد قابلة للاختراق وعبء إدارة ملايين السكان وخصومًا يمنيين وتفاوتًا كبيرًا بين المجند والمقاتل المحترف، كما أن القدرة على إحداث ضرر استراتيجي لا تعني القدرة على تحقيق نصر سياسي شامل.

قياس الحوثيين بأكبر ادعاءاتهم خطأ وقياسهم بما كانوا عليه في 2015م خطأ أكبر.

الكلاشينكوف لم يختفِ

عنوان «من الكلاشينكوف إلى الصاروخ الباليستي» يحتاج في النهاية إلى تصحيح صغير: الحوثي لم ينتقل من الأول إلى الثاني بمعنى أنه استبدله.

الكلاشينكوف لم يختفِ؛ الصاروخ الباليستي أُضيف إليه.

ما زال المقاتل في الجبل والخندق جزءًا من القوة لكن خلفه اليوم توجد منظومة أوسع: جهاز تعبئة وتجنيد وخبرة قتالية متراكمة ووحدات صاروخية ومشغلو مسيّرات وفنيون ومهندسون وقدرات للتجميع والتعديل والتصنيع وشبكات توريد ومؤسسات سلطة ودعم إيراني موثق وأسواق دولية للمكونات.

وهكذا نعود إلى الطبقات الست: الإنسان والعقيدة القتالية والتعبئة والتكنولوجيا والتصنيع وشبكات الدعم والتوريد ثم القدرة على تحويلها إلى تكلفة استراتيجية على الخصم.

وهذه ربما أهم نتيجة في قراءة اثنين وعشرين عامًا من تطور الحركة:

المشكلة الاستراتيجية ليست حجم القوة الحوثية في لحظة معينة بل قدرة المنظومة على التعلم والتكيف وإعادة إنتاج جزء من قوتها بعد تعرضها للاستنزاف.

يمكن تدمير منصة إطلاق وقصف مخزن وقتل قائد، أما تفكيك النظام الذي يستطيع تجنيد بديل وإصلاح الشبكة والحصول على مكونات جديدة واستيعاب التكنولوجيا وتغيير التكتيك وإعادة صياغة الحرب سياسيًا لتوليد تعبئة جديدة فهو سؤال أصعب بكثير.

ولهذا فإن المفارقة التي بدأت في جبال صعدة ما تزال حاضرة بعد أكثر من عقدين:

الحرب التي كان يفترض أن تستنزف الحوثيين أصبحت أيضًا مدرستهم.

وإذا دخل خصومهم حرب 2026م وهم يقاتلون صورة الحوثي التي عرفوها في 2015م، فقد لا يكون خطؤهم الأكبر سوء تقدير عدد الصواريخ أو المسيّرات.

قد يكون الخطأ الأكبر أنهم أساؤوا تقدير أحد عشر عامًا من التعلم العسكري والتقني والتنظيمي والسياسي حدثت بين الصورتين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى