
في لحظة فارقة من مسار الصراع اليمني لم تكن التطورات التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة مجرد تحرك أمني أو عملية عسكرية محدودة، بل بدت أقرب إلى إعادة رسم شاملة لخريطة النفوذ السياسي والعسكري في شرق وجنوب البلاد، وفتح فصل جديد في الصراع على هوية الدولة اليمنية ومستقبل وحدتها. فمع الساعات الأولى لإعلان إستلام المعسكرات وبسط السيطرة على حضرموت والمهرة، خرج رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بخطاب حمل أبعاداً سياسية تتجاوز الحدث الميداني. وصف العليمي عملية الإستلام بأنها جرت بسرعة وكفاءة فاقت التوقعات في إشارة واضحة إلى أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج قرار سياسي مدروس ودعم إقليمي محسوب. وهنّأ أبناء المحافظتين وشدد على إن إستعادة الأمن والإستقرار تمثل تدشيناً لمرحلة واعدة من التنمية والإعمار، معوّلاً على دعم الأشقاء والأصدقاء في إعادة تشغيل مشاريع البنية التحتية وفتح آفاق الإستثمار وفرص العمل. وفي خلفية هذا الخطاب، كان واضحاً أن السلطة تريد تثبيت معادلة جديدة: الأمن أولاً، ثم الإقتصاد، ثم السياسة. العليمي ربط هذا النجاح بإلتفاف المجتمعات المحلية حول الدولة ومؤسساتها، معتبراً أن ما جرى يؤسس لمرحلة جديدة من التعايش وتحسين الظروف المعيشية، ومثمناً في الوقت ذاته الدور الذي لعبته القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية في تأمين العملية وخفض التصعيد وحماية المدنيين في وقت دعا الرياض لإستضافة مؤتمر يهدف إلى حل الأزمة في جنوب اليمن ويجمع المكونات الجنوبية كافة، وهذا ما رحبت به السعودية معلنة عن مؤتمر يجمع كافة المكونات الجنوبية للجلوس على طاولة الحوار، مؤكدة ان القضية الجنوبية قضية عادلة لها أبعادها التاريخية والإجتماعية وإن السبيل الوحيد لمعالجتها هو عبر الحوار ضمن الحل السياسي الشامل في اليمن. وأعلن كذلك محافظ حضرموت سالم الخنبشي إستعادة السيطرة على كامل أراضي المحافظة، عقب مواجهات إنتهت بإنسحاب قوات المجلس الإنتقالي الجنوبي. لكن اللافت في خطاب الخنبشي لم يكن إعلان النصر بقدر ما كان تعريفه لطبيعة هذا النصر فأكد أن ما جرى ليس إنتصاراً لجهة على أخرى، بل إنتصار لمنطق الدولة والأمن والإستقرار. حضرموت كما قال جسد واحد من الساحل والهضبة إلى الوادي والصحراء، والدولة هي المظلة الوحيدة القادرة على حماية الجميع. ومن هذا المنطلق، أعلن بدء مرحلة جديدة لإدارة المحافظة قائمة على التوافق والتعايش، مرفقاً ذلك بإجراءات عملية: قرب إستئناف العمل في مطارات المحافظة ورفع الحظر الجوي، تشكيل لجنة لحصر الأضرار بالممتلكات العامة والخاصة، إتخاذ خطوات لإستيعاب قوات النخبة الحضرمية، والإهتمام بأًسر الضحايا والجرحى. وأكد الخنبشي أن القيادة السياسية حرصت منذ البداية على تجنب الصدام، وأن الإنسحاب تم بالتزامن مع تحرك القوات على الأرض لضمان الإستقرار، كاشفاً في الوقت نفسه عن الدور الحاسم للرياض في نزع فتيل الإنفجار، لا سيما بعد البيان السعودي الذي منح القوات المتحالفة مع الإمارات مهلة للمغادرة، وهو ما أدى إلى إنسحاب سريع وصفه بأنه غير متوقع. في محافظة المهرة، سارت العملية بوتيرة أكثر تنظيماً. فقد بسطت القوات الحكومية ممثلة بـقوات درع الوطن، سيطرتها على المديريات التسع، مع تخصيص طريق آمن لخروج قوات المجلس الإنتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً بإتجاه العاصمة المؤقتة عدن، وبدء تسلّم الأسلحة الثقيلة في إطار ترتيبات هدفت إلى تفادي التصعيد وضمان إنتقال منظم للسيطرة. أما في حضرموت الساحلية، فقد إنتشرت قوات خفر السواحل ودرع الوطن في ميناء المكلا، وسُيّرت دوريات في شوارع المدينة، ونُصبت نقاط تفتيش، في مشهد أرادت منه السلطة إرسال رسالة مفادها إن الأمن بات بيدنا. ما جرى لم يكن معزولاً عن سياق أوسع. فمنذ مطلع ديسمبر الماضي كان المجلس الإنتقالي الجنوبي قد فرض سيطرته على حضرموت والمهرة، في خطوة وصفتها الحكومة بالإنقلاب على الشرعية، وأثارت مخاوف جدية من تقسيم اليمن إلى ثلاثة كيانات: شمال تحت سيطرة الحوثيين، وجنوب إنتقالي، ومناطق وسطى هشة. وتبدَلت خريطة السيطرة مرتين خلال أسابيع قليلة. فبعد خروج قوات المنطقة العسكرية الأولى من الوادي والصحراء، عاد المشهد لينقلب مع دخول قوات درع الوطن وقوات الطوارئ المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، التي نجحت في إنتزاع السيطرة على المحافظة الإستراتيجية. وتُعد حضرموت أكبر محافظات اليمن مساحة، إذ تمتد على نحو 193 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل ثلث مساحة البلاد، وتملك شريطاً حدودياً يتجاوز 700 كيلومتر مع السعودية، يمثل نصف حدود اليمن مع المملكة. كما تضم منفذ الوديعة، الشريان البري الوحيد مع السعودية منذ إندلاع الحرب في العام 2015، فضلاً عن شريط ساحلي واسع على بحر العرب. هذه الجغرافية تجعل من إستقرار حضرموت مسألة محلية وإقليمية في آنٍ واحد. فهي محافظة نفطية تشكل مورداً أساسياً للإقتصاد اليمني، وفي الوقت ذاته تشكل عمقاً أمنياً حساساً للسعودية. وخلال سنوات الحرب، شهد ساحل حضرموت تعدداً في التشكيلات العسكرية، من النخبة الحضرمية وقوات الدعم الأمني التابعة للمجلس الإنتقالي الجنوبي، إلى قوات حماية حضرموت المرتبطة بحلف القبائل، بينما إنتشرت في الوادي والصحراء قوات المنطقة العسكرية الأولى التابعة للحكومة. وهذا التعدد، إلى جانب نشاط تنظيم القاعدة في سنوات سابقة بلغ ذروته بسيطرته على المكلا في العام 2015 قبل طرده في العام 2016 خلق بيئة معقدة من الإستقطاب السياسي والأمني، رافقها تشكيل مكونات سياسية متوازية وصراع على تمثيل ثقل المحافظة. ورغم ثروتها النفطية، تعاني حضرموت من تدهور حاد في الخدمات، خصوصاً في قطاع الكهرباء، إلى جانب إضطراب التعليم والصحة نتيجة الإضرابات المتكررة. وتفاقمت الأزمة بعد توقف تصدير النفط منذ أكتوبر في العام 2022 إثر هجمات الحوثيين على ميناء التصدير، وما تبعها من شروط سياسية وإقتصادية. ورغم تخصيص الحكومة منذ العام 2016 نسبة تفوق 20% من عائدات النفط لمشاريع التنمية في حضرموت، فإن توقف التصدير شلّ هذه الموارد، وعمّق فجوة الخدمات. وإن التحدي العسكري والأمني يتصدر المشهد من خلال ضرورة إعادة لملمة القوات، وبناء المنطقتين العسكريتين الأولى والثانية، وفتح باب التجنيد لأبناء المحافظة. لكن التحدي الأخطر يتمثل بإعادة ترميم النسيج الإجتماعي الذي تضرر بفعل الإنقسامات الحادة والمشاريع القادمة من الخارج، ما يستدعي إطلاق حوار حضرمي شامل وصياغة ميثاق شرف يوحد المكونات المختلفة، من حلف القبائل إلى مؤتمر حضرموت الجامع ومجلس حضرموت الوطني، كما يجب الحذر من مخاطر تسرب السلاح وإنتشاره بعد عمليات النهب التي طالت بعض المعسكرات، فذلك يفتح الباب أمام الجريمة المنظمة والإرهاب، فالمرحلة الحالية تتطلب إعادة بناء القدرات البشرية والمادية، وتنفيذ قرارات الطوارئ لضمان إستتباب الأمن، كما يجب دمج التشكيلات المسلحة ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وإعادة ترتيب المناطق العسكرية، بما يضمن وحدة القرار الأمني والعسكري. ولم تتوقف تداعيات ما جرى عند الحدود اليمنية فتزامنت التطورات مع تحركات دبلوماسية إقليمية، شملت إتصالات مصرية وخليجية وتركية، فقد أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مشاورات هاتفية مع نظيريه العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، والكويتي عبد الله اليحيى، وكذلك الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان حول التطورات في اليمن وجرى التوافق على أهمية التهدئة ورفض الإجراءات الأحادية والدعوة إلى حوار يمني–يمني شامل، والحفاظ على مصالح شعب المنطقة في ظل ما تشهده من تحديات متشابكة. وفي الوقت ذاته، عكس التدخل الجوي السعودي المباشر ضد القوات الجنوبية تحولاً إستراتيجياً في سياسة الرياض، التي رأت في مشروع الإنفصال تهديداً مباشراً لأمنها ونفوذها في باب المندب وخليج عدن. فالهجوم على معسكر اللواء 37 في الخشعة لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل معركة على مستقبل جنوب اليمن. فإما أن تنجح الحكومة بدعم سعودي، في إعادة تثبيت مفهوم الدولة الواحدة، أو ينزلق الجنوب نحو مسار إنفصالي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع. ما يجري اليوم في حضرموت والمهرة ليس نهاية أزمة، بل بداية إختبار حاسم: إختبار لقدرة الدولة اليمنية على إستعادة سيادتها، ولقدرة القوى الإقليمية على تحويل القوة العسكرية إلى إستقرار سياسي دائم، قبل أن تضيع الفرصة الأخيرة للحل السياسي، وتدخل البلاد حرباً جديدة وهذه المرة على هوية اليمن نفسها!
وفي مفارقة تعكس تعقيد المشهد الإقليمي، تزامنت المواجهات السعودية – الإماراتية مع إعلان البلدين مشاركتهما في تمرين درع الخليج 2026 تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي. هذا التزامن لا يعكس إنسجاماً كاملاً بقدر ما يكشف عن إزدواجية في إدارة الصراع، إذ تتقاطع المصالح السعودية والإماراتية في إطار الأمن الخليجي العام وإحتواء التهديدات الكبرى، بينما تتباين وتتصادم أدواتهما داخل الساحة اليمنية حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب. فاليمن بات مساحة تنافس منضبط لا حرب مفتوحة، تُدار فيها الخلافات ميدانياً دون أن ترتقي إلى كسر السقف الإستراتيجي الخليجي، وهو ما يفسر كيف يمكن لتمرين عسكري مشترك أن يُقام في الوقت ذاته الذي يُعاد فيه رسم النفوذ بالقوة داخل الأراضي اليمنية؟




