صحافة وآراء

من دروس التاريخ.. تجربة الهنود الحمر أكبر درس للفلسطينيين.

د. ايمن أبو الشعر

أشنع إبادة عبر التاريخ ضد الهنود الحمر استخدمت فيها أساليب القمع والقتل وحتى نشر الأوبئة مع الحرمان من الدواء.


تجربة مريرة وتسمية مغلوطة

أبدأ هذه المقالة بالتنويه بأن تسمية الهنود الحمر تسمية عنصرية مرفوضة لدى من تُطلق عليهم، عدا عن أنها مغلوطة في حيثياتها التاريخية واتكائها الجغرافي، فقد نشأت عمليا نتيجة رحلة القرصان الإيطالي كريستوفر كولومبوس الاستكشافية ظاهريا الاستعمارية مضمونا عام 1492 حين وصل إلى أمريكا الوسطى، وتم إطلاق تسمية الهنود على السكان الأصليين لأن كولومبوس ظن أنه وصل إلى الهند في رحلته المديدة عبر الأطلسي انطلاقا من قناعته بكروية الأرض، ولم يكن يعرف أنه في الواقع وصل إلى الأرض الجديدة أمريكا، وتميزت مرحلته بالبطش وقهر السكان الأصليين والوحشية الشديدة في معاملتهم كحاكم استعماري وليس كعالم مكتشف كما يقال عنه، وفتحت الباب لتكريس الغزو الاستعماري الذي استمر كنمط رئيسي في سياسة الدول المسيطرة لقرون عدة، وبالتالي نشأت التسمية المغلوطة منذ ذاك الحين واستمرت كصفة مشبهة لهؤلاء السكان، أما صفة الحمر فكانت نتيجة لون بشرتهم المائلة إلى اللون الأحمر خلافا للون بشرة الهنود في جنوب شرق آسيا المائلة للصفرة مع اللون السمر، ومما يلفت النظر في هذا الإطار أن من أقوال كولومبوس كولومبوس الذي تعوَّد على السطو ومهاجمة السفن والبلدان الصغيرة قوله: “إن الدور بعد سقوط غرناطة سيكون على بيت المقدس.

استمرار الاضطهاد وحتى الإبادة الجماعية

نظر الأوربيون المحتلون المستوطنون إلى السكان الأصليين في أمريكا على أنهم متخلفون، وعاملوهم ككائنات منحطة مكرسين بذلك أعتى أنواع العنصرية ” هكذا عامل المستوطنون الإسرائيليون الفلسطينيين منذ منتصف القرن العشرين”، واتبع المستوطنون الأوربيون سياسة الإبادة الجماعية، والمثير أن المستوطنين الإنجليز كانوا يمارسون عمليات الإبادة الجماعية ضد الهنود العمر كنوع من التقمص التاريخي لاجتياح العبرانيين لأرض كنعان، ويعتبرون أنفسهم قوما فضلهم الله على العالمين وأنهم عبرانيون!!! وتقول حوادث التاريخ ان عملية قتل وتضييق الخناق على الهنود الحمر استمرت بوحشية كبيرة طيلة القرون التالية، وتشير بعض المعطيات إلى أن عدد السكان الأصليين في الأمريكيتين يقدر بعشرات الملايين إبان وصول كولومبوس، وقد تناقص العدد بشكل متسارع حتى باتوا أقل من 300 ألف نسمة مع انتهاء الحرب الأمريكية مع الهنود الحمر في القرن التاسع عشر، بمعنى أن الأوربيين المستوطنين وخاصة الإنجليز قتلوا أكثر من 95% من السكان الأصليين في أمريكا، ناهيك عن أن المستوطنين الأوربيين مارسوا أساليب حقيرة جدا في إبادة السكان الأصليين بما في ذلك استخدام والقتل والاستعباد والاستيلاء على الأراضي بالقوة وتدمير المحاصيل وقتل الثيران والخيول التي كانت أساسا لغذاء وحياة السكان الأصليين، واستخدموا حتى نشر الأوبئة كالجدري والحصبة والإنفلونزا وقاموا بحرمانهم من الدواء إلى جانب التهجير القسري إلى مناطق لا تصلح للعيش الأمر الذي تم سن قوانين لتنفيذه على أرض الواقع.

وليس صدفة رغم مرور عدة قرون أن يساهم “الهنود الحمر” اليوم في التظاهرات المؤيدة لفلسطين، فهم بذلك ينعشون ذكريات القهر التي باتت في جيناتهم، والتي تجعلهم أخوة في المعاناة مع الفلسطينيين، يدعمونهم كي يتابع الشعب الفلسطيني نضاله كي لا يتلاشى كالهنود الحمر.

مما قاله زعيم الهنود الحمر أواسط عام 1854

وجه “سياتل” زعيم الهنود الحمر خطابا مؤثرا يطرح فيه الأمور بصدق لشعبه حين اضطر لتوقيع معاهدة استسلام عمليا للسلطات الأمريكية المنتصرة ومما جاء في هذا الخطاب:

  • كل شبر من تراب هذه البلاد مقدس عند شعبي، وكل خيط من ورق الصنوبر … الأزهار العاطرة أخواتنا، الغزلان والأحصنة والنسور العظيمة كلها أخوتنا، القمم الصخرية وندى المروج… هذه المياه التي تشع وهي تجري في السواقي والأنهار ليست مياها إنها دماء أجدادنا… كل طيف يتراءى في صفاء مياه البحيرات ينبئك عن ذكريات شعبنا وتاريخه… ينهزم الإنسان الأحمر أمام زحف الإنسان الأبيض… ونعرف أن الرجل الأبيض لا يفهمنا…إنه يسرق الأرض من أبنائها ولا يعبأ، وهو ينظر إلى أمه السماء فلا يراها إلا سلعة تُسرق أو تباع كالأغنام والخرز… لم يبق لديه مكان لسماع حفيف الأوراق وتفتحها في الربيع… الهواء عند الإنسان الأحمر ثمين، فكل ما على الأرض يتنفس منه، الحيوانات والأشجار والبشر كلهم يتنفسون من هواء واحد، أما الإنسان الأبيض فيبدو انه لا يعرف أنه يتنفس، وكأنه مات فكل ما فيه بليد حتى النتانة…
    … لابد ان تعلّم أبناءك أن أديم الأرض تحت أقدامهم من رفات أجدادنا.
    أخيرا يمكن القول: يقينا أن الفلسطينيين تعلموا جيدا من دروس نضالاتهم ومعاناتهم كما كانت معاناة الهنود الحمر، ولهذا فهم يدركون أن عليهم متابعة نضالهم والسعي لتوحيد صفوفهم، فهم مصرون على أنهم لن يتلاشوا، بل سيعيدون للأرض ألقها وللمياه نقاءها… فالأرض مقدسة عندهم بكل تضاريسها خاصة انها تحتوي رفات أبائهم وأجدادهم وفيها سيكرسون مستقبلهم.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى