خاص - ماتريوشكا نيوز

ألا تستحق شامنا صبراً؟ تستحق الغالي والنفيس لتبقى سورية واحدة موحدة

ماتريوشكا نيوز

تمر سورية في هذه المرحلة بأحد أعقد فصول تاريخها الحديث، حيث تتداخل التحديات الداخلية مع التحركات الإقليمية والصراعات الدولية. منذ الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد، ومع تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة تواجه الدولة السورية تحديات متعددة، تشمل إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والمدنية، مواجهة الإرهاب، ضبط الحدود، والحفاظ على توازن سياسي معقد بين القوى الإقليمية والدولية. سورية اليوم ليست مجرد ساحة نزاع، بل عقدة إستراتيجية حساسة تتشابك فيها مصالح مختلفة مثل واشنطن، أنقرة وتل أبيب، فيما تسعى دمشق للحفاظ على سيادتها وسط ضغط داخلي يتمثل أحياناً في المظاهرات وأحياناً في الصراعات المجتمعية. فقد شهدت الأيام الأخيرة تحركات عسكرية وأمنية متواصلة، لتعلن وزارة الدفاع السورية القبض على إثني عشر ضابطاً وعنصراً من فلول النظام السابق أثناء محاولتهم التسلل من لبنان الى سورية، في حين تصدى الجيش لمُسيّرات أطلقتها قوات سورية الديمقراطية “قسد” على سد تشرين بريف حلب الشرقي، في مؤشّر خطير على إستمرار التوتر مع القوات الكردية. كما شهدت اللاذقية وجبلة موجة من الإحتجاجات العلوية للمطالبة بالفيدرالية، قوبلت بالتصدي من قبل قوات الأمن السوري بعد ان بدأ المتظاهرون باطلاق النار محاولين تكرار السيناريو الذي حدث يوم السادس من آذار الماضي في الساحل السوري، فقد أعلنت السلطات في دمشق بأن ما جرى هو قيام مجموعات مسلحة مرتبطة بفلول النظام المخلوع مثل “سرايا درع الساحل” و”سرايا الجواد” بفتح النيران تجاه قوات الأمن السوري. وفي حمص، تعرّض مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب لتفجير بعبوة ناسفة أثناء صلاة الجمعة، ما أدى إلى سقوط ثمانية أشخاص وإصابة ثمانية عشر آخرين، وقد جرت مراسم تشييع رسمية وشعبية للضحايا، ما يعكس تواصل خطر الإرهاب داخل المدن السورية. فالضربات الأمريكية الواسعة مؤخراً إستهدفت أكثر من سبعين موقعاً للتنظيم في وسط سورية، شملت بنى تحتية ومخازن أسلحة، بمشاركة الطائرات الأردنية، في محاولة للحد من قدرته على التحرك وإستغلال بعض الفجوات الأمنية، فغاية داعش الحالية باتت توجيه الضربات على الأرض وفي الفضاء الرقمي، فالتنظيم نجح في الإنتقال عبر ظهور جيل جديد من “الذئاب المنفردة” التي تنفذ هجمات إلكترونية متفرقة في سورية وخارجها، مستغلة الفراغات الأمنية والصراعات الإقليمية. والرئيس أحمد الشرع اليوم يواجه معضلة الحفاظ على الأمن الداخلي وسط هكذا تحديات أمنية وغيرها سياسة، فالولايات المتحدة الأمريكية تشن ضربات محددة ضد التنظيمات الإرهابية، بما يحافظ على تحالفات الهجوم المشترك مع القوات المحلية. وعلى الصعيد الإقليمي، تتشابك مصالح إسرائيل وتركيا وإيران والولايات المتحدة الأمريكية في سورية. فإسرائيل كثفت من عملياتها في الجنوب السوري والقنيطرة، بينما تحذر تركيا من أي تحالف ثلاثي يضم إسرائيل وقوى كردية ودرزية ضد مصالحها، وتعتبرأنقرة تل أبيب، التهديد الأساسي لأمنها على الأراضي السورية. وفي دمشق، يسعى الرئيس الشرع لإعادة دمج قوات “قسد” ضمن الدولة السورية، بعد إتفاق تم توقيعه في آذار مارس الماضي، مع مشاركة ممثلين عن التحالف الدولي، الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، في الإجتماعات لتحديد آليات الإندماج العسكري والمدني، ما يعكس محاولة دمشق لإستعادة السيطرة السياسية والعسكرية بشكل تدريجي. أما العراق، فيتابع الوضع الأمني في سورية عن كثب، ويؤكد التعاون في مكافحة الإرهاب والمهام المشتركة لمكافحة المخدرات، مع الحرص على وحدة وسلامة الأراضي السورية، وتعزيز التعاون الإقتصادي لا سيما مشروع خط انابيب “كركوك–بانياس” لتصدير النفط. كما يسعى العراق للعب دور الوساطة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، مستفيداً من علاقاته المتوازنة مع الطرفين. وفي قلب هذا المشهد السوري المعقد، حيث تتشابك التحديات الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، يظهر ملف “قسد” كأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً. فبينما تحاول دمشق الحفاظ على سيادتها ومواجهة الإرهاب وإدارة إحتجاجات الداخل، يقف قائد “قسد” مظلوم عبدي على مفترق طرق، متردداً بين إتمام دمج قواته ضمن الدولة السورية أو التمسك بمناطق نفوذه، في ظل ضغوط خارجية من واشنطن وباريس وروسيا. وبهذا، ينتقل الحديث من المشهد العام لسورية بكل أزماتها الأمنية والسياسية والإجتماعية، إلى التفاصيل الدقيقة لصراع دمشق مع “قسد” في منطقة الجزيرة، حيث تتشابك المصالح العسكرية والسياسية والإقليمية، وتتضح هشاشة الإتفاقات السابقة وعمق التحديات التي تواجه عملية الدمج وإحلال الإستقرار. فـ عبدي، قادر على إشعال البلاد من جديد أو منع حرب طاحنة على ضفتي الفرات. فقائد قوات سورية الديمقراطية “قسد”، الرجل الذي إلتقى الرئيس السوري أحمد الشرع مرات عديدة، يتردد اليوم في إنهاء الخلاف وإعلان الدمج النهائي لقواته مع الدولة السورية. المفاوضات التي تجري بين الطرفين تخضع لضغوط خارجية، بينما النوايا الحقيقية غامضة وغير واضحة. دمشق من جانبها، لا تريد الحرب لكنها في الوقت ذاته ترفض التقسيم. أما “قسد”، فهي تتجهز للقتال لكنها لا تزال متمسكة بفكرة المركزية، وهذا التوتر بين دمشق والقامشلي يترك البلد على حافة كارثة قد تنفجر برصاصة واحدة. ففي العاشر من آذار عام 2025، كان من المقرر أن تُعلن سورية إتفاقاً مهماً بين “قسد” والحكومة السورية في دمشق، يضع إطاراً لدمج منطقة الجزيرة مع بقية الأراضي السورية، ودمج قوات “قسد” ضمن هيكلية وزارة الدفاع السورية. إلا أن الموعد المحدد للإنجاز كان نهاية العام ذاته، وما أن بدأت الإجتماعات والتنسيق، حتى إتضح أن الخطة لم تسِر كما توقع البعض. فواجهت المفاوضات خلافات جوهرية، تتعطل بين حين وآخر، ويتخللها تحريض لا سيما من الطرف الكردي ودور نشط للدول الإقليمية التي تفرظ إرادتها في المنطقة، ما أدى إلى عدم تطبيق الإتفاق. في الواقع الإتفاق منذ البداية كان “مولوداً ميتاً”، فقد وقعه الطرفان وأظهرت الصور وكأنهم يسيرون نحو الوحدة، لكن الواقع لم يضع خارطة طريق واضحة تنتهي بالدمج والوفاق، وربما هذا السبب الرئيس في فشل الإتفاق وعدم وصوله لهدفه. فالحرب لا تزال حاضرة، وسيناريو نشوب صراع بين الطرفين يظل قائماً وسط هذه الفوضى. فوزارة الداخلية السورية هددت بإتخاذ الحل العسكري، بينما تظهر “قسد” أنها مستعدة للحرب أكثر من إستعدادها للسلام. عملياتها العسكرية تتوزع على طول المناطق التي تسيطر عليها من الرقة وصولاً إلى القامشلي، حيث كثفت حفر الأنفاق، وتوزيع غرف العمليات، وتدشين النقاط الرئيسية، وتوسيع عمليات التجنيد، مؤكدة أنها لا تريد الإندماج كأفراد وإنما كتلة عسكرية واحدة. في المقابل، الغضب الشعبي في مناطق سيطرة الحكومة السورية يدفع دمشق نحو تنفيذ عملية عسكرية للحد من قوة “قسد”، بينما تحاول دمشق السيطرة على نقاط إلتماس مع “قسد”، خوفاً من خروج الأمور عن سيطرتها. إلا أن هذا الصراع لا ينتهي برغبة أي طرف في الحرب أو السلام، بل بتحريك الملف من الخارج. العامل الحاسم في المشهد يبقى الضغط الأمريكي، إذ تنتشر القوات الأمريكية في مناطق “قسد”، وتعتبر واشنطن “قسد” شريكاً أساسياً في محاربة الإرهاب في سورية. أي هجوم على مناطق “قسد” يحتاج إلى ضوء أخضر أمريكي، حتى لو كانت تركيا الحليفة لدمشق تهدد بدعم عملية عسكرية ضد “قسد”. إلى جانب واشنطن، تطل موسكو أيضاً في المنطقة حيث تمتلك علاقات جيدة مع “قسد”، وتنشر قوات في مطار القامشلي، بينما تلعب فرنسا دوراً سياسياً مهماً، داعمةً حماية الأقليات في المنطقة، ما يجعل من ملف منطقة الجزيرة أكبر من كونه ملفاً إقليمياً، وأصغر من كونه ملفاً عالمياً، أي دولة داخل الدولة. و”قسد” لا تبدو عازمة على الإندماج السريع والحقيقي مع دمشق، وهناك أسباب واضحة لذلك: أولها التحركات العسكرية والسياسية، وثانيها حفر الأنفاق وتوزيع النقاط الإستراتيجية، وثالثها دعم ميليشيات محلية مثل قوات الشيخ حكمت الهجري في السويداء، التي باتت تسيطر على جزء من المحافظة في حكم الواقع. كما سلَحت “قسد” ودربت مجموعات من هذه القوات منذ سقوط نظام الأسد، ووفرت لهم ملايين من الدولارات كدعم مادي لإتمام التشكيل, في الوقت نفسه، إستقبلت “قسد” العشرات من ضباط وعناصر من النظام السابق بعد هروب بشار الأسد، دون إعتقال أحد منهم رغم تورط بعضهم في إنتهاكات ضد الإنسانية وجرائم حرب. وقد أعلنت الإدارة الذاتية التابعة لـ”قسد” موازنة عام 2026، التي قدرت بأكثر من 1.5 مليار دولار، تضمنت إنشاء مدن جديدة وتحسين البنية التحتية، لتؤكد أنها مستمرة في وضعها الحالي بلا علاقة حقيقية مع دمشق. كل هذا يعكس أن “قسد” منذ البداية لم تخطط للإندماج، وإنما تريد الحصول على أكبر مكسب ممكن. أما من حيث القوة العسكرية، فتصنف “قسد”، رغم الدعم الأمريكي الكبير، كقوة خفيفة تعتمد على المشاة والسلاح الخفيف والمتوسط، وبعض العربات المدرعة التي منحتها القوات الأمريكية، مع قدرة محدودة على إستخدام الطائرات المسيّرة المحلية. بينما تتمتع حكومة دمشق بقوة مشاة كبيرة متمرسة على القتال، وتسليح أفضل، يشمل الدبابات والمدفعية والطيران المحلي القديم، إلى جانب عربات مدرعة ووسائل هجينة، مع دعم تركي وجوي وبري من دول حليفة مثل السعودية وقطر. المعادلة العسكرية رغم تعقيدها، تميل وفق المنطق إلى دمشق من حيث التسليح والقدرة على المناورة الأرضية. والسيناريوهات اليوم متعددة، حيث يمتد الإتفاق مؤقتاً حتى تحقيق تقدم أكبر في المفاوضات، أو ستتدحرج الأمور سريعاً نحو حرب طاحنة لن تنتهي بسهولة. بين هذا وذاك، تبقى عوامل داخلية مثل الضغط الشعبي والعامل الخارجي مثل التدخل الإقليمي والدولي هي اللاعب الرئيس في حسم المشهد، لكن المؤكد أن “قسد” تتشبث بمناطقها، ودمشق تواجه معضلة تهدد مناطق عدة. وفي النهاية، فأن النار وحدها هي التي ستحسم المشهد، بين محاولة التفاوض ومراوغات “قسد”، وضغط دمشق الداخلي، والتحركات الأمريكية، الروسية، والتركية، وحتى الفرنسية. سورية اليوم على مفترق طرق، والخيارات بين الحرب أو السلام لا تزال معلقة على تصرفات القوى المحلية والإقليمية، وعلى قدرة دمشق و”قسد” على التوصل إلى تسوية حقيقية، بعيداً عن المماطلة والمكاسب الجزئية.

في المحصلة، تؤكد التجربة السورية سقوط نظام بشار الأسد أن النصر السياسي والعسكري لا يكتمل من دون ترجمة حقيقية له على مستوى بناء الدولة والمؤسسات. فالتحدي الأبرز اليوم لا يكمن فقط في ضبط الأمن ومواجهة الإرهاب أو إدارة الصراع مع “قسد”، بل في الانتقال من منطق المرحلة الثورية إلى منطق الدولة الجامعة، القادرة على استيعاب كل مكوناتها وتفعيل كفاءاتها وإعادة إنتاج الشرعية عبر مؤسسات فاعلة وتشريعات واضحة. وبين ضغوط الداخل وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، تبقى المرحلة الانتقالية اختباراً حاسماً لقيادة دمشق في قدرتها على تثبيت الاستقرار، منع الانزلاق إلى صراعات جديدة، وتحويل الدعم الشعبي إلى مشروع وطني متكامل يؤسس لسورية موحدة ذات سيادة، قادرة على استعادة دورها الطبيعي في الإقليم والعالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى