صحافة وآراء

روسيا تؤكد بشكل ساطع إفشال محاولة عزلها دولياً (الجزء الأول)

د. أيمن أبو الشعر

  • خلال ثلاثة أيام الرئيس وموسكو تستقبل كبار المسؤولين في أكثر من خمسين دولة عدا عن رؤساء العديد من المنظمات الدولية
  • بوتن يؤكد أن العقوبات على روسيا تسببت الضرر لأوروبا التي فرضتها ويقول: “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها

إطلاق النار على الأقدام

تستمر محاولات والتي ستركز على  عزل روسيا بشتى الوسائل وخاصة عبر فرض العقوبات التي زادت عمليا عن 35 ألف عقوبة متنوعة فرضت على الأفراد والمؤسسات والشركات وحتى على مؤسسات وشركات دول أخرى لأنها تتعاون مع روسيا، بل  إن أوروبا تستعد لفرض الحزمة الثانية والعشرين على روسيا والتي أعلنت عنها المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال قمة بروكسل في 16 من أكتوبر 2026 بعد ثلاثة أشهر فقط من فرض الحزمة الواحدة والعشرين، أي قبل أن يجف حبر التوقيع على حزمة العقوبات السابقة، حتى أن المسؤولين الروس باتوا يتندرون على فرض العقوبات منوهين بأن أوروبا ستفرض عقوبات على الهواء الروسي، والملفت للنظر أن موسكو أعلنت مرارا أن أحدا لن يستطيع التأثير على الاقتصاد الروسي بالعقوبات خاصة أنها عقوبات غير شرعية أساسا، وأن معظم تلك العقوبات تؤدي في الواقع إلى أضرار لاقتصادات الدول التي تفرضها كمن يطلق النار على قدمية حسب بيسكوف الناطق باسم الكرملين وحتى حسب تعليق نيويورك تايمز الأمريكية نفسها، وذلك  خلافا بل كنقيض لما كان يحلم به جو بايدن في تدمير الاقتصاد الروسي، وليس ذلك وحسب بل وحلمه في فرض عزلة خانقة على روسيا دوليا، فكيف تبدو اللوحة خلال الأيام الثلاثة الأخيرة من أكتوبر وحسب أقصد من 27 أكتوبر وحتى 29 منه لعام 2026 الحالي.

حوار بوتن مع فنلندا والنرويج

كما تعلمون هناك عمل أدبي توثيقي شهير تحت عنوان عشرة أيام هزت العالم يتحدث فيها الكاتب الأمريكي جون ريد عن أصعب الأيام التي مرت بها الثورة البلشفية في روسيا أواسط أكتوبر عام 1917 وما دفعني للاستشهاد بهذا الكتاب التاريخي المميز أنه يتحدث عن أحداث بضعة أيام وحدثت في شهر أكتوبر مع المفارقة طبعا بحجم تلك الأحداث الهائلة، ولكن أحداث الأيام الثلاثة التي جرت أواخر أكتوبر حاليا لها طابع إيجابي نوعي ومميز وساحق كمدلول يهمش المساعي الغربية، ويمكن القول عنها بأنها “ثلاثة أيام هزت العالم الغربي”.

رغم أن خبرا حول حوار الرئيس بوتن مع الرئيس الفنلندي ورئيس وزراء النرويج في السابق والعشرين من شهر أكتوبر كان يمكن أن يمر سراعا ودون تأثير كبير لو جاء قبل الأزمة الأوكرانية إلا أنه اليوم يعتبر مؤشرا قد يفضي إلى تعميق السعي لتوسيع بوابة الحوار مع موسكو، وذلك بعد أن حاولت أوروبا إغلاق جميع الأبواب لصالح فتح فوهة تدفق العقوبات، خاصة أن هذا الحوار قد تم بعد إعلام الجانب الأوكراني، أي عمليا بالتنسيق مع كييف.

وقد أكد بيسكوف أن روسيا تولي أهمية كبيرة للاتصال الهاتفي بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، فقد فتحت عمليا مجالا بالغ الأهمية لكي ينقل كل طرف موقفه للآخر بشفافية، بمعنى أن هذه القرار كان سياديا من جهة ومن جهة ثانية هو يوحي بأن تشاورا أوروبيا قد جرى بهذا الخصوص ما يدل على وجود بذرة في هذا المجال يمكن أن تنمو ثم تنبت حوارات أوسع بين أوروبا وروسيا، خاصة أن الرئيس الفنلندي ورئيس الوزراء النرويجي رحبا بالاتفاق على استئناف المفاوضات الثلاثية بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا على المستوى الفني مبدئيا  وستتمحور حول الأوضاع الأمنية ، كما أن الحوا مع الرئيس الفنلندي ورئيس الوزراء النرويجي تناولت الأمن والاستقرار في منطقة بحر البلطيق وشمال أوروبا إلى جانب الأزمة الأوكرانية، وهذا يعني بداية تفهم الموقف الروسي الذي طالما عبرت عنه موسكو، وهو انها لا تنوي على الإطلاق شن حرب على أوروبا، بل وتأكيدها انه ليس هناك أية أسباب تدفع موسكو لذلك. وفي ذلك بالطبع تقدم كبير سواء في التأكيد على عدم إمكانية عزل روسيا وفي الوقت ذاته إمكانية الخروج من عنق الزجاجة.

قمة منتدى الغاز في موسكو

هل تمكن الغرب من فرض عزلة على روسيا وتدمير اقتصادها كما كان يحلم عبر العقوبات؟

يشير منتدى الغاز بوضوح إلى خطل التوجهات الغربية وخاصة الأوروبية حول فرض عزلة على روسيا فقد حضر القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة للغاز والتي تضم 12 عضوا العديد من الرؤساء وكبار المسؤولين الدوليين بمن فيهم الرئيس الإيراني مسعود بزشيكان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ورئيس موزامبيق دانيال فرانسيسكو تشابو والقائمة بأعمال رئيس فنزويلا ديلسي روديرييز وغيرهم.

ولم يكن صدفة أن يعلن الرئيس بوتن في كلمته أن أوروبا بامتناعها تدريجيا عن شراء الغاز الروسي في محاولة للإساءة لروسيا وحرمان موسكو من الوصول إلى سوق الغاز العالمية قد أساءت لنفسها، واستشهد بالمثل القائل “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”، ذاك أن هذه الخطوات غير المدروسة جيدا أساءت في الواقع للاقتصاد الأوروبي، حيث تم الاعتماد على الغاز المسال الأمريكي بأسعار مضاعفة الأمر الذي انعكس على الصناعة الغربية، وتسبب حتى بإفلاس العديد من المؤسسات والشركات، خاصة مع تعرض سوق الغاز عموما إلى هزّات  جدية مع إغلاق مضيق هرمز، حيث تجاوزت أسعار الغاز في أوروبا 1100 دولار لكل ألف متر مكعب في أكتوبر عام 2026 ، في حين كان سعر الألف متر مكعب من الغاز الروسي لأوروبا عام 2020 قرابة 120 دولار أي أن أوربا تدفع عشرة أضعاف ثمن الغاز الروسي لشراء الغاز الأمريكي، أليس في ذلك إطلاق نار على الأقدام؟ هذا ناهيك عن أن روسيا قامت ببساطة بتوجيه فائض الغاز عندها نتيجة تخلي أوروبا عنه إلى الشرق، وخاصة الصين والهند وبأسعار تصل إلى 350 دولارا للألف متر مكعب بعد إجراء تخفيضات تزيد عن 50% نتيجة الكميات الهائلة الموردة ، أي أن أرباح روسيا ازدادت عمليا، وتسعى المفوضية الأوروبية للتخلص نهائيا العام القادم من الاعتماد على الغاز الروسي الأمر الذي تعارضه بعض الدول الأوربية التي ستضرر أكثر من غيرها  .

ولابد من الإشارة هنا إلى أن روسيا تعتبر من أهم الدول الأولى في انتاج وتصدير الغاز في العالم، كما أنها تحتل المرتبة الأولى من حيث حجم احتياطي الغاز عالميا بمعنى أن من يفكر بإزاحتها من سوق الغاز العالمية يسيئ حتما لنفسه وللسوق أيضا، أي لمعظم دول العالم، ولكنه في نهاية المطاف لن يتمكن من عزل روسيا التي استضافت على العكس قمة الدول المنتجة للغاز، وأكد المشاركون فيها رسميا عبر إعلان موسكو لهذه القمة، ما يثبت نقيض ما سعت إليه أوروبا في فرض العزلة على روسيا أليس كذلك؟

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى