دولي

بين الطاقة والملاحة: لماذا عاد ملف تيران وصنافير إلى الواجهة؟

ماتريوشكا نيوز

عاد ملف تيران وصنافير ليحتل موقعاً مركزياً في قراءة المشهد الجيوسياسي للبحر الأحمر، بعدما تحوّل من قضية ترسيم حدود إلى محور يرتبط بممرات الطاقة والملاحة وإعادة تشكيل موازين القوى في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وتكتسب الجزيرتان أهميتهما من موقعهما عند المدخل الجنوبي لخليج العقبة، حيث يشكّلان بوابة الملاحة نحو مينائي العقبة وإيلات، ما يجعل التحكم بهما عاملاً مباشراً في أمن البحر الأحمر وفي توازن العلاقات بين مصر والسعودية والأردن وإسرائيل. وتقع تيران مقابل شرم الشيخ مباشرة، بينما تمتد صنافير شرقها بمحاذاة السواحل السعودية، وتشكلان معاً حاجزاً طبيعياً في المضيق الذي تمر عبره حركة شحن دولية حساسة ومتزايدة الأهمية.

هذا الموقع الجغرافي يعود إلى الواجهة في لحظة يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ في المنطقة. فالقضية باتت تتجاوز بعدها الحدودي التقليدي لتدخل في صلب الملفات المتعلقة بالطاقة، وخاصة مع المشروع الذي تعمل عليه السعودية وإسرائيل لربط النفط السعودي بالبنية التحتية الإسرائيلية عبر مسارات تتخطى قناة السويس. ويُنظر إلى هذه المسارات بوصفها بديلاً محتملاً أكثر أماناً وأقل تكلفة في مواجهة التهديدات في البحر الأحمر، وهو ما يضع مصر أمام تراجع محتمل في دورها التاريخي في إدارة حركة التجارة العالمية. هذا التحوّل يمس مباشرة الأمن القومي المصري، إذ يمنح إسرائيل نفوذاً إضافياً على طرق الشحن في البحر الأحمر، ويتيح للسعودية استخدام موقع الجزيرتين في إعادة ترتيب المعادلات الإقليمية، الأمر الذي قد ينعكس على هامش الحركة المصرية في أي مواجهة مستقبلية أو تبدل في موازين القوى.

وتزداد حساسية المشهد مع احتمال أن يتحوّل مضيق تيران إلى ممر دولي قابل للاستغلال السياسي في ظل أي ترتيبات مستقبلية بين الرياض وتل أبيب، خاصة إذا مضى مسار التطبيع إلى مراحله النهائية. فمثل هذا السيناريو قد يؤثر في حركة الملاحة باتجاه الخليج، ويمنح الأطراف الجديدة قدرة على الضغط على القاهرة في ملفات إقليمية حساسة، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالفلسطينيين. كما يشكل انتقال حق الإدارة إلى السعودية عاملاً إضافياً في إعادة رسم الخريطة العسكرية للبحر الأحمر، خصوصاً أن تكريس حرية المرور البحري في المضيق يحدّ من قدرة مصر على استخدامه كورقة ضغط في الأزمات.

وتندرج كل هذه التحولات في إطار رؤية إسرائيلية أوسع، مدعومة بغطاء أميركي، تهدف إلى تحويل إسرائيل إلى محور مركزي في تجارة الطاقة بين آسيا وأوروبا عبر ربط الحقول والخطوط السعودية بشبكة EAPC الممتدة إلى ميناء إيلات. ومع توسع هذه الشبكة تصبح قناة السويس أمام ممرات جديدة تُبنى خصيصاً لتجاوزها، ما يدفع القاهرة إلى مواجهة معادلة أكثر تعقيداً في إدارة أمنها الاقتصادي والعسكري.

وهكذا لم تعد تيران وصنافير مجرد نقطتين على خريطة ترسيم الحدود، بل باتتا جزءاً من منظومة إقليمية تتشكل حول الطاقة والملاحة والتحالفات الجديدة. والمسألة في جوهرها تمس مستقبل النفوذ المصري في البحر الأحمر، وتوازن القوى بين العواصم الكبرى المطلة عليه، ودور قناة السويس في عالم يعاد هندسة طرقه البحرية وموارده الطاقية على نحو متسارع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى