
نتنياهو والمجتمع الإسرائيلي: انعكاس الشخصية السياسية على واقع الدولة
ريم حسن خليل
يرى عدد من المفكرين الإسرائيليين واليهوديين، ومن بينهم الأكاديمي والمفكر الأمريكي اليهودي “نورمان فنكلستين” أن المجتمع الإسرائيلي يكره بينيامين نتنياهو. وفي لقاءٍ صحفي مع المفكر “نورمان فنكلستين” بعد سؤال إحدى الصحفيات له حول هذه الادعاءات، أوضح قائلاً:
“نعم معظم الأشخاص يظنون أن الإسرائيليين يكرهون بينيامين نتنياهو! لا يمكن الجزم أن هذا صحيح على الإطلاق، فنتنياهو هو أطول رئيس وزراء بقاءً في تاريخ إسرائيل، وكل بضع سنوات يظهر في الإعلام تحليلات تقول أن نتنياهو سيرحل، ونتنياهو انتهى، ونتنياهو سقط، لكن هذا لم يحدث أبداً”.
وأضاف، أن السبب الرئيسي ليس في شخصية نتنياهو وحدها، بل في خصائص المجتمع الإسرائيلي نفسه! فقد وصفه بأنه مجتمع بغيض ونرجسي ويؤمن بتفوق اليهود، وعندما يرون نتنياهو يمثّل هذه الصفات، يعتبرونه تجسيداً لهم.
فالمجتمع الإسرائيلي قد يختلف مع نتنياهو في بعض السياسات أو القضايا، لكن في نهاية المطاف يستمرون بالتصويت له، لأنه ليس مجرد وجه للمجتمع الإسرائيلي، بل هو مرآتهم الحقيقية!
ويشير فنكلستين إلى أن من يركزون النقد على نتنياهو وحده، مثل السياسي الأمريكي “بيرني ساندرز”، يرتكبون خطأً تحليلياً، فالمشكلة ليست في نتنياهو فقط، بل في المجتمع الإسرائيلي بأكمله، حيث تُظهر استطلاعات الرأي دعم نصف اليهود الإسرائيليين لأعمال العنف في غزة، ويعتقد حوالي 70% إلى 75% منهم أنه لا يوجد أبرياء هناك. وفي الوقت نفسه، يصف زعيم المعارضة في إسرائيل بعض الجرائم المرتكبة ضد المدنيين على أنها “هواية”، مما يعكس مدى الانحياز العميق في المجتمع تجاه السياسات العسكرية المتطرفة.
إلى جانب شخصية بنيامين نتنياهو المثيرة للجدل وطبيعة المجتمع الإسرائيلي المنقسم على ذاته، تواجه إسرائيل اليوم واحدة من أعقد أزماتها الداخلية منذ تأسيسها. الأزمة لم تعد مقتصرة على الصراعات الحزبية أو التنافس السياسي التقليدي، بل أصبحت أزمة هوية وطنية تمس جوهر النظام السياسي والاجتماعي، وتعكس حالة من التآكل التدريجي في مؤسسات الدولة الديمقراطية. فإسرائيل التي طالما قدّمت نفسها كـ “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” تشهد اليوم تراجعاً واضحاً في مقوّمات هذه الديمقراطية نتيجة الانقسامات العميقة التي تضرب البنية السياسية، والتحديات التي تواجه مؤسساتها في ظل صراع متنامٍ بين سلطات الدولة الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية.
الخلافات حول ما يُعرف بـ “الإصلاح القضائي” تمثل أوضح تجليات هذا التدهور. فالمشروع الذي حاولت حكومة نتنياهو تمريره لم يكن مجرد تعديل قانوني، بل خطوة تهدف إلى إعادة رسم ميزان القوى داخل الدولة عبر تقليص صلاحيات المحكمة العليا وتعزيز سلطة الحكومة على التعيينات القضائية. هذا الطرح فجّر موجة احتجاجات غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل، حيث خرجت مئات الآلاف إلى الشوارع في المدن الكبرى كتل أبيب وحيفا والقدس، معتبرين أن الإصلاح محاولة انقلاب على النظام الديمقراطي. اللافت أن المعارضة لم تقتصر على النشطاء المدنيين، بل شملت فئات من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية نفسها، حيث أعلن عدد من ضباط الاحتياط رفضهم الخدمة العسكرية احتجاجاً على ما وصفوه بـ “تهديد جوهر الديمقراطية”. هذه التطورات كشفت أن الانقسام في إسرائيل لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح وجودياً يهدد استقرار النظام بأكمله.
وفي خلفية هذه الأزمة، يتعمّق الشرخ بين مكوّنات المجتمع الإسرائيلي. فالمشهد الداخلي بات منقسماً إلى خندقين متقابلين بوضوح: الحريديم الدينيون الذين يشكّلون ركيزة أساسية لتحالف نتنياهو اليميني، ويدعمونه مقابل استمرار الامتيازات الممنوحة لهم في مجالات التعليم والإعفاء من الخدمة العسكرية، والعلمانيون الذين يرون في هذه الامتيازات تمييزاً صارخاً وتقويضاً لمبدأ المساواة بين المواطنين. هذا التناقض بين رؤيتين للدولة -إحداهما دينية تعتمد على النصوص والتقاليد، والأخرى مدنية علمانية ترى نفسها امتداداً للفكر الغربي الحديث- خلق حالة من العداء الاجتماعي الصامت الذي يهدد بتفكيك النسيج الإسرائيلي من الداخل. ولم يعد هذا الانقسام مجرد نقاش فكري حول طبيعة الدولة، بل أصبح صراعاً على مستقبلها وشكلها وهويتها.
إلى جانب هذه الانقسامات، تلقي قضايا الفساد التي تلاحق نتنياهو بظلال ثقيلة على المشهد السياسي، حيث تكررت الاتهامات ضده في قضايا تتعلق بالرشوة وسوء استخدام السلطة والتلاعب بعلاقات اقتصادية وإعلامية لصالحه. ورغم أن هذه القضايا كانت كفيلة بإسقاط أي زعيم في دولة تحترم مبادئ الشفافية، إلا أن نتنياهو نجح في تحويلها إلى أداة تعبئة سياسية، إذ أقنع مؤيديه بأن ما يواجهه ليس إلا حملة منظمة من قبل “الدولة العميقة” والإعلام المعادي لإسكات التيار اليميني. بهذه الطريقة، أصبحت العدالة نفسها ساحة معركة سياسية، وفقد القضاء جزءاً من هيبته كمؤسسة محايدة، وهو ما يساهم في تعميق أزمة الثقة العامة ويزيد هشاشة النظام الديمقراطي الإسرائيلي.
لكن الأزمة الإسرائيلية لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد بعمق إلى المجالين الاقتصادي والاجتماعي اللذين يشهدان تدهوراً تدريجياً بسبب السياسات العسكرية المكلفة والحروب المتكررة، خاصة في غزة. فالإنفاق الأمني والعسكري الذي يلتهم نسبة كبيرة من ميزانية الدولة أدى إلى تراجع في الاستثمارات المدنية، وتراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع نسب التضخم والبطالة، ما زاد من الضغط على الفئات الوسطى والفقيرة. كما ساهمت الحروب في تعطيل قطاعات حيوية مثل السياحة والتكنولوجيا، وهروب رؤوس الأموال نحو أسواق أكثر استقراراً. ولعلّ المفارقة الكبرى أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية الهائلة، تعاني من ضعف متزايد في قدرتها على تلبية احتياجات مجتمعها، بسبب اعتمادها المفرط على اقتصاد الحرب.
الإنفاق العسكري المتواصل خلق مأزقاً مالياً حقيقياً، إذ باتت الدولة عالقة بين متطلبات الأمن التي لا تنتهي وبين حاجات المجتمع المتزايدة، ما أدى إلى عجز في الميزانية وتوسّع في الدين العام. ومع استمرار العمليات العسكرية، يزداد العبء المالي على الحكومة، فتضطر إلى تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات العامة. هذا الواقع يفاقم الشعور بعدم العدالة بين فئات المجتمع، خصوصاً أن المستوطنين والجماعات الدينية المقربة من الحكومة يستفيدون من دعم مالي سخي، بينما تتحمل الطبقات الوسطى والعلمانية العبء الأكبر من الضرائب والتضخم. وهكذا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية تُغذي مشاعر الغضب والاغتراب السياسي.
كما أن استمرار السياسات العسكرية المتطرفة في التعامل مع الفلسطينيين يعمّق من مأزق إسرائيل الداخلي. فالمجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة تعبئة دائمة تُستخدم لتبرير كل إخفاق داخلي تحت ذريعة الأمن. غير أن هذه السياسة لم تعد قادرة على إخفاء الواقع المتدهور في الداخل؛ فكل حرب جديدة تُظهر حدود القوة وتكشف عجز الحكومة عن تقديم رؤية استراتيجية طويلة المدى. ومع كل تصعيد في غزة أو الضفة الغربية، ترتفع الأصوات التي تطالب بالمحاسبة، لكن سرعان ما تُخمدها آلة التخويف من “الخطر الوجودي”، ما يجعل إسرائيل تدور في حلقة مفرغة من العنف والانقسام والإنفاق المفرط.
إن تراكم هذه العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية يجعل إسرائيل أمام تحدٍ وجودي داخلي أشد خطورة من أي تهديد خارجي. فالتصدّع الذي أصاب مؤسساتها وانهيار الإجماع القومي حول معنى الديمقراطية والهوية اليهودية، كلها مؤشرات على أزمة عميقة قد تنفجر في أي لحظة إذا ما فقد النظام الحاكم قدرته على السيطرة. فالمجتمع الذي عاش لعقود على فكرة “التهديد الخارجي” يبدو اليوم مهدداً من داخله، بتمزقه بين جماعات دينية متشددة ترفض قيم الحداثة، ونخب علمانية غربية الهوى تشعر بالاختناق داخل هذا الواقع.
بهذا المعنى، فإن إسرائيل لا تواجه فقط تراجعاً ديمقراطياً، بل تمر بمرحلة تحوّل هيكلي خطير قد يعيد تشكيلها من الداخل. الأزمة لم تعد مجرد جدل حول نتنياهو أو الإصلاح القضائي، بل صراع على جوهر الدولة ذاتها: هل تبقى إسرائيل دولة قانون ومؤسسات، أم تتحول إلى نظام زبائني قائم على الولاءات الشخصية والدينية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبلها في السنوات القادمة، لأن استمرار الانقسامات والتدهور الاقتصادي والفساد السياسي سيجعل من “الديمقراطية الإسرائيلية” مجرد غلاف هشّ لدولة تتآكل من داخلها، وتفقد تدريجياً قدرتها على البقاء ككيان متماسك.
بنيامين نتنياهو ليس مجرد قائد سياسي، بل مرآة المجتمع الإسرائيلي بما يحمله من نزعات نرجسية واستعلائية ومواقف متشددة تجاه الفلسطينيين! استمرار بقائه في السلطة يعكس قبول جزء كبير من المجتمع لهذه الصفات، وليس فقط نجاحه السياسي الشخصي.
وبذلك، فإن المشكلة الإسرائيلية ليست محصورة في شخص بينيامين نتنياهو، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والسياسية نفسها، حيث الانقسامات العميقة، النزعات الاستعلائية، والقبول بالعنف، كلها عوامل تعرقل إصلاح الدولة وتعقد مسار الديمقراطية وتزيد هشاشة المؤسسات. أي محاولة لفهم الوضع الإسرائيلي يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه الصورة الكاملة: نتنياهو انعكاسٌ وليس سبباً منفرداً، والمجتمع الإسرائيلي هو البنية التي تسمح له بالاستمرار في السلطة رغم الأزمات السياسية والأخلاقية!




