
غرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم أمس في موقعه “تروث سوشيال” بأن الولايات المتحدة لن تمضي في اتفاقها النووي مع السعودية إلا إذا انضمت الأخيرة إلى “الاتفاقات الإبراهيمية”.
أكد ترامب كذلك أن الاتفاق سيكون للأغراض السلمية فقط، وأن التخصيب لن يتم على الأراضي السعودية، وأن الولايات المتحدة لن تسمح بتطوير أي قدرات نووية عسكرية، وأن التعاون سيقتصر على المجال المدني. وربط ترامب الاتفاق بالمصالح الاقتصادية الأمريكية والتعاون الأمريكي السعودي معتبرا أن تنفيذ البرنامج النووي السعودي بواسطة شركات أمريكية أفضل من أن تتولى ذلك شركات روسية أو صينية.
سياسيا، أعاد ترامب ربط الملف النووي السعودي بمسار التطبيع، بينما كانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت في وقت سابق أنه مجرد “تعاون في مجال الطاقة” دون الإشارة إلى هذا الشرط، حيث أصبح مستقبل الاتفاق، بعد تصريحات أمس، مشروطا بموقف الرياض من “الاتفاقات الإبراهيمية”. أعاد ترامب شرط التطبيع بعد الإعلان عن الاتفاق وليس قبله. ما يطرح أسئلة بشأن استخدام التكنولوجيا النووية كورقة ضغط لإعادة إحياء “الاتفاقات الإبراهيمية” التي ولدت ميتة، وما إذا كان ذلك جاء استجابة لاعتراضات داخلية في واشنطن وإسرائيل على منح الرياض اتفاقا نوويا واسع الصلاحيات، وعشية جنازة أبرز المدافعين عن الاتفاقات الإبراهيمية والمدافع الصنديد عن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وعن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” ليندساي غراهام.
دعا غراهام مرارا إلى توسيع “الإبراهيمية” لتشمل المملكة العربية السعودية وكان يعتبر ذلك بمثابة “الجائزة الكبرى” للاتفاقات، وقد مارس ضغوطا داخل الكونغرس لتقديم ضمانات أمنية للسعودية إذا كان ذلك سيؤدي إلى التطبيع مع إسرائيل.
وكانت روسيا قد وقعت منذ سنوات مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون مع مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، وقدمت عروضا تقنية تتضمن مفاعلات من عائلة VVER، كما طرحت، عام 2019، إجراء دراسة جدوى لمفاعلات VVER-600 كمرحلة أولى يتبعها استخدام مفاعلات VVER-1200.
من جانبها طرحت المملكة، على مدى أكثر من عقد، رؤى مختلفة للتوسع النووي، تراوحت بين بناء 16 مفاعلا بحلول ثلاثينيات أو أربعينيات القرن الحالي، وهي خطط تم تعديلها عدة مرات لأسباب تقنية واقتصادية.
بعد التوقيع على اتفاق التعاون النووي المدني بين واشنطن والرياض، أصبحت “وستنغهاوس” الأمريكية المرشح الأقوى لتنفيذ المرحلة الأولى من البرنامج، برغم احتفاظ السعودية بعلاقات تعاون مع روسيا والصين وكوريا الجنوبية وفرنسا، ما يمنحها هامشا تفاوضيا لا بأس به.
تعد شركة “روساتوم” الشركة الأكثر نشاطا عالميا في بناء المحطات النووية خارج حدود الدولة الروسية، وتمتلك الشركة مشاريع متزامنة في كل من مصر وتركيا وبنغلاديش والصين وهنغاريا والهند، كما تتميز “روساتوم” بامتلاكها سلاسل توريد صناعية متكاملة داخل الأراضي الروسية، ما يتيح لها تصنيع كل المكونات الرئيسية للمحطات النووية محليا، ويقلل اعتمادها على الموردين الأجانب.
ولعل أكبر الفروق بين التعاون السعودي مع روسيا أو مع الولايات المتحدة الأمريكية يكمن في أن روسيا تمنح قروضا سيادية طويلة الأجل وفترات سماح وسدادا يمتد لعقود (على غرار ما حدث في محطة الضبعة النووية في مصر، والتي سيصل الوقود النووي لأولى مفاعلاتها بداية العام المقبل 2027)، حيث يغطي قرض روسي جزءا كبيرا من تكلفة المشروع.
كما أن “روساتوم” لا تبيع المفاعل فحسب، بل تشارك في التصميم المخصص لطبيعة وظروف الدولة، وفي البناء، والتمويل، وتوفير الوقود النووي، والتخلص من الوقود المستنفد، وصيانة كل أجزاء المشروع، وتدريب الكوادر، وتشغيل المحطة فيما يطلق عليه مشروع “المزود المتكامل” One Stop Shop.
إلا أن أهم فرق بين النموذجين الروسي والأمريكي هو في طبيعة العلاقة بين السياسة والمشروع الاقتصادي. فموسكو، من خلال “روساتوم”، تفصل تماما بين التعاون الاقتصادي والمواقف السياسية للدول الشريكة، وهو ما تم اختباره عبر عقود ممن العلاقات المثمرة والبناءة مع المملكة العربية السعودية ودول المنطقة، بينما تربط واشنطن، على العكس وكما تعكس تصريحات ترامب الأخيرة، بعض مشروعاتها الاستراتيجية باعتبارات سياسية وأمنية، من بينها مسار التطبيع مع إسرائيل وأمن الأخيرة كأولوية قصوى لدى الإدارة الأمريكية.
وبغض النظر عن الجهة التي ستنفذ المشروع النووي السعودي، فإن تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة تظهر أن المنافسة لم تعد بين تقنيتين نوويتين أو نموذجين صناعيين فحسب، بل بين فلسفتين في إدارة العلاقات الدولية، بين فلسفة مهيمنة تعيش في أوهام الأحادية القطبية وتربط التكنولوجيا والتحالفات الاقتصادية بشروط وإملاءات سياسية وأمنية، وفلسفة تعددية تعيش على أرض الواقع في عالم التعددية القطبية وتقدم نفسها باعتبارها شريكا اقتصاديا لا يربط مشروعاته الاستراتيجية بخيارات الدول ومواقفها السياسية. من هنا، قد لا يكون القرار السعودي المرتقب مجرد اختيار بين مفاعلات “روساتوم” ومفاعلات “وستنغهاوس”، وإنما بين نموذجين في بناء الشراكات طويلة الأمد.
وفي ذات السياق أرى أن إرادات دول المنطقة في خلق بيئة آمنة وضمان أمن الممرات المائية وحرية الملاحة يمكن أن تجد وسيلة وآليات للحوار وإنشاء هيكل أمني مستقر ومستدام بعيدا عن التبعيات الكارثية التي خلقتها المغامرة المميتة للعدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران يونيو 2025، العامل الأساسي لتوتر الاوضاع وكل ما حدث وتعيشه المنطقة من توتر ودمار، وأعتقد أن مثل هذه الأفكار والأسئلة أصبحت تراود النخب السياسية في منطقة الخليج، حتى تلك التي لم تكن على علاقة جيدة مع إيران.




