
منذ كانت الشرارة الأولى للتمرّد في التاريخ الإنساني، لم تكن المرأة على الهامش ولا في الصفوف الخلفية كما أرادت بعض السرديات التقليدية أن تصوّرها، بل كانت في قلب الحدث: تُخفي رسائل الثوار، تحرس المدن، تُطعم الجائعين، تُهرّب السلاح، وتكتب ما يخشاه الطغاة أكثر من البنادق: الأفكار. وعلى إمتداد العصور، تداخل صوت النساء مع صوت الشعوب في لحظات التحوّل الكبرى، فتحوّلن من رموز للمظلومية إلى فاعلات في تغيير شكل العالم.
وفي أمريكا اللاتينية تحديداً، حيث صاغت الإنقلابات، وحركات التحرّر، والحروب الأهلية ملامح الحياة السياسية والإجتماعية طوال القرن الماضي، برزت المرأة كقوّة لا يمكن تجاهلها. فكانت المناضلة، والمقاتلة، والأم التي تحوّل فقدان أبنائها إلى صرخة عدالة، والمثقفة التي أنتجت خطاباً جديداً حول الحرية والمساواة. ومع كل محطة، من الأرجنتين إلى المكسيك، ومن تشيلي إلى كولومبيا، أعادت النساء تعريف معنى المشاركة في الثورة، لا كملحقٍ بالرجال، بل كفاعل تاريخي كامل.
واليوم، تستكمل نساء العالم وفي مقدمتهن نساء أمريكا اللاتينية هذا الإرث الممتد، عبر حركات حقوقية وإجتماعية عابرة للحدود، تُعيد مساءلة السلطة وتنازع الروايات السائدة، مؤكدة أن الثورة ليست بالضرورة معركةً في الجبال، بل قد تكون أيضاً في قاعة محكمة أو غرفة صف أو مساحة رقمية صغيرة تتحوّل إلى موجة كبرى. فقد قاتلت النساء في الكفاح من أجل إستقلال أمريكا اللاتينية، جنباً إلى جنب مع الرجال، حيث حُفرت أسماءهن ومآثرهن في ذاكرة شعوب المنطقة، وعلى الرغم من أنهن غالباً ما ظُللنَ في الظل، إلا أنهن شكلن تاريخاً من الشجاعة.
وفي هذا التقرير نضع بين أيديكم نبذة تاريخية عن بعض هؤلاء النساء اللواتي رسمن مع الرجال تاريخ القارة في النضال ضد الاستعمار.
“المقاتلة الأولى” في فنزويلا، لسيليا فلوريس، زوجة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
في هذه الأيام، لا ينصبّ إهتمام العالم على مصير الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي إختطفته الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل أيضاً على شريكة حياته الشجاعة، التي قررت أن تتقاسم مع زوجها كل أعباء الملاحقة الأمريكية وتداعياتها. محامية تحوّلت إلى ثورية، وُلدت سيليا فلوريس في 15 أكتوبر/تشرين الأول من العام 1956 في مدينة تيناكيّو شمالي البلاد، وحصلت على تعليم قانوني تخصصت خلاله في القانون الجنائي وقانون العمل. وفي العام 1992، تولّت الدفاع عن عسكريين شاركوا في محاولة التمرد المسلح الفاشلة ضد الرئيس النيوليبرالي كارلوس أندريس بيريز، وكان من بين قادة ذلك التمرد الرئيس الراحل هوغو تشافيز. فمنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومع إنخراطها المهني في العمل السياسي، تحولت إلى واحدة من أبرز الشخصيات المحورية في التيار البوليفاري في فنزويلا المعاصرة، وكانت من أقرب المقربين إلى الرئيس هوغو تشافيز. تزوجت من نيكولاس مادورو، وأصبحت رسمياً السيدة الأولى للبلاد في العام 2013، لكنها تفضّل أن يُطلق عليها لقب “المقاتلة الأولى” بدلًا من “السيدة الأولى”. إنتشرت في أنحاء العالم صور لسيليا فلوريس وهي تحمل بين ذراعيها الطفلة الفنزويلية مايكيليس إسبينوزا بيرنال، البالغة من العمر عامين، والتي أُعيدت من الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن فصلتها السلطات الأمريكية قسراً عن والدتها. وعندما أقدم جنود أمريكيون، في 3 يناير/كانون الثاني، على إحتجاز نيكولاس مادورو بهدف إختطافه ونقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية بتهم وُصفت بالمفبركة تتعلق بـ”الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، تطوّعت سيليا فلوريس لمرافقة زوجها وتقاسم مصيره، قائلة: “إذا كنتم ستأخذونه، فخذوني معه أيضاً”.
بارتولينا سيسا… “نائبة الملك” في ثورة السكان الأصليين
في نضال أمريكا اللاتينية من أجل الإستقلال، برزت نساء تحدّين القمع وحملن السلاح جنباً إلى جنب مع الرجال، تشكل أسماءهم ومآثرهم التي ظلت غالبا في الظل، قصة الشجاعة التي نستذكرها اليوم، إذ تعد بارتولينا سيسا واحدة من أبرز تلك الشخصيات، بصفتها مدافعة شرسة عن إستقلال وكرامة السكان الأصليين. وهي واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ نضال شعوب أمريكا اللاتينية من أجل الحرية والإستقلال. وعلى الرغم من إن التاريخ لم يحفظ تاريخاً دقيقاً لميلادها، فإن المؤرخين يرجحون أنه كان بين عامي 1750 و1753. كانت سيسا شخصية محورية في مقاومة العنصرية الإستعمارية، وقادت، مع زوجها جوليان أباثا نينا، المعروف بإسم توباك كاتاري، الثورة ضد الغزاة الذين إستعبدوا السكان ونهبوا ثروات بيرو، التي كانت آنذاك معقلاً للحكم الإسباني في القارة. وفي العام 1781، أُقيم معسكر ضخم للسكان الأصليين في منطقة لا سيخا – إل ألتو، حيث جرى قطع الطرق المؤدية إلى مدينة لا باز، وحاصر أكثر من 80 ألف متمرد في المدينة. قادت بارتولينا سيسا إحدى جبهات الحصار، وعندما علم الإسبان بقيادتها حاول الجيش الإستعماري فك الحصار، لكنه مُني بالهزيمة بفضل المقاومة الشرسة للسكان الأصليين. تعرضت سيسا للخيانة وأُسرت على يد الإسبان، الذين إحتجزوها في السجن لمدة عام كامل قبل أن يُعدمُوها في العام 1782، ورغم نهايتها المأساوية، بقي إسم بارتولينا سيسا حياً كرمز للشجاعة والتضحية في مواجهة الإستعمار، وتخليداً لذكراها يحتفل في الخامس من سبتمبر/أيلول، باليوم العالمي للمرأة الأصلية.
لويزا كاسيريس دي أريسمندي.. المرأة التي تحدت زنزانات المستعمرين الإسبان
لم تكن لويزا كاسيريس دي أريسمندي إمرأة تحمل السلاح، لكنها جسدت بطولة نادرة في مسيرة نضال الشعب الفنزويلي من أجل الإستقلال، فرغم قسوة السجون الإسبانية، صمدت ولم تنكسر، لتبقى سيرتها حيّة في ذاكرة فنزويلا حتى اليوم. ولدت لويزا في عائلة كريولية مثقفة من العام 1799، قُتل والدها وشقيقها على يد الملكيين المعارضين لإستقلال فنزويلا، وفي العام 1814، لحقت بمصير زوجها الجنرال خوان باوتيستا أريسمندي، أحد أبرز قادة المقاومة ضد الإستعمار الإسباني. غير إن سعادة الزوجين لم تدم طويلاً، ففي العام 1815، وأثناء حملها، إعتقلتها السلطات الإسبانية سعياً لإستخدامها وسيلة ضغط على زوجها داخل السجن. عانت الجوع والحرمان وقسوة الظروف، وفقدت إبنتها بعد فترة قصيرة من ولادتها. ومع ذلك، لم تتراجع عن مبادئها، ولم تنجح محاولات الإسبان في إنتزاع أي تنازل منها أو من زوجها. وفي العام 1816، نقلت لويزا قسراً إلى إسبانيا، حيث واصلت رفضها التام للتخلي عن قناعاتها أو التوقيع على وثائق الولاء لملك إسبانيا، ما أدى إلى إحتجازها في ظروف شديدة القسوة. وبعد معاناة طويلة، تمكنت أخيراً من مغادرة إسبانيا في العام 1818، لتعود إلى وطنها وتلتقي بزوجها من جديد.
بوليكاربا سالافارييتا.. بطلة التجسس في سبيل إستقلال كولومبيا
تعد بوليكاربا سالافارييتا، واحدة من أبرز الرموز النسائية في تاريخ كولومبيا، فشجاعتها في النضال من أجل الإستقلال، ومقتلها المأساوي على يد الإسبان، جعلاها رمزاً للمقاومة الصامدة ومصدر إلهام للإعتراف بنضال المرأة في كولومبيا. لا يعرف الكثير عن حياتها، بما في ذلك غياب تاريخ دقيق لميلادها، ووجود شكوك حول إسمها الحقيقي، ومع ذلك، فقد صنعت التاريخ في كولومبيا لعملها الإستقصائي المتميز في بوغوتا. عملت بوليكاربا سالافارييتا، المعروفة باسم “لا بولا”، في خدمة المقاتلين الوطنيين من أجل الاستقلال، مستغلةً عملها كخياطة ومدبرة منزل للتسلل إلى منازل الملكيين والحصول على معلومات حساسة تنقلها إلى الثوار المطالبين بالإستقلال. وعملها الإستخباراتي، من توصيل الرسائل وتجنيد المؤيدين ودعم المجموعات الثورية، جعلها عنصراً أساسياً في النضال من أجل الإستقلال قبل أن يتم أسرها وإعدامها على يد الملكيين في العام 1817. في 14 نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1817، أُعدمت بوليكاربا رمياً بالرصاص في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1817، أُعدمت بوليكاربا رمياً بالرصاص في بوغوتا بأمر من السلطات الإسبانية. وكانت كلماتها الأخيرة: “أيها الناس اللامبالون! كم كان مصيركم سيختلف لو أدركتم ثمن الحرية! لكن لم يفت الأوان بعد: إنظروا، رغم أنني شابة، إلا أنني أملك الشجاعة لمواجهة الموت وألف ميتة أخرى. لا تنسوا هذا المثال”. وتخليداً لإرثها، يحتفل بيوم المرأة الكولومبية في 14 نوفمبر.بأمر من السلطات الإسبانية.
ليونا فيكاريو.. الأم المحبوبة والمحترمة للمكسيك
وُلدت ليونا فيكاريو في العام 1789 في مدينة مكسيكو، لأسرة تنتمي إلى أصول إسبانية وكريولية، فكان والدها تاجراً إسبانياً، ووالدتها كريولية. فقدت والديها وهي في الثامنة عشرة من عمرها، فتولى عمها، وهو محام وعالم بارز في إسبانيا الجديدة، رعايتها والإشراف على تعليمها. حصلت على تعليم واسع شمل الفنون الجميلة والعلوم، ونما لديها منذ الصغر شغف كبير بالقراءة، ما أسهم في صقل وعيها النقدي وترسيخ قناعاتها بأفكار الإستقلال. ومع مرور الزمن، وجهت هذا الوعي نحو العمل الصحفي، مستخدمةً قلمها للدفاع عن قناعاتها. ومع إندلاع حرب الإستقلال، لعبت دوراً فاعلاً في صفوف الثوار، إذ قدمت من مدينة مكسيكو معلومات إستراتيجية، إضافة إلى دعم مالي ومادي لأنصار الإستقلال، وكان لإسهاماتها أثر بالغ في مسار حركة التحرر. في العام 1813، تزوجت بالمناضل أندريس كينتانا رو، الذي شاركها الإيمان بقضية الإستقلال وحب الوطن. وفي العام نفسه، أُلقي القبض عليها عقب كشف تورطها في مؤامرة ضد الحكم الإستعماري، لكنها تمكنت من الفرار ولجأت إلى ولاية أواكساكا. ورغم العروض المتكررة بالعفو مقابل تخليها عن نشاطها السياسي، رفضت هي وزوجها تلك الشروط، وواصلا العمل سراً. لاحقاً، إنضمت إلى قوات القائد خوسيه ماريا موريلوس إي بافون، مواصلة نضالها من أجل حرية البلاد. وفي العام 1817، وضعت مولودتها الأولى، غير أنها اعتقلت بعدها بوقت قصير مع إبنتها الرضيعة. وعرض عليها العفو مجدداً، شريطة إنتقالها إلى إسبانيا، فوافقت، لكنها بقيت محتجزة في سجن تولوكا بسبب ظروفها المالية الصعبة. وبعد صدور عفو رسمي عنها، أُعيدت إليها ممتلكاتها، وعادت إلى منزلها في مكسيكو سيتي، حيث وافتها المنية في 21 أغسطس/آب من العام 1842 عن عمر 53 عاماً. وتقديراً لعطائها وتضحياتها، صدر مرسوم من الرئيس أنطونيو لوبيز دي سانتا آنا، بإقامة جنازة رسمية لها، ومنحت لقب “الأم المحبوبة والمحترمة للوطن”.
سيليا سانشيز… زهرة الثورة الكوبية الأصيلة
كانت هذه المرأة ذات المظهر الرقيق والإرادة الصلبة مقدراً لها أن تلعب دوراً محورياً في الثورة الكوبية ونضال شعبها لتحريره من الديكتاتورية. وُلدت في العام 1920 في عائلة من الأطباء، فقدت والدتها في صغرها، وإنطلقت مع والدها في مسيرتها السياسية، مدافعة عن الفقراء والمضطهدين. منذ طفولتها، كانت شاهدة على الفقر المحيط بها، وإنبهرت بأفكار الفيلسوف والثوري خوسيه مارتي، الذي يُعتبر “رسول الإستقلال الكوبي”. منذ أوائل الخمسينيات، شاركت في النضال السياسي ضد نظام فولغينسيو باتيستا، وكانت عضواً في حركة 26 يوليو /تموز الثورية. أصبحت أول إمرأة تنضم إلى جيش الثوار المقاتل ضد الديكتاتور، وشاركت في الهجوم على ثكنات إل أوفيرو، أول معركة كبرى للقوات الثورية. وفي وقت لاحق، أشرفت على الإستعدادات لإنزال مجموعة من الثوار بقيادة فيدل كاسترو، على متن السفينة الشراعية الأسطورية “غرانما”، ثم نظمت بالتعاون مع الثوري فرانك بايس، إرسال أولى التعزيزات إلى المقاتلين في جبال سييرا مايسترا. وكتب الثوار في سييرا مايسترا: “أما بالنسبة لسييرا، عندما تكتب قصة هذه المرحلة من الثورة، يجب أن يظهر على الغلاف إسمان: ديفيد ونورما “أسماء مستعارة لفرانكو بايس، وسيليا سانشيز”. بعد إنتصار الثورة الكوبية، شغلت مناصب في مجلس الوزراء وفي هيئات مجلس الدولة الكوبي، كما كانت عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي، وتوفيت في العام 1980، وبعد عشر سنوات تم إفتتاح متحفاً في مسقط رأس سيليا سانشيز تكريماً لها.
إضافةً إلى كل ما ذكرناه سابقاً لا بدّ لنا أن نذكر نساء لعبن أدوار ضخمة في التحرّر، المقاومة، الثقافة، والسياسة.. بعضهن قاتلن بالسلاح، بعضهن قاتلن بالذاكرة، وبعضهن بالفكر والفن والقانون.
أولاً: بطلات التحرّر والإستقلال (القرن 19)
- مانويلا ساينز (الإكوادور / البيرو / فنزويلا)، شريكة سيمون بوليفار الفكرية والسياسية، مقاتلة وإمرأة إستخبارية محترفة وناشطة، تُعد أول إمرأة طالبت بحقوق النساء في أميركا الجنوبية.
- خوثيفا أورتيث دي دومينغيث (المكسيك)، من شخصيات الثورة المكسيكية الأولى ضد الإستعمار الإسباني، أدّت دوراً في إدارة الإتصالات بين الثوار.
ثانياً: بطلات الثورات والحروب التحررية (القرن 20)
- لاس أديليتاس (المكسيك)، إسم أطلق على آلاف النساء اللواتي شاركن في الثورة المكسيكية (1910–1920) كمقاتلات وممرضات ومموّنات.
- هايديه غوتيريس (كوبا)، من أبرز النساء اللاتي شاركن في الثورة الكوبية إلى جانب كاسترو وغيفارا.
- يانيلي راميريز / تانيا (البوليفيا / ألمانيا)، مقاتلة مع غيفارا في بوليفيا قُتلت في المعارك، أصبحت رمزاً للإنخراط النسائي في الكفاح المسلح.
- دورا ماريا تيليث (نيكاراغوا)، قادت عمليات ساندينية الجريئة، من بينها الإستيلاء على القصر الوطني في العام 1978، ولاحقاً أصبحت وزيرة الصحة.
- جيانا أراكي مارين (نيكاراغوا)، قادت عمليات دبلوماسية لصالح الساندينيين وكانت من أبرز وجوه الثورة.
- إيلسا راميريز (السلفادور)، من الجبهة الشعبية للتحرير في السلفادور، قاتلت في الحرب الأهلية وكانت رمزاً نسائياً في الحركة اليسارية.
ثالثاً: بطلات مقاومة الديكتاتوريات والإختفاء القسري (السبعينيات والثمانينيات)
أمهات ميدان مايو (الأرجنتين)، هي حركة نسائية تاريخية قادتها أمهات المختفين قسرياً خلال الديكتاتورية العسكرية، من أبرز الأسماء:
- هيبُوليتا أكونيا – هيبُوليتا كورال – استيلا دي كارلوتّو (لاحقاً أسست “جدّات ميدان مايو”)
- لُوتشيا ريبوليتّي (تشيلي).
- فيوليتا بارا (تشيلي)، فنانة ومناضلة ثقافية ساهمت في خلق خطاب مقاوم بالفن والموسيقى، ومن قيادات المعارضة المدنية ضد بينوشيه،
رابعاً: بطلات الحركات الحقوقية الحديثة (القرن 21)
- فيرونيكا غاغو (الأرجنتين)، منظّرة نسوية بارزة في حركة Ni Una Menos التي إنتشرت في القارة.
- ناديا مورينو (الأرجنتين)، من الأصوات الحقوقية التي دفعت باتجاه تشريع حق الإجهاض في العام 2020.
- آنا ليديا بيريز (المكسيك)، صحافية استقصائية تواجه عنف العصابات وجرائم قتل النساء.
- لاز تيسيس (تشيلي)، مجموعة فنّية نسوية قدّمت العرض الشهير “المغتصب هو أنت” الذي إنتشر في أكثر من 50 دولة.
خامساً: بطلات عبر الثقافة والذاكرة
فرِيدا كاهلو (المكسيك)، ليست ثائرة بالسلاح، لكنّها ثائرة بالهوية، والبطولة الفردية، والسياسة. صارت رمزاً للتحرر النسوي.
ماريّا إستر دويناس (الأرجنتين)، كاتبة وباحثة في الذاكرة السياسية وقضايا الإختفاء القسري.
في نهاية هذا المسار التاريخي الطويل، يتضح أن المرأة في أمريكا اللاتينية والعالم لم تكن يوماً مجرد ظل للثورات ولا ملحقاً عاطفياً لها، بل واحدة من صانعاتها الحقيقيات. هي التي قاتلت حين إضطرّت إلى القتال، وسهرت على تماسك المجتمع حين إنهارت مؤسساته، وحملت ذاكرة الدم والإنتهاكات حين حاولت الأنظمة العسكرية والمنظمات السرية والإحتلالات الأجنبية محوها. وفي كل مرة حاول التاريخ الرسمي أن يختصر دورها في “أم الشهيد” أو “زوجة المناضل”، كانت الوقائع تثبت أنها في الحقيقة شريكة في الفعل، ومؤسِّسة للمعنى، وضامنة للذاكرة. وإذا كانت أمريكا اللاتينية تقدّم النموذج الأكثر كثافة لهذا الدور، فذلك لأن القارة عاشت عقوداً من العنف السياسي، حيث إختلط السلاح بالفكرة، والفقد بالعدالة، والحلم بالموت. هناك ظهرت مقاتلات حملن البنادق في المكسيك وكوبا ونيكاراغوا، كما ظهرت نساء حملن صور الأبناء المفقودين في الساحات كما حصل في الأرجنتين وتشيلي. وفي كلتا الحالتين كانت المرأة تقوم بالفعل نفسه: رفض أن يُفرض عليها الصمت. ومع دخول القرن الحادي والعشرين، تغيّرت أدوات النضال، لكن مضمونه لم يتغير. إنتقل الصوت النسائي من الجبال والمعسكرات إلى الشوارع والمحاكم ووسائل الإعلام، وصولاً إلى شبكات التواصل الإجتماعي التي سمحت للنساء بإنتاج خطاب عابر للحدود حول العنف، والعدالة، وحق الجسد، والذاكرة. وهكذا صار من الواضح إن الثورة ليست لحظة كثيفة بالسلاح فقط، بل أيضاً لحظة طويلة من المفاوضة مع المجتمع والدولة والمستقبل. قد يكون التاريخ تأخر طويلاً في كتابة أسماء النساء في الصفوف الأولى، وقد تكون ذاكرة الشعوب نفسها إحتاجت عقوداً لتتجاوز السرديات الذكورية التي إختزلت البطولة في صورة رجل يحمل سلاحاً، لكن اللحظة الراهنة تشهد تحوّلاً لا يمكن تجاهله: البطلة باتت في المتن وليس في الهامش، وفي العلن وليس في السرّ، وفي السجلات الرسمية وليس فقط في الذاكرة الشفوية.
ولذلك، فإنّ رواية نضال النساء في أمريكا اللاتينية والعالم ليست “تفصيلاً” في تاريخ الثورات، بل شرط لفهمها. لأن الحرية التي قاتلت النساء من أجلها كانت دائماً مزدوجة: حرية الوطن وحرية الذات. وهذا ما يجعل قصصهن ليست مجرد تاريخ يُروى، بل درساً معاصراً في ماذا يعني أن يكون الإنسان حراً، مهما كان جنسه ومهما كان الثمن.




