
- تصريحات أوروبية ترى في الولايات المتحدة عدوا وخاصة على خلفية الحرب في أوكرانيا، وبداية التحرك الجماهيري ضد السياسة الأوربية المؤيدة للحرب
تزايد التنافر المموه بين واشنطن وبروكسل
بدأت أجواء التنافر بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحتى حلف شمال الأطلسي منذ الأيام الأولى لاستلام الرئيس ترامب منصبه رسميا، فلم يكن سرا أن القادة الأوروبيين كانوا يفضلون فوز بايدن في الانتخابات الأخيرة خاصة أن أجواء الصراع في أوكرانيا كانت قد تأججت عسكريا وساهم بايدن مساهمة كبرى في دعم أوكرانيا وزيلينسكي، وبشكل خاص بعد ظهور قضايا فساد يُعتقد بأن ابنه هانتر كان مشاركا فيها حين غدا مستشارا بشركة الغاز الأوكراني “بوريسما” المسجلة في قبرص” أي للتهرب الضريبي عمليا”، وتصاعدت الشبهات حين بدأت التحقيقات حتى أن جو بايدن طلب بإقالة القاضي “شوكين” الذي كان يقود التحقيقات للحفاظ على ابنه، ومن هنا يمكن أن نلاحظ أن أوكرانيا كانت محورية بالنسبة له، وكان الخلاف حولها حادا منذ البداية بين ترامب وبايدن الذي كان يؤيد اشتعال الحرب بل وتأججها، وسرعان ما انتقلت العدوى إلى الاتحاد الأوروبي والناتو في هذا التأييد الذي غدا سمة رئيسية لدى الأوربيين، بينما تراجعت أسهم الحرب عند ترامب الذي كان يصفها بأنها حرب بايدن، ويؤكد في معظم المناسبات أنه لو كان رئيسا بدل بايدن لما اندلعت هذه الحرب، هذا ناهيك عن شعوره بأن القادة الأوروبيين كانوا يفضلون بايدن على ترامب الذي لا تخلو بعض المقالات الأوروبية آنذاك من وصفه بأنه متهور ومتطرف!
من الممالأة إلى المجاهرة
بعد تطورات الحرب في أوكرانيا أحس الأوروبيون بأن جهودهم تذهب هباء، وأموالهم تضيع بلا رجعة بما في ذلك عبر الفساد المنتشر في أوكرانيا، وآلياتهم تتحول إلى ركام من حديد، وكان لا بد من التعويض عن تلك الخسارات باستمرار ، وباتوا يُمنون النفس بأنهم سيهزمون روسيا قريبا هزيمة استراتيجية، لكن الواقع كان يقدم معطيات مغايرة تماما ما دفع بالرئيس ترامب -وهو في نهاية المطاف يتصرف بعقلية رجل أعمال يفهم ضرورة الحصول على الأرباح وتجنب الخسارة- إلى رمي هذا العبء كله على الاتحاد الأوروبي بحيث بات عليهم حتى أن يدفعوا ثمن الأسلحة التي تقدمها واشنطن إلى أوكرانيا، فقد تم الاتفاق على أن يتم بيعها أولا إلى أوروبا بسعر كامل دون أية حسومات، ومن ثم يوجهها الأوربيون إلى أوكرانيا، وتوضحت الخلافات في الأشهر الأخيرة حين بات ترامب مقتنعا بأن هذه الحرب من جهة عبثية وتجري بأثمان بشرية هائلة قرابة 25 ألف قتيل من الطرفين شهريا، ومن جهة ثانية أدرك أن روسيا ستحقق في نهاية المطاف أهدافها عسكريا إن لم تتم الموافقة على مطالبها، وخاصة في تخلي أوكرانيا عن الجزء الذي ما زال تحت سيطرتها في دونيتسك، وتصاعد هذا الخلاف جديا بين أوروبا والولايات المتحدة حين قدم الرئيس ترامب خطته ذات البنود الثمانية والعشرين لوقف الاقتتال وتكريس السلام، وفي حين رحبت موسكو بالخطة من حيث المبدأ رفضتها كييف والأوروبيون واعتبروها تلبي مصالح موسكو، وهنا بدأت التشظيات تعبر عن نفسها.
استنفار ضد ما طرحه ترامب
بدأت رحلات زيلينسكي المكوكية للقاء بالزعماء الأوروبيين وبدأت علنا هذه المرة ليس فقط عملية تعديل مقترح ترامب، بل وبدأت عبارات الشكوك بمدى نزاهة موقفه تتصاعد رغم اضطرار زيلينسكي والزعماء الأوروبيون وخاصة الترويكا الأوربية “بريطانيا، وفرنسا ، وألمانيا” إلى استخدام غطاء صياغات دبلوماسية من خلال مديح ترامب بأنه يسعى لحل الأزمة ولكن في الوقت نفسه الإشارة إلى أن أطروحاته غير مقبولة، واضطر فريق ترامب إلى التعبير عن نفاد الصبر حتى أن زيلينسكي نفسه اشتكى للقادة الأوربيين من أن الأمريكان يضغطون عليه إبان المفاوضات، مما اضطر ترامب نفسه إلى التذكير بأن روسيا أقوى من أوكرانيا بفارق كبير وأن على زيلينسكي أن يعي هذا الأمر، في غضون ذلك نقلت تسريبات يقال أنه تم التنصل منها لاحقا نقلت عن ماكرون قوله حسب “مجلة شبيغل” في حوار مع زيلينسكي وقادة أوروبيين أن هناك احتمالا بأن تخون الولايات المتحدة أوكراني افي مسألة الأراضي دون تقديم الضمانات الأمنية اللازمة، كما حذر المستشار الألماني ميريتس زيلينسكي بأن المفاوضين الأمريكيين يتلاعبون، وأن عليه توخي الحذر، عبارات من هذا النوع لا تغتفر إن ظهرت على لسان الرؤساء لأنها تعبر عن موقف البلد الذي يمثلونه، وركز الزعماء الأوربيون على تقديم الضمانات اأمنية لأوكرانيا قبل بدء مفاوضاتها مع روسيا مع التأكيد على عدم التخلي عن الأراضي الأوكرانية بالقوة، أي عمليا السعي لاستمرار الحرب، فمن الواضح أن معظم التعديلات الأوروبية لن توافق عليها روسيا.
أراء أكثر حدة
كما ظهرت في هذه الفترة تصريحات أكثر قسوة من شخصيات الدرجة الثانية بدت تشكيكا بترامب وهجوما عليه، فقد اعتبر ستيفن والت أستاذ الدراسات الدولية في جامعة هارفارد الأمريكية أن أمريكا غدت عدوة لأوروبا، وأن إدارة ترامب مضت بعيدا جدا في سياستها المناوئة للأوروبيين، ويستدل على ذلك حتى من رفع ترامب التعريفات الجمركية على الحلفاء الأوروبيين ما جعلهم يشعرون بضرورة حماية أنفسهم بأنفسهم، وحتى عدم الاعتماد على القوة الأمريكية أو الأسلحة الأمريكية، وهذا ما يفسر طرح العديد من الدول الأوروبية إعادة النظر بنهجها العسكري وزيارة عديد جيوشها ورفع ميزانية الدفاع بل وحتى طرح فكرة فرض التجنيد الإجباري. ووصل الأمر بجوزيب بوريل مفوض الدبلوماسية الأوربية السابق إلى تشبيه الولايات المتحدة في عهد ترامب بإسبانيا في عهد الجنرال الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو، واعتبر أن اختيار الشعب الأمريكي لترامب لا يعني نهاية العالم لكنه يعني بداية مرحلة جديدة، وأن الاتحاد الأوروبي في عهد ترامب لا يستطيع الاعتماد حتى على حلف الناتو، وكان بوريل قد دعا الاتحاد الأوروبي منذ نهاية العام الفائت إلى رفض التوقيع على أية اتفاقية تقرها روسيا والولايات المتحدة دون مشاركة بروكسل وكييف فيها.
كما أعربت رئيسة الدبلوماسية الأوربية الحالية كاياك كالاس عن خشيتها من أن تضغط الولايات المتحدة على كييف كونها الطرف الأضعف مشددة على أن ذلك ليس في مصلحة أوكرانيا ولا أوربا بل وليس في مصلحة الأمن العالمي.
معطيات شعبية تؤكد هذا الشرخ
ومن الواضح ان هذه التصريحات التي تشير إلى بروز نفور واضح في أوروبا من الولايات المتحدة باتت تعبر عنه العديد من المقالات والمنابر الإعلامية الأوربية، ويؤدي إلى ردود فعل لا تقل نفورا من أهم الشخصيات الأمريكية حتى غير السياسية حيث دعا رجل الأعمال الأمريكي الشهير إيلون ماسك إلى ألغاء الاتحاد الأوروبي عبر تفكيكه وإعادة السيادة الكاملة للدول الأعضاء فيه، واعتبر أنه منظمة بيروقراطية تخنق أوروبا ببطء حتى الموت، وفي إطار انعكاس هذه الأجواء على المواقف الشعبية يمكن الاستئناس باستطلاع للرأي العام جرى في تسع دول أوربية منها بلجيكا وبولندا وإيطاليا وفرنسا أن قرابة 51% من الأوربيين يعتبرون الرئيس ترامب عدوا لأوروبا، ووصلت هذه النسبة في بلجيكا مثلا إلى 61% ، كما أجرت منصة Le Grand Continent الفرنسية استطلاعا للرأي العام في فرنسا اعتبر 63% من المقترعين أن انتخاب ترامب جعل العالم أقل أمنا، قرابة 40% اعتبروه ديكاتورا ذا ميول استبدادية، مع ملاحظة أن موقفا معاكسا تماما بدأ يظهر من خلال مناهضة الحرب وحتى رفض تمويل أوكرانيا عبر مظاهرات شعبية تصرخ كفى ، لا للحرب نعم للسلام، كالتي انطلقت في فرنسا مؤخرا.
طبعا هناك جوانب أخرى يظهر فيها تزايد هذا الشرخ كالموقف من الاستراتيجية الأمريكية المعدلة الجديدة، لكن ذلك يحتاج إلى وقفة خاصة حين تسمح الروف لذلك.



