
لم يكن تصريح رئيس مجلس القضاء الأعلى بشأن الخرق الدستوري في تحديد موعد الانتخابات سوى تذكيرٍ جديدٍ بأنّ الدستور العراقي، منذ اليوم الأول لتطبيقه، واجه تحديات جسيمة في التطبيق وتم خرقه مرارا وتكرارا، وغالباً ما استُخدم كإطارٍ مرنٍ لتبرير التسويات والصفقات السياسية.
فكل مرحلةٍ من المراحل التي مرّ بها العراق بعد عام 2005 حملت عشرات من الخروقات الدستورية، إما في التنفيذ، أو في التأويل، أو في التعطيل.
ويمكن تصنيف هذه الخروقات في أربع فئاتٍ رئيسية تكشف طبيعتها وعمقها البنيوي في النظام السياسي القائم.
أولاً: الخروقات الممتدّة
وهي الخروقات التي تراكمت عبر السنين، وتحوّلت من إشكالياتٍ وقتية إلى ممارساتٍ مؤسسية راسخة، رغم أنها تتعارض مع النصوص الدستورية.
- غياب مجلس الاتحاد
نصّت المادة (65) بوضوح على إنشاء مجلس الاتحاد إلى جانب مجلس النواب ليُشكّل معه السلطة التشريعية. عدم تشكيل هذا المجلس حتى اليوم يعني أن الهيكل التشريعي لم يكتمل وفقاً لما نص عليه الدستور وبقي ناقصا، ما يجعل اكتمال الشرعية التشريعية موضع شك كبير. - عدم تشريع القوانين الدستورية المكملة
ومنها قانون النفط والغاز، وقانون توزيع الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، وقانون الخدمة المدنية، وقانون مجلس الاتحاد ذاته، وقوانين اللامركزية المالية والإدارية وغيرها. وهذه القوانين ليست تفصيلاً إداريًا، بل هي التي تُفَعّل مواد الدستور وتجعل نصوصه قابلة للتطبيق. وإنّ عدم سنّها حتى الآن يُعدّ تقصيراً ممتداً في إكمال البناء الدستوري. - تعطيل قانون التعداد العام للسكان
أُجري آخر تعدادٍ شاملٍ رسمي في العراق عام 1997، ثم تعطّل المشروع الإحصائي لأكثر من عقدين رغم أن الدستور ربط عدد مقاعد مجلس النواب بنتائج التعداد. وفي عام 2024 أعلنت وزارة التخطيط إنجاز التعداد الإلكتروني الشامل لأول مرة، لكن نتائجه لم تُعتمد لا في توزيع المقاعد البرلمانية ولا في تحديد الحصص المالية للمحافظات.
إن تجاهل نتائج التعداد يُنتج آثاراً دستورية وسياسية خطيرة:
· اختلال التمثيل النيابي، إذ تختلف القيمة التصويتية للمواطن بين محافظةٍ وأخرى.
· تشوّه الموازنات الاتحادية، لأن توزيع الموارد يُبنى على أرقامٍ غير دقيقة.
· تعطيل التخطيط التنموي والخدمي، إذ تُدار الدولة على أساس بياناتٍ غير محدثة.
- تعطيل المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها
تجاوز المدة الزمنية المحددة دستورياً دون تنفيذها يمثل خرقاً واضحاً للدستور، وتحولت القضية من التزامٍ قانوني إلى ملفٍ سياسي معقد. - التعيين بالوكالة
استمرار العمل بالوكالة في المناصب العليا رغم النصوص الصريحة التي تُلزم بالتصويت والمصادقة البرلمانية هو خرقٌ ممتدّ يُضعف مبدأ الفصل بين السلطات.
ثانياً: الخروقات المتكرّرة
وهي الخروقات التي تتكرر في معظم الدورات الانتخابية أو عمليات التشكيل الحكومي، حتى أصبحت سمة ملحوظة في النظام السياسي.
- تحديد موعد الانتخابات خارج الإطار الزمني الدستوري
المادة (56) من الدستور تحدد أن تُجرى الانتخابات قبل 45 يومًا من انتهاء الدورة النيابية، لكن في معظم الحالات لم يتم الالتزام بذلك، حيث غالباً ما تُقرّر المواعيد وفق الاعتبارات السياسية. - تأخير تشكيل الحكومات والرئاسات
تجاوز المدد الدستورية المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة أصبح نمطاً متكرراً دون وجود آليات فعالة للمساءلة. - تأجيل الانتخابات المحلية وتعطيل المجالس المنتخبة
الخرق هنا مزدوج: تعطيل مؤسساتٍ دستورية من جهة، وتقييد حقّ الشعب في التمثيل المحلي من جهةٍ أخرى.
ثالثاً: الخروقات البنيوية
وهي تلك التي تمسّ جوهر النظام الدستوري نفسه، وتتعلق بآليات تعديل الدستور وتنفيذه.
- شلل آلية التعديلات الدستورية
رغم وجود المواد (126) و(142) التي تنص على آليات التعديل، لم تُفعّل بشكلٍ فعال منذ عام 2005. تشكّلت لجان ثم توقفت، وظلّت النصوص المختلف عليها بلا مراجعة. - هيمنة الممارسات السياسية على النص الدستوري
المحاصصة في توزيع المناصب العليا، واشتراط التوازنات الطائفية والسياسية خارج النص الدستوري، أصبحت سمة بارزة في العملية السياسية. - الخلط بين السلطات وتجاوز الحدود الوظيفية
عبر تشكيل لجان وكيانات تتجاوز اختصاص السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية، وغالباً ما تُنشأ باتفاقٍ سياسي لا يستند إلى أساس دستوري واضح.
رابعاً: الخروقات الإجرائية والقضائية
وهي التي تتعلق بسوء تطبيق المواد القائمة أو تأويلها بشكل يثير الجدل.
- تمرير القوانين بشكل جماعي دون مناقشة مفصلة
وهو ما أبطله القضاء في بعض الحالات بوصفه مخالفةً للأصول التشريعية البرلمانية. - تأويلات المحكمة الاتحادية المثيرة للجدل
بعض قرارات المحكمة الاتحادية كانت محل خلاف فقهي وسياسي، حيث رأى مراقبون أنها تأثرت بالاعتبارات السياسية في بعض الأحيان. - غياب الآليات الفعالة للمساءلة الدستورية
فالدستور لم يحدد آلية إلزامية كافية لمحاسبة من يخرقه، ما جعل الخروقات في كثير من الأحيان بلا تبعات عملية.
بهذا المعنى، لم يعد الحديث عن خرقٍ منفرد؛ بل عن منظومةٍ من الإشكاليات المترابطة في تطبيق الدستور.
خروقاتٌ ممتدة رسّختها السنوات، وأخرى متكررة تُعيد إنتاج الأزمات، وبنيوية أضعفت فعالية النص الدستوري، وإجرائية أثّرت على مصداقية التطبيق.
وحين تتحوّل المخالفة إلى ممارسةٍ راسخة، ويغدو السكوت عنها أمرًا معتادًا، فإنّ النظام السياسي يقترب من أخطر مراحله: مرحلة التطبيع مع اللاالتزام الدستوري.




