
- معظم دول العالم أدانت العدوان الأمريكي على فينزويلا كخرق للقانون الدولي في حين كانت مواقف بعض الدول باهتة تطالب بالتهدئة والحوار
- لأمريكا تاريخ طويل في العدوانية والتخلص من الزعماء الذين لا يعجبونها بما في ذلك عبر التدخل العسكري المباشر في عشرات الدول وخاصة في أمريكا اللاتينية
الإرهاب الأمريكي
من الواضح أن جينات مراحل العبودية التي كانت نهجا محوريا في أمريكا لعدة قرون، وأسفر واقعيا حتى عن الحرب الأهلية بات يظهر في طفرات عدائية إنسانيا، خاصة أنها تتمازج في الآن نفسه مع جينات الرجل الكاوبوي التي كانت أيضا سمة رئيسية لمعظم الشعب الأمريكي وخاصة في الغرب الأمريكي وشكلت طابعه الثقافي لفترة غير قصيرة، وإذا امتزجت جينات الكاوبوي الذي يتحدث عمليا بمسدسه لا بلسانه، وجينات تاجر العبيد الذي يتحدث بسوطه لا بلسانه لتشكل عندنا مخلوق رهيب يفوق مخلوق فرانكشتاين رهابة وشرا هو ما يعتبره الكثيرون اليوم النموذج الأمريكي العدواني والذي يعتبر نفسه صنوا للسوبرمان. وبالتالي يمكن القول أن ما أقدم عليه ترامب ليس حالة استثنائية أو حالة غريبة عن العقلية الأمريكية الاستبدادية ونظرة سريعة إلى تاريخ هذه العنجهية والتسلط توضح المشهد بشكل جلي وسأتناول بعض الأمثلة وحسب:
فقد قامت القوات الأمريكية بمهاجمة العراق الدولة ذات السيادة وتسببت عمليا في مقتل الرئيس صدام حسين بعد محاكمة صورية مسيسة، كما قامت وكالة المخابرات الأمريكية بمحاولات عديدة للتخلص من الزعيم الكوبي كاستروا بما في ذلك استخدام السموم والمتفجرات ومحاولات الاغتيال عبر الجماعات المعارضة، وقد تمت الإطاحة بمحمد مصدق عام 1953 بسبب تأميمه لصناعة النفط في إيران عبر انقال بتدبير المخابرات الأمريكية والبريطانية وقد أسفر ذلك عن عودة الشاه للحكم، وتم اغتيال نغوين دينه ديم عام 1963رئيس فيتنام الجنوبية، لأن واشنطن فقدت الثقة به، فدبرت وكالة المخابرات المركزية انقلابا ضده بقيادة الجنرال دونغ فان مينه، والرئيس سيلفادور الليندي الرئيس التشيلي النقي المناضل تم قتله عام 1973 في انقلاب دبرته المخابرات الأمريكية مع الجنرال بينوشيه، وتم قتله في القصر الجمهوري حيث قرر المواجهة ورفض الهرب، وفي غواتيمالا ساهمت في الإطاحة بالرئيس جاكوبو أربينز غوزمان عام 1954، وساهمت في اغتيال الرئيس رافائيل تروخيلو في الدومينكان ساهمت نتيجة تدخلها في نيكاراغوا في إشعال حرب أهلية طاحنة عام 1961 ، والأمثلة كثيرة جدا ناهيك عن دعم الانقلابات ضد السلطات والرؤساء الذين لا تروق سياستهم لواشنطن بالمال والمعطيات اللوجستية وتقوية المعارضات الداخلية، ناهيك عن الدعم الإعلامي الهائل، وبعض هؤلاء الزعماء كان مدعوما من أمريكيا ولكن ممارسة هذا الزعيم أو ذاك لبعض الإصلاحات كان كفيلا بالتخلص منه، طبعا هذا لا يعني دائما أن الأوضاع في جميع تلك الدول رائعة، ويمكن أن تكون هناك أخطاء وصراعات سياسية، وإشكالات اقتصادية وبعض مظاهر الفساد، ولكن الحلول يجب أن تكون داخلية سياسية وليس بتدخل قوات أجنبية.
من هو مادورو ولماذا فنزويلا
صحيح أن فنزويلا تعاني من أزمة اقتصادية وسياسية منذ سنوات عديدة، وتعتبرها بعض الآراء ذات سياسة يسارية راديكالية، ولكن معظم هذه التوجهات والإجراءات كانت في الواقع رد فعل على الحصار الخانق الذي فرضته الولايات المتحدة التي لم تعد تتوانى عن مصادرة حتى ناقلات النفط الفنزويلي.
باختصار ظلت فنزويلا تشكل هاجسا لأمريكا منذ سنوات عديدة، خاصة أنها في أقصى شمال أمريكا الجنوبية أي أنها قريبة من الولايات المتحدة، وتملك أكبر احتياطي نفطي في العالم بما يزيد قليلا عن 303 مليار برميل، ورابع احتياطي من الغاز في العالم، والعديد من المعادن كالذهب والنيكل والنحاس والفوسفات ناهيك عن مساحات هائلة من الغابات.
وما يغيظ الولايات المتحدة أن كاراكاس تمارس سياسة مستقلة، وتصمد أمام العقوبات المرهقة التي أفقدتها الكثير من الإمكانيات الاقتصادية، وخاصة من خلال تدهور قيمة عملتها نتيجة عوامل عديدة من أهمها العقوبات الأمريكية والحصار، وهذا بحد ذاته كان من بين العوامل المساعدة للمعارضة الفنزويلية التي تعلن مسبقا تبعيتها لواشنطن وسياساتها بما في ذلك تأييدها الكبير لإسرائيل وذلك عبر اتصال هاتفي خاص بنتنياهو تأكيدا على التمايز عن مادورو المساند لفلسطيم وإرضاء لواشنطن، ولهذا لم يكن غريبا أن تحصل زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو على جائزة نوبل للسلام، والتي لم يخف الرئيس ترامب أنه يفكر في تنصيبها خلفا لمادورو…
ونيكولاس مادورو هذا إنسان كادح من عائلة عمالية يسارية عمل سائقا لقطار ميترو في العاصمة كاراكاس وسرعان ما غدا قائدا نقابيا، وساهم في النضال للإفراج عن تشافيز بعد محاولة الانقلاب عليه عام 1992 ،وساعد بعد ذلك في تأسيس الحزب الاشتراكي الفنزويلي ، ثم غدا عضوا في الجمعية الدستورية عام 1999 ،ومن ثم في البرلمان عام 2000، وبعد أن عين وزيرا للخارجية قرأ بنفسه قرار الرئيس تشافيز بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وطرد السفير الإسرائيلي نتيجة الوحشية الإسرائيلية في غزة عام 2008 – 2009…وانتخب عام 2013 رئيسا لفنزويلا بعد وفاة تشافيز…
وكما ذكرنا تردت الأوضاع الاقتصادية نتيجة عوامل عديدة أهمها العقوبات والحصار، ومساعدة المعارضة في تكريس هذا التردي حتى عبر هجرة مجموعات سكانية كبيرة بدعم من واشنطن قدرت بحوالي ربع السكان ما أثر في الافتقار إلى الأيدي العاملة، وأعلنت الولايات المتحدة عن جائزة بمبلغ 50 مليون دولار لمن يقبض عليه… أعتقد أن الأمور باتت تتكشف من قراءة ما بين هذه السطور وربطها مع المسارات السياسية.
هل ستنجح واشنطن في معركتها مع فنزويلا حتى النهاية
سؤال تصعب الإجابة عليه بشكل دقيق كونه يتعلق بأمور عديدة لعل من أهمها مدى صلابة مواقف الدول في إدانتها للعملية العسكرية الأمريكية، ومدى قدرة الداخل على تشكيل جبهة مقاتلة قادرة على الحسم مع وجود معارضة تتبع لأمريكا بشكل مطلق.
وجولة سريعة مكثفة على ردود الفعل الدولية نرى أن معظم دول العالم ومنظماته أدان العملية العسكرية، ولكن بمستوى تعبيري متفاوت، إذ عبرت روسيا عن إدانتها لهذا التصرف، ودعت واشنطن إلى الإفراج عن مادورو وزوجته، وأجرى وزير الخارجية لافروف مكالمة مع نائبة الرئيس مادورو عبر خلالها عن تضامنه مع الشعب الفنزويلي في مواجهة العدوان المسلح، كما طالبت الخارجية الروسية واشنطن بتقديم توضيح فوري عن مصير الرئيس مادورو وصحته، معبرة عن القلق الشديد إزاء التقارير التي تفيد بأن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، قد أُجبرا قسرا على مغادرة البلاد نتيجة للعدوان الأمريكي. وطالبت بتوضيح فوري لهذا الوضع، واعتبر بيان الخارجية الروسية هذا التصرف انتهاكا غير مقبول لسيادة دولة مستقلة، واحترامها مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي، وحملت بعض التعليقات الروسية طابع التهكم حيث أعلن مدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي أن اختطاف مادورو قد تكون مثالا على عمليات حفظ السلام الأمريكية وخطوة أخرى تقرب ترامب من الحصول على جائزة نوبل للسلام، وبدا موقف الصين حاسما أيضا حيث نددت بشدة باستخدام القوة العسكرية الأمريكية ضد دولة ذات سيادة واختطاف رئيسها، واعتبرته تصرفا مشينا، وانتهاكا خطيرا للقانون الدولي وأنه يهدد السلام في أمريكا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي.
وعبرت معظم دول العالم عن انتقادها الشديد لهذه العملية في حين بدت مواقف معظم الدول الأوربية متلكئة بعبارات انتقاد عامة لخرق القانون الدولي، كون مواقفها تتماشى أساسا مع السياسة الأمريكية وتدعم المعارضة في فنزويلا، في حين عبَّر الأمين العام للأمم المتحدة غوتريش عن امتعاضه الشديد، وطالب باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وعبر عن قلقه الشديد إزاء هذه العملية
ما هو القادم بعد هذه العملية؟
حسب معطيات المسؤولين الفنزويليين فإن الشعب والجيش في فنزويلا استنفر لمواجهة هذه العدوان وأصدرت المؤسسات الرسمية بيانات واضحة التوجه نحو مقاومة ما اعتبر عدوانا عسكريا صريحا، وطالبت الحكومة الشعب للخروج إلى الشوارع وتفعيل التعبئة العامة واندماج قوى الشعب والجيش في مقارعة الهجمة الأمريكية لضمان السيادة والسلام، وتم التنويه حتى بضرورة الانتقال للكفاح المسلح، فما هي الأفاق والحال كذلك؟
معظم دول أمريكا اللاتينية نددت بالعملية الأمريكية في فنزويلا عدا الأرجنتين بالطبع حيث أقام الفنزويليون المقيمون فيها احتفالات بدعم من السلطات هناك، خاصة أن الرئيس الأرجنتيني خافير ميلي من مؤيدي إسرائيل، وبدا الغضب عارما لدى قوى اليسار في أمريكا اللاتينية وبالتالي لا يستثنى أن يشكل هؤلاء اليساريون رفدا داعما لما يسمى بحرب العصابات للقتال ضد الولايات المتحدة ومصالحها فيما إذا وصلت الأمور إلى إرسال قوات عسكرية أمريكية لتكريس حكم المعارضة، فهناك أكثر من أربعة ملايين إنسان في فنزويلا يحملون السلاح دعما للسلطة الحالية، لكن المخاوف تزداد من اشتعال حرب أهلية بمساعدة واشنطن نفسها، لذا يلاحظ في بيانات معظم الدول التركيز على ضبط النفس والحفاظ على السلم الأهلي.




