دولي

التصعيد النووي البحري لكوريا الشمالية والتحوّل الصيني في ميزان القوة العالمي

ماتريوشكا نيوز

سلسلة تطوارت مقلقة تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية في الآونة الأخيرة تتدفق من أكثر من إتجاه، وتحديداً من كوريا الشمالية ومن الصين، وهذه التطورات لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة، بل كملامح مشهد إستراتيجي جديد يتشكل على مهل، لكنه بثبات. فبيونغ يانغ كشفت النقاب عن غواصة تعمل بالطاقة النووية مدعومة بتكنولوجيا محرك نووي صغير حصلت عليه عبر تبادل مباشر مع روسيا. وهذا التبادل طبعاً لم يكن مجانياً فكوريا الشمالية قدمت لروسيا ما تحتاجه بشدة في حربها مع أوكرانيا، من جنود على الأرض، وكميات هائلة من قذائف المدفعية. بيونغ يانغ تمتلك بالفعل قدرة صناعية ضخمة في إنتاج الذخائر، مصانع تعمل بوتيرة عالية، لكنها كانت بحاجة إلى مواد خام محددة، وهو ما وفرته موسكو. في المقابل، حصلت كوريا الشمالية على ما هو أخطر: تكنولوجيا الدفع النووي للغواصات. وهذه النقلة تمثل لأمريكا كارثة إستراتيجية حقيقية. صحيح أن كوريا الشمالية على الورق تمتلك عدداً ضخماً من الغواصات يتجاوز المئة أي أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، لكن معظم هذه الغواصات تقليدية وصغيرة الحجم، وغالباً ما تُصنف كغواصات محدودة الكفاءة غير أن دخول غواصة نووية واحدة فقط إلى الخدمة يغيّر المعادلة بالكامل. والخطورة لا تكمن في العدد بل في النوع. الغواصة النووية ليست مجرد منصة بحرية، بل هي حامل الردع النووي الأكثر موثوقية. الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تعرف هذه الحقيقة، ولهذا تفكّر في تزويد كوريا الجنوبية بغواصات تعمل بالطاقة النووية، وتقول سيئول رسمياً إن هذه الغواصات لن تحمل أسلحة نووية، وإنها تظل تحت المظلة النووية الأمريكية. لكن هذا الكلام غير مقنع. فمجرد إمتلاك غواصة نووية يعني إمتلاك منصة مثالية لحمل الصواريخ النووية. وغواصات الديزل ليست مصممة لهذا الدور، فهي مضطرة للصعود أو الإقتراب من السطح لإستخدام الـ”سنوركل” من أجل تزويد محركاتها بالأوكسجين، ما يجعلها عرضة للكشف، ويحوّلها إلى مخاطرة هائلة إذا حملت رؤوساً نووية. والتاريخ يقدم مثالاً مأساوياً كالغواصة الأرجنتينية سان خوان التي أدى خلل في نظام السنوركل وتسرب المياه إلى تفاعل كيميائي داخل البطاريات وتراكم الهيدروجين، ثم فقدان العمق والسيطرة، لتنتهي الغواصة بطاقمها كاملاً في ثوان تحت ضغط هائل. والغواصة النووية على النقيض، تستطيع البقاء ستة أشهر أو أكثر في الأعماق، بصمت، بسرعة، ودون الحاجة للظهور. هي المنصة المثالية لإطلاق صواريخ باليستية متعددة الرؤوس، وتنفيذ الضربة الثانية المدمرة، وهي جوهر الردع النووي الحديث. لهذا، فإن سعي كوريا الشمالية لإمتلاك غواصة نووية ليس ترفاً ولا إستفزازاً عبثياً، بل خطوة منطقية في عقيدة دولة نووية تعرف أن الصوامع الأرضية يمكن تدميرها في ضربة أولى، وأن القاذفات الجوية يمكن إستهدافها حتى بالمسيّرات كما رأينا في الحرب الأوكرانية. الغواصات وحدها هي التي لا يمكن تحييدها بالكامل. ومن هنا، تبدو الخطوة الأمريكية بتشجيع كوريا الجنوبية على إمتلاك غواصات نووية مغامرة غير محسوبة، لأنها عملياً دفعت بيونغ يانغ لتسريع مشروعها الخاص وهو ما يحدث الآن بالفعل. وإذا كانت كوريا الشمالية مصدر القلق الأول، فإن الصين هي مصدر القلق الأكبر. فبكين تتحرك وفق خطة ثابتة وموثوقة نحو الإستيلاء على تايوان بالقوة. ليس عبر مغامرة سريعة بل من خلال بناء قوة تقليدية ضخمة، محمية بمظلة نووية هائلة، تضمن أن أي تدخل أمريكي سيأتي بكلفة غير محتملة. وبكين لا تسعى فقط للسيطرة على تايوان، بل لتكريس نصر إستراتيجي حاسم، يغيّر ميزان القوى في غرب المحيط الهادئ. وهي تطور لهذا الغرض ترسانة صاروخية متقدمة، وقوة بحرية متنامية، وتجارب ناجحة لصواريخ باليستية بمركبات إنزلاقية فرط صوتية، بسرعات تتجاوز 8 ماخ، مصممة خصيصاً لإستهداف حاملات الطائرات الأمريكية. والصين تمتلك اليوم ثلاث حاملات طائرات، وتسعى للوصول إلى تسع حاملات خلال عقد. لكنها في الواقع، لا تحتاج هذا العدد قبل حسم ملف تايوان، لأن الجزيرة قريبة جغرافياً وحاملات الطائرات ستكون أداة الهيمنة اللاحقة، لا أداة الغزو الأولي. وأحد أخطر ما يثير القلق في واشنطن هو إمكانية عسكرة الأسطول التجاري الصيني. الصين هي أكبر منتج لسفن الحاويات في العالم، متفوقة على كوريا الجنوبية واليابان. تحويل هذا المخزون المدني إلى أداة عسكرية عبر تجهيز سفن الحاويات بمنصات إطلاق صواريخ، أو تحويلها لسفن إنزال هو كابوس إستراتيجي حقيقي. والصور المتداولة مؤخراً لسفن حاويات مزودة برادارات ومنصات إطلاق أثارت جدلاً واسعاً فهي رسائل مقصودة حتى لو كانت مُفبركة، فالفكرة نفسها ليست خيالية حيث أن إيران نفسها أطلقت صواريخ من حاويات مدنية، والولايات المتحدة الأمريكية تخشى هذا السيناريو منذ سنوات. وفي حرب من هذا النوع، فان كل حاوية تصبح تهديداً، وكل سفينة تجارية قد تخفي صاروخاً أو طوربيداً، وسط بحر يعج أصلاً بالتجارة الصينية. وتستغل الصين توتر العلاقات بين الهند والولايات المتحدة الأمريكية لتعزيز تقاربها مع نيودلهي بالتوازي مع تعزيز بُنيتها العسكرية في الهمالايا. بكين تعتبر ذلك رداً طبيعياً على تعاون أمريكي–هندي سابق شمل نشر معدات تجسس نووية في المناطق الجبلية الصينية، تسببت لاحقاً بتلوث إشعاعي. والولايات المتحدة الأمريكية، في المقابل تحاول تطويق الصين عبر الهند، بحر الصين الجنوبي وسلسلة الجزر الأولى (اليابان–تايوان–الفلبين)، لكن الصين تتحرك على كل هذه الجبهات بحذر شديد، مدركة أن التوسع غير المحسوب قد يكون فخاً لإستنزافها. وبكين لا تنظر للإستراتيجية الأمريكية الجديدة بإعتبارها إنسحاباً حقيقياً، بل إعادة تموضع مؤقت، شبيه بشركة تغلق فروعاً خاسرة لتعود لاحقاً بتوسع أكبر. لذلك يتعامل الصينيون بحذر شديد مع أي فراغ إستراتيجي قد تتركه واشنطن، خوفاً من أن يكون فخاً لإستدراجهم إلى إستنزاف طويل. لهذا تركز الصين اليوم على أولوياتها الحيوية وهي تايوان، الهمالايا، سلسلة الجزر الأولى، والعلاقة الإستراتيجية المتنامية مع روسيا، مع تجنب الإنجرار إلى توسع مفرط قد يقوض تفوقها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى