
“سيف الحرية” الصهيوني المغروس في قلب المنطقة: عندما تكون الخيانة وعيًا في مذكرات رئيس الموساد
هاني الكنيسي
احتفل “يوسي كوهين” المدير العام السابق للموساد، بإطلاق كتاب مذكراته الجديد بعنوان “سيف الحرية: إسرائيل، الموساد والحرب السرية”، الذي يتناول دور أجهزة الاستخبارات في حرب غزة وما سبقها من أحداث، ويحلّل الأسباب التي يرى أنها قادت إلى الفشل الأمني والعسكري الإسرائيلي في مواجهة طوفان 7 أكتوبر 2023،
ويكشف بعضا من خبايا العلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية المجاورة (ومن بينها مصر)، ومع إيران وأذرعها في منطقة الشرق الأوسط، كما يستفيض في مناقشة مستقبل إسرائيل “كدولة” في ظل التحديات الإقليمية والداخلية.
الكتاب المكوّن من 288 صفحة في نسخته الإنجليزية، يتسم بأسلوب سردي مباشر، خطابي أحيانا، وخالٍ من الصياغات الأدبية المعتادة. لكنه يُبرز نزعة “صهيونية” راسخة ودفاعًا صارخًا عن أفعال (جرائم) إسرائيل، مستلهمًا بوضوح عقيدة الأب المؤسس لدولة الاحتلال ‘ديفيد بن غوريون’ التي لخّصها يومًا بمقولته: “لم تُخلق إسرائيل لتختفي؛ بل ستبقى وتزدهر. لا يمكن أن تكسرها الشدائد. ستحمل درع الديمقراطية، وتُكرم سيف الحرية”. ومن هنا يمكن فهم من أين جاء “عنوان” مذكرات كوهين.
في مقدمة الكتاب، يرفض كوهين “بشدة” الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في حرب غزة، مؤكدا على أن “إسرائيل انتصرت دائمًا، وتنتصر الآن. ويجب أن تنتصر دائمًا في المستقبل”. ثم يتطرق إلى أهمية قدرة إسرائيل على التكيف، وإيمانه الثابت باستراتيجية “التشكيك” في جميع المعلومات الاستخباراتية، وإعطاء الأولوية للإبداع “البشري”، والتعاون مع “الدول الأخرى” لتحقيق المصالح الوطنية ولضمان البقاء في محيط عدائي.
ويشير باستمرار إلى براعته في “تحويل” الأفراد -أي تجنيد العملاء- من خلال تحديد نقاط الضعف البشري (الجشع، المال، الأيديولوجية، إلخ).
العديد من المراقبين رأوا في “توقيت” نشر، وفي “حبكة” المضمون ما يعزز التكهنات بأن الكتاب تمهيد مقصود لخوضه المعترك السياسي، كمرشح محتمل في انتخابات 2026.
‘يوسي كوهين’ يحظى باحترام واسع وبشعبية في إسرائيل (بسبب مسيرته المهنية الطويلة على مدى 42 عامًا، شغل خلالها مناصب مختلفة داخل جهاز المخابرات، وعمل مستشارًا للأمن القومي عام 2013، قبل أن يصبح مديرًا للموساد من عام 2016 حتى تقاعده في عام 2021). بل، وكان يُنظر إليه كخليفة محتمل للنتنياهو داخل حزب الليكود، إلا أنه نأى بنفسه مؤخراً عن الحزب وتردد أنه يفكر في إطلاق حركة سياسية “يمينية” مستقلة.
وفي مؤتمر بنيويورك أواخر أكتوبر الماضي، أعلن ‘يوسي كوهين’ -الذي يصف نفسه بأنه يهودي أرثوذكسي منجذب إلى العلمانية- أنه “لن يترشح في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة”، لكنه لم يستبعد في الوقت ذاته احتمال دخوله غمار السياسة في المستقبل. وأشار وقتها إلى أن الأحداث التي تلت 7 أكتوبر غيرت الأمور بشكل جذري وأن هناك “حاجة لقيادة جديدة في إسرائيل”.
يتضمن “سيف الحرية” العديد من النقاط الكاشفة والتسريبات المثيرة عن طبيعة عمل الموساد، والعلاقات “الخلفية” (مع روسيا مثلا، إذ يزعم كوهين أن الرئيس بوتين أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل لتنفيذ ضربات جوية في سوريا تستهدف مسارات نقل أسلحة من إيران إلى حزب الله اللبناني)، والتي مكّنت وتمكّن إسرائيل من “الهيمنة” على محيطها الجغرافي الإقليمي، والسيطرة على جبهتها الداخلية الملتهبة، انطلاقاً من عقيدة “الردع الاستباقي”.
يكشف كوهين أنه طرح منذ عام 2014 -كرئيس لمجلس الأمن القومي- فكرة نقل إدارة ملف قطاع غزة بأكمله إلى جهاز الموساد، برغم أن الجهاز لا يتعامل تقليدياً مع الشؤون الفلسطينية في غزة والضفة. لكن “المعارضة الداخلية” والتعقيدات “البيروقراطية”، مع “غرور ” الأجهزة الأمنية، و”جمود” القيادة السياسية، أجهضت الفكرة “التي ربما كانت ستنقذ إسرائيل من كارثة 7 أكتوبر”.
وبفخر جم، يروي ‘كوهين’ بالتفصيل كيف قاد عملية “سرقة القرن”، حين اقتحم عملاء الموساد مستودعًا قرب طهران، واستولوا على 55 ألف صفحة و183 قرصًا مدمجًا من وثائق “الأرشيف النووي الإيراني” في عام 2018. ويشير إلى أن هذه العملية لم تكن مجرد نجاح استخباراتي، بل كانت “نواة لنجاح الهجمات اللاحقة على المواقع النووية الإيرانية”، واصفاً إياها بـ “إكمال الدائرة”.
وبرغم افتخاره بتوظيف التفوق “التكنولوجي” الإسرائيلي “الكاسح”، مستشهداً بالتحضيرات الطويلة والمعقدة التي سبقت تنفيذ “غزوة البيجر” سبتمبر 2024، والتي أسقطت المئات من مقاتلي حزب الله في لبنان بين قتيل ومصاب وكسرته “معنويا”، يستفيض ‘كوهين’ في شرح أن “الأفضلية” دائما في عمل الموساد لمبدأ “العميل البشري”، مدللًا على ذلك بتجنيد شبكة العملاء داخل إيران واختراق مؤسساتها الحساسة، حتى أنه يكشف عن قيامه شخصياً بتجنيد عالم إيراني كان له دور محوري في جمع معلومات عن العالم النووي الإيراني البارز محسن فخري زاده، الذي اغتاله الموساد في 27 نوفمبر 2020، على أطراف طهران.
كما يذكر تفاصيل تجنيد “رجل أعمال أرجنتيني” كان قريبًا من عماد مغنية (المعروف بلقب “الحاج رضوان”، والذي كان يعتبر القائد العسكري لحزب الله، الرجل الثاني بعد حسن نصر الله)، وهو ما مكّن إسرائيل من اغتياله في 12 فبراير 2008، في أحد ضواحي دمشق، مثلما مكّن الموساد من “اختراق دوائر عليا في حزب الله” لسنوات.
وعن ذلك، يقول كوهين بنبرة الفيلسوف: “يجب أن تكون الخيانة عملاً واعياً”.
كما تكشف المذكرات عن مقترحات سابقة نوقشت مع مصر، من بينها خطة لنقل سكان غزة مؤقتاً إلى سيناء لـ “حمايتهم من الأذى” أثناء العمليات العسكرية. لكن كوهين يعترف بأن رفض الرئيس السيسي كان “العقبة الرئيسية” أمام تنفيذ ذلك المخطط.
وفي إشارة إلى “العلاقة المركّبة” مع قطر، وصف كوهين التحريض ضد إسرائيل عبر قناة الجزيرة بأنه “أمر فظيع”، لكنه أقرّ بأن الدوحة تظل “أداة ضرورية” لإسرائيل، لأنها القناة الأساسية للتواصل مع حماس، و”إنقاذ أرواح الأسرى في غزة”.




