صحافة وآراء

“التماسك الإجتماعي” وفرصة الرئيس عون لبناء الدولة

عبد الهادي محفوظ

“التماسك الإجتماعي” في لبنان. موضوع هو مكان نقاش من وزراء جدد في الحكومة قد يكون دافعهم حسن النية. إنما ما يخلصون إليه لا ينتج “تماسكا” كونه لا يناقش في الأساس “فكرة الدولة” وما إذا كانت موجودة بالفعل رغم الإشارات المتكررة لها في الدستور وتعديلاته ومنذ قيام دولة لبنان الكبير صوريا. فالسؤال الأساس هو كيف يمكن بناء دولة مع نظام طوائفي ينتج سلطة سياسية طوائفية تكرّس معادلة ثابتة في التاريخ اللبناني وهي معادلة الحروب الأهلية المتكرّرة والتي تقطعها هدنات مؤقتة وتجدّد عبرها السلطة الطوائفية نفسها وإن جرى أحيانا تغييرا في الوجوه أو استبدال ” الإقطاع السياسي التاريخي” بميليشيات الحرب.

النظرة إلى مقاربة ملتقى “التماسك الإجتماعي”: “الدولة والمسؤولية المشتركة”. هو أنه أتى بأفكار جديدة من زاوية الوزارات التي نظمت الملتقى. ولكن افتقرت المقاربة إلى تماسك بنيوي وبدت أقرب إلى طروحات شخصية محصورة في الجانب الثقافي أو في الجانب الإعلامي أو في الجانب التربوي ولا يجمعها تصوّر شامل كما لا يتعرّض إلى الموقف الفعلي للسلطة الطوائفية التي سمّتهم وزراء ما يعني في الواقع تجميل شكلي للنظام الطوائفي ولا يتجاوز قشرته. فهذه السلطة الطوائفية بالذات هي التي أفشلت أهم تجربة لبناء الدولة باشرها الرئيس الجنرال فؤاد شهاب مستفيدا من التسوية الاقليمية الدولية بين الولايات المتحدة الأميركية ومصر حول لبنان. وهي أعطت دورا مستقلا وفاعلا ومحايدا للمؤسسة العسكرية وظّفه الجنرال شهاب لإخراج مؤسسات الدولة من احتكار الإقطاع السياسي وفتح المجال في الوظيفة أمام النخب عبر تأسيسه مجلس الخدمة المدنية وتفعيله وحصره له في اختيار موظفي الفئات الأربع عبر امتحانات خطية ومقابلات شفوية من أساتذة جامعيين وقضاة.

ومحاولات الشهابية السياسية التي وفّر لها التلاقي الأميركي-المصري إمكانية النجاح عطّلتها ممانعة النظام الطائفي للإصلاحات وتلاقي المصالح الطوائفية للمرجعيات الإقطاعية على اختلافها وتحديدا “الحلف الثلاثي الماروني” الذي كان مكوّنا من حزب الكتائب والوطنيين الأحرار وحزب الكتلة الوطنية. هذا الحلف الذي وصف فؤاد شهاب “بالغريب”.

حاليا التقاطع الأميركي-الايراني الذي حصل في “اتفاق النوايا” هو شبيه بالتقاطع الأميركي-المصري الذي جرى بعهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وهذا التقاطع الجديد يمنح المؤسسة العسكرية اللبنانية وزنها في الداخل اللبناني كما يتيح للرئيس جوزاف عون أن يكرر تجربة الجنرال فؤاد شهاب في بناء الدولة مستفيدا من الغطاء الأميركي والايراني على السواء وتحديدا من حاجة واشنطن إلى تحويل لبنان منصة لإدارة شؤون المنطقة. وهي حاجة تملي على البيت الأبيض أن تقوم في لبنان دولة لا شبه دولة تعمّق الإنقسامات وتبني عليه. وبالتأكيد هذه فرصة الرئيس العماد جوزاف عون في تحويل ما تضمّنه خطاب القسم من بنود إصلاحية إلى خريطة طريق شعبية لا طوائفية عبر بناء الحاملة الإجتماعية وخصوصا أن البلد رغم الظواهر المعاكسة مقبل على سلم أهلي طويل بعد فترة يعود فيه الفضل تحديدا إلى فكرة “بناء السلام الطويل” في المنطقة والتي كان وراءها الرئيس دونالد ترامب ويعمل على تجسيدها عبر ما سمّاه “القوى الجديدة”. ولبنان بهذا المعنى معني بولادة القوى الجديدة اللاطائفية التي تمهّد لقيام دولة مدنية حقيقية وتوظّف التنوّع والتعدد في لبنان كعنصر إغناء لبناء التماسك الإجتماعي وخصوصا أن السياسة الأميركية الجديدة تقوم على فكرة الدولة المركزية الجامعة لا دويلات الكانتونات وفقا لمقاربة السفير الأميركي في تركيا توم برّاك.

والسؤال المركزي هل ينجح الرئيس العماد جوزاف عون في بناء الدولة حيث عجز الجنرال فؤاد شهاب عن تحقيقها أم يترك الأمر لغيره؟

كل الأوراق تجتمع لدى الرئيس جوزاف عون. ومنها حاجة اللبنانيين جميعا إلى سلم أهلي طويل. ومنها أنه يملك الشعبية الأوسع في الطوائف المسيحية وهذا ما لم يكن متوفّرا لفؤاد شهاب. كما أن هناك تعاطفا لبنانيا معه في الخطوط الحمر التي وضعها للتفاوض وفي سعيه لتكريس السيادة اللبنانية في كل المجالات.

ما يحتاجه الرئيس العماد جوزاف عون هو الإنفتاح والتواصل مع النخب اللبنانية في كل الطوائف والمناطق وفي البناء معها ومع المؤسسة العسكرية. هل هذا حلم أم مجرد تمني؟ علما بأن واشنطن تفتح له النافذة… ولغيره أيضا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى