
أحفاد السافاك في إيران!
منذ منتصف القرن العشرين تشكّل في إيران جهاز أمني أصبح أحد أكثر رموز الخوف حضوراً في تاريخ البلاد، السافاك. فقد عرف الأميركيون والإسرائيليون جيداً كيف يؤثرون داخل إيران، وكان هذا الجهاز أداتهم الأساسية. لم يكن اسمه مجرد عنوان لمؤسسة أمنية، بل كلمة تختزن معاني القمع والاختفاء للإيرانيين، ومعاني الأمان والاستمرارية للشاه الذي عاد إلى الحكم بعد انقلاب عام 1953، بدأت القصة عندما أعلن رئيس الوزراء محمد مصدّق تأميم النفط الإيراني، وهو قرار هدد مصالح بريطانيا والولايات المتحدة. تحركت وكالة الاستخبارات المركزية بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية في عملية “أجاكس” التي أطاحت بمصدّق وأعادت الشاه محمد رضا بهلوي إلى العرش بدعم مباشر من واشنطن. عاد الشاه مدركاً أن القوى التي أسقطت مصدّق قادرة على إسقاطه إذا عجز عن السيطرة على الشارع، فبرزت الحاجة إلى جهاز أمني شامل يراقب الداخل والخارج ويخمد أي معارضة قبل ظهورها. وبدأ التفكير في إنشاء هذا الجهاز مباشرة، بعد الانقلاب بدعم أميركا. وفي عام 1957 وُلد السافاك رسمياً، لكن ولادته لم تكن إيرانية خالصة؛ فالبنية كانت أميركية، بينما جاءت الخبرة الفنية من الخارج. ولعبت الـ CIA وFBI دوراً رئيسياً في تمويل السافاك وتدريب كوادره ووضع مهامه الاستخباراتية. لكن الدور الأخطر جاء من إسرائيل، فالموساد عمل جنباً إلى جنب مع الأميركيين في تدريب الضباط وتطوير أدوات المراقبة وأساليب التحقيق، في وقت كانت فيه إيران الشاه حليفاً غير معلن لتل أبيب في مواجهة الأنظمة القومية العربية. وبذلك أصبح السافاك جزءاً من منظومة تعاون ثلاثية تجمع واشنطن وطهران وتل أبيب.
وتضخّم الجهاز بسرعة ووصل عدد عناصره الرسميين إلى عدة آلاف، بينما اعتمد في عمله على شبكة واسعة تضم عشرات وربما مئات آلاف المخبرين المنتشرين في مؤسسات الدولة والجامعات والنقابات وحتى الأحياء والقرى، وامتلك السافاك صلاحيات شبه مطلقة شملت مراقبة الصحافة والكتب والأفلام، ومنع أي محتوى معارض للشاه، ومتابعة الأحزاب القومية واليسارية والإسلامية، ورقابة رجال الدين وعلى رأسهم الخميني، إضافة إلى مراقبة الطلبة الإيرانيين في الخارج وقيادة حملات الاعتقال والتعذيب وإدارة السجون الخاصة مثل سجن إيفين الذي تحول لاحقاً إلى رمز للقمع في عهدَي الشاه والجمهورية الإسلامية. وشملت أساليب التحقيق القاسية، الصعق الكهربائي على أعضاء حساسة من الجسم، والحرمان الطويل من النوم، والحبس في مساحات ضيقة، والتهديد بالإساءة لأفراد العائلة لانتزاع الاعترافات. وقتل السافاك والأجهزة المتعاونة معه، مئات المعارضين بين عامي 1971 و1977، وأعدموا العشرات خلال السبعينيات، وارتبطت هذه الأساليب ببرامج التدريب الأميركية والإسرائيلية التي تلقاها ضباط السافاك في أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل.
ولم يكن نشاط السافاك مقتصراً على مواجهة الحركات اليسارية أو القومية، بل كان موجهاً أيضاً ضد رجال الدين المعارضين. فمنذ بدايات الستينيات كان الخميني ينتقد سياسات الشاه الاقتصادية وتحالفه الوثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وعلى الرغم من مراقبة خطبه واعتقاله ونفيه إلى تركيا ثم العراق ولاحقاً إلى فرنسا، تحوّل الخميني إلى رمز للمقاومة الشعبية، بينما بات السافاك في نظر الإيرانيين عنواناً للقمع وخضوع النظام لإرادة القوى الخارجية. ومع تصاعد الاحتجاجات في أواخر السبعينيات، تراجعت هيبة السافاك وبدأ بعض ضباطه بالتعاون مع المعارضة أو الهروب إلى الخارج. وفي شباط 1979 انهار النظام الملكي وسقط معه السافاك رسمياً، وأعلنت حكومة شابور باختيار الأخيرة في عهد الشاه، حل الجهاز، ثم أطلق النظام الجديد حملة محاكمات أُعدم فيها عدد من كبار ضباطه. لكن سقوط الاسم لم يعنِ اختفاء المؤسسة الأمنية التي بناها؛ بل أعيد تدوير جزء من كوادر السافاك وخبراته داخل وزارة الاستخبارات والأجهزة الأمنية التي نشأت بعد الثورة، حيث استُفيد من أرشيفه الضخم وقدراته في بناء دولة أمنية حديثة ترتكز على المراقبة الداخلية والخارجية وإن تغيّر الشعار والغطاء الأيديولوجي. لم يختفِ إرث السافاك من المشهد الإيراني، فالصراع الحاد بين إيران وإسرائيل اليوم لا يمكن فصله عن الذاكرة الجماعية التي تربط بين الموساد والسافاك، وعن قناعة راسخة لدى شرائح واسعة بأن إسرائيل كانت شريكاً أساسياً في بناء الجهاز الذي قمع الإيرانيين ودعم الشاه. لذلك تحوّل الهجوم على إسرائيل في خطاب النظام الحالي إلى جزء من سردية سياسية تعتبر نفسها امتداداً لمواجهة تاريخية مع تحالف أمني أميركي–إسرائيلي كان يسعى، للسيطرة على إيران من خلال النفط والشاه والأجهزة الأمنية.
واستفادت إسرائيل من الأرشيف الذي جمعه السافاك على مدى عقود، والذي احتوى معلومات واسعة عن القوى السياسية الإيرانية وشبكات النفوذ في المنطقة، وهو ما شكّل مرجعاً مهماً في قراءة الملف الإيراني لاحقاً. وهكذا لم تبقِ قصة السافاك مجرد سرد حول جهاز مخابرات، بل تحولت إلى مرآة لتحالف دولي معقّد حاول إعادة تشكيل الشرق الأوسط في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قبل أن ينقلب على أصحابه في لحظة غير متوقعة. وبينما سقط الشاه والسافاك، لا تزال آثار الجهاز حاضرة في الدولة الأمنية الإيرانية المعاصرة وفي شكل الصراع المشتعل بين طهران وتل أبيب حتى اليوم.
ومن جهة نظر خبير إستخباري مختص بالشأن الإيراني، حيث أفادنا بالتالي: صحيح أن السافاك كان جهازاً مهنياً مرعباً، ولأنه كان مكروهاً من الشارع الإيراني فقد كانت هذه أحد أهم أسباب سقوطه وسقوط الشاه، الخطأ الكبير الذي وقع فيه السافاك هو خطأ تنظيمي، يتعلق بالمهام وبساحة عمله الجغرافية إذ كان مسؤولاً عن الداخل والخارج، أي جُمعت فيه مهام الأمن الداخلي والخدمة الخارجية! معيار فشله كان كُره الشارع الإيراني له وفشل نظام الشاه، إذ كان بينهم ترابط عضوي أكثر من الترابط مع الجيش، ولنتذكر في عام 2015 كيف أفشل جهاز المخابرات التركي انقلاب العسكر، هذا دليل على الترابط بينهما، هاكان وأردوغان، وأما ما يتعلق بضباط السافاك فقد شاخوا جميعهم عدا الذين ماتوا، لم يعد منهم فائدة، فقد تجاوزهم الزمن، وتقنيات المخابرات الحالية تختلف عن التي كانت في السبعينات، فقد اطلعنا والتقينا بعدد منهم في الثمانينات ولم نرى منهم الحرفية والخبرة المتميزة، كانت سمعة السافاك أكبر بكثير من واقعه، وكان ينخر فيه الفساد، خاصة الأخلاقي، عدا رموز معينة من قادته مثل ناصر مقدم الذي أعدمه صادق خلخالي عام 1979.
لكن! التساؤل الذي تشاطرناه مع الخبير الإستخباري المهتم بالشأن الإيراني كان، “يا ترى من هم أحفاد السافاك الموجودين حاليا في إسرائيل ويعملون مستشارين مختصين في الساحة الإيرانية ضمن جهاز الموساد ومن هم أحفاد السافاك الموجودين حاليا في أربيل ويعملون مستشارين مختصين في الساحة الإيرانية ضمن جهاز الباراستن”!؟




