
لم تأتِ ليلة إعتقال نيكولاس مادورو من فراغ، ولم تكن إنفجارات كاراكاس فجر السبت حدثاً معزولاً أو قراراً مرتجلاً. ما جرى كان ذروة مسار طويل، تراكمت فيه الضغوط، وتقاطعت فيه الحسابات السياسية والعسكرية والقانونية، وتحوّل فيه إسم الرئيس الفنزويلي تدريجياً من خصم سياسي للولايات المتحدة الأمريكية إلى هدف معلن في خطابها الرسمي. على مدى أكثر من عقد، ظل الرئيس مادورو حاضراً في الخطاب الأمريكي بوصفه إمتداداً لإرث الرئيس الراحل هوغو تشافيز السياسي الفنزويلي اليساري المذهب تحرري المنزع، شديد العداء لأمريكا وللرأسمالية، ورمزاً لدولة خرجت عن الفلك التقليدي لواشنطن في أمريكا اللاتينية. لكن مع مرور السنوات لم يعد الخلاف محصوراً في الأيديولوجيا أو النفط أو النفوذ الإقليمي، بل إتخذ طابعاً أكثر حدّة، إذ بدأ يتداخل مع ملفات المخدرات، والهجرة، والعقوبات، والأمن القومي الأمريكي. في آب من العام السابق للإعتقال، أعلنت وزارتا الخارجية والعدل في الولايات المتحدة الأمريكية رفع قيمة المكافأة المخصصة لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى إعتقال أو إدانة نيكولاس مادورو إلى 50 مليون دولار. لم يكن هذا رقماً عادياً، بل رسالة سياسية بحد ذاتها. الرقم لم يُطرح بوصفه أداة ردع فقط بل كإشارة إلى أن واشنطن لم تعد ترى مادورو مجرد رئيس غير شرعي، بل متهماً دولياً من الطراز الأول. في البيان الرسمي، وُصف مادورو بأنه زعيم ما يُسمّى بـ “كارتل الشمس” شبكة إتجار بالمخدرات تزعم واشنطن أنها تعمل منذ سنوات داخل مؤسسات الدولة الفنزويلية نفسها الجيش والإستخبارات المطارات الموانئ، وحتى البعثات الدبلوماسية. ومع تصنيف وزارة الخزانة الأمريكية لهذا الكيان كمنظمة إرهابية عالمية في يوليو 2025، أصبح الإطار القانوني لأي تحرك عسكري أو أمني أكثر جاهزية. وبعد أقل من شهرين وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيهاً سرياً إلى البنتاغون يأمر بتنفيذ عمليات عسكرية مباشرة ضد ما وصفه بعصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية مع تركيز خاص على البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي. رسمياً لم تُذكر فنزويلا بالإسم في البداية، لكن المؤشرات كانت واضحة. بدأت الضربات البحرية تتكثف وأُعلن عن إعتراض قوارب مخدرات وسقط أكثر من مئة قتيل في عمليات قالت واشنطن إنها جزء من الحرب على التهريب. في الوقت ذاته فُرض حصار غير معلن على ناقلات النفط الفنزويلية، وإرتفعت نبرة التهديد بتنفيذ ضربات برية داخل البلاد. في تلك المرحلة، بدأ خبراء القانون الدولي يدقون ناقوس الخطر. إدارة ترامب، كانت تمزج عمداً بين مفهوم إنفاذ القانون والعمل العسكري. فكيف يمكن لعملية تُقدَّم بوصفها إعتقالاً قضائياً أن تُنفّذ عبر قصف جوي، وتعطيل دفاعات دولة ذات سيادة، وإنزال قوات عسكرية في عاصمتها؟ ثم ينتقل بعدها الحديث عن إدارة البلاد هذا غير منطقي قانونياً! لكن رغم هذا الجدل كانت الإدارة الأمريكية تمضي قدماً، مدركة أن آليات المحاسبة الدولية شبه معدومة عندما يتعلق الأمر بالقوة العظمى الأولى في العالم. وبعيداً عن الأضواء، كانت أجهزة الإستخبارات الأمريكية تعمل على الأرض. وكالة الإستخبارات المركزية (CIA) كانت تمتلك مصادر داخل الحكومة الفنزويلية نفسها وعمل عناصرها بشكل سري داخل البلاد منذ شهر أغسطس الماضي، يجمعون معلومات دقيقة عن تحركات مادورو، نمط حياته، أماكن إقامته، وساعاته الأخيرة قبل الإعتقال. ولم تكن المراقبة تقليدية. أسطول من الطائرات المسيّرة الشبحية كان يحلّق فوق فنزويلا، موفراً مراقبة شبه مستمرة، في وقت كان فيه الرئيس الفنزويلي يعتقد أن القصر الرئاسي ومجمع فورت تيونا العسكري يوفران له الحماية الكافية. وفي الأيام الأخيرة قبل العملية، بدت كاراكاس هادئة على نحو مريب. لم تُعلن حالة طوارئ ولم تُسجل تحركات إستثنائية في القيادة العسكرية العليا. حتى حلفاء مادورو في الدائرة الضيقة وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، ونائبة الرئيس ديلسي رودريغيز كانوا يظهرون في مناسبات عادية، وكأن شيئاً غير إعتيادي لا يُحضَّر. وقبل أقل من 24 ساعة من إعتقاله، أدلى مادورو بتصريحات بدت لاحقاً كأنها نبوءة بمصيره. تحدث عن إنحدار الديمقراطية الليبرالية الغربية، وعن أن المواطن لم يعد يملك سلطة حقيقية أمام هيمنة الشركات والمليارديرات. كلمات قيلت في سياق سياسي، لكنها إكتسبت معنى مختلفاً بعد ساعات فقط. وعندما حلّ الليل، لم يكن مادورو يعلم أن الخطط التي أُجّلت أربعة أيام بسبب سوء الأحوال الجوية أصبحت جاهزة للتنفيذ. كانت كل قطع البازل قد وُضعت في مكانها: التوجيه السياسي، الغطاء القانوني الأمريكي، الجاهزية العسكرية، والمعلومة الإستخباراتية الحاسمة. وهكذا، دخلت فنزويلا الساعات الأخيرة من مرحلة ما قبل العاصفة دون أن تدري أن فجر السبت سيغيّر كل شيء. ولم تبدأ العملية بإعلان رسمي ولا بخطاب رئاسي، ولا حتى بتحذير دبلوماسي. بدأت بصوتٍ مكتوم، ثم بوميضٍ خاطف، ثم بسلسلة إنفجارات متزامنة شقّت ليل كاراكاس في الساعات الأولى من فجر السبت. لم تكن الإنفجارات مركّزة في موقع واحد، بل توزّعت على نقاط متباعدة داخل العاصمة، في توقيت دقيق أربك أجهزة الدولة، وخلق حالة من التشويش المتعمّد. في تلك اللحظات الأولى، لم تُصدر الحكومة الفنزويلية أي بيان. لم تُعرف طبيعة الإنفجارات، ولا الجهة التي تقف خلفها. لكن ما كان واضحاً لسكان العاصمة، هو التحليق الكثيف لطائرات حربية على علو منخفض، في مشهد لم تشهده المدينة منذ عقود. السماء لم تكن صامتة، بل كانت تعجّ بصوت المحركات، فيما بدت الدفاعات الجوية الفنزويلية عاجزة عن الرد. لاحقاً شرح رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كين، ما جرى في تلك الدقائق الأولى. العملية لم تبدأ بإقتحام أرضي بل بهجوم جوي إلكتروني وناري هدفه شلّ أنظمة الرادار والدفاع الجوي الفنزويلية. الطائرات الأمريكية دمّرت وعطّلت شبكات الرصد، وفتحت ممراً آمناً لمروحيات قوات النخبة. وكان الهدف واضحاً ضمان أن تصل المروحيات إلى قلب كاراكاس دون أن تُسقط وأن تخرج دون خسائر بشرية أمريكية. وشارك في العملية 150 طائرة إنطلقت من مواقع مختلفة حول العالم في واحدة من أوسع العمليات الجوية الأمريكية خارج مسارح الحروب التقليدية منذ سنوات. العملية لم تكن إرتجالية، بل نتاج تخطيط إستمر أشهراً وإستند إلى خبرات متراكمة من حروب الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا وأفريقيا. عندما أصبحت السماء نظيفة دخل الدور الأرضي. مروحيات معدّلة من طراز MH-60 بلاك هوك و MH-47، يقودها فوج الطيران 160 للعمليات الخاصة المعروف بلقب مطاردو الليل حلّقت على إرتفاع منخفض جداً، مستغلة العتمة والشلل الدفاعي. وهذه الوحدة المتخصصة في الإنزال الليلي عالي المخاطر، لم تكن غريبة عن فنزويلا. كانت قد نفذت مهام تدريبية قرب السواحل الفنزويلية في الأشهر السابقة في ما بدا لاحقاً كجزء من التحضير العملي للعملية. كان الرئيس مادورو نائماً عندما بدأت العملية. لم يكن في حالة إستعداد قصوى، ولم يتمكن من الوصول إلى ملجأ محصّن. والرئيس ترامب الذي شاهد العملية على الهواء مباشرة كشف تفاصيل دقيقة عن اللحظات الأخيرة وقال إن مادورو حاول الوصول إلى باب الملجأ لكنه فشل. وإستغرق تفجير الباب 47 ثانية فقط بعدها إقتحمت القوات الغرفة. أُخذ دون مقاومة تقريباً وكان “مرعوباً”، هكذا وصف ترامب المشهد. ولكن فعلياً لم تكن العملية بلا مقاومة. خلال مرحلة الإنسحاب تعرّضت المروحيات الأمريكية لإطلاق نار. أُصيبت إحدى الطائرات لكنها بقيت صالحة للتحليق حتى نهاية المهمة. وأُسقطت طائرة أمريكية واحدة خلال العملية لكنها لم تُدمّر بالكامل. والعملية بأكملها من أول ضربة إلى آخر مروحية غادرت المجال الجوي الفنزويلي إستغرقت ساعتين و20 دقيقة. وشارك في الإقتحام عناصر من قوات دلتا فورس كما ساهم أيضاً عملاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي FBIبطلب من وزارة العدل وأًطلق على العملية إسم “العزم المطلق” Absolute Resolveولم يُعلن في تلك اللحظة أين نُقلا تحديداً لكن خلال ساعات نشر ترامب صورة تظهر الرئيس مادورو مكبّل اليدين ومعصوب العينين على متن سفينة حربية أمريكية، مع تعليق مقتضب: هكذا ينتهي من يعرّض أمن أمريكا للخطر. لاحقاً أُعلن أن مادورو وزوجته نُقلا جواً ثم بحراً، قبل أن يتوجها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً إلى نيويورك، حيث أُعدّت لائحة الإتهام في محكمة المقاطعة الجنوبية. في كاراكاس أعلنت السلطات أنها لا تعلم مكان وجود الرئيس وطالبت واشنطن بتقديم إثبات حي على أنه لا يزال على قيد الحياة. ووصفت وزارة الخارجية الفنزويلية ما جرى بأنه عدوان عسكري غير مبرر وأعلنت نيتها التوجّه إلى مجلس الأمن الدولي. لكن في تلك اللحظة كانت الصدمة قد تجاوزت فنزويلا. العالم كان أمام مشهد غير مسبوق: رئيس دولة يُنتزع من عاصمته بالقوة، ويُنقل إلى دولة أخرى لمحاكمته وجرى مقارنة الحدث مباشرة بإعتقال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في العام 2003، فلو جرى حينها محاسبة واشنطن لما تجرأت على القيام بنفس العمل مرة أخرى وثانية بهذه الوقاحة! ترامب خرج إلى العلن ليتحدث عن العملية الناجحة وقال إن ما جرى يشبه عمليات إغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني وزعيم تنيظم داعش أبو بكر البغدادي، بل وإعتبرها أحد أكثر العروض إثارة للدهشة وفعالية لقوة الجيش الأمريكي ولم يكتفِ بذلك بل أعلن نية واشنطن بإدارة فنزويلا مؤقتاً، وفتح الباب أمام الشركات الأمريكية لإعادة تأهيل قطاع النفط. في الداخل، لم تسقط الدولة بعد، فقد تولت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز مقاليد الحكم في البلاد بشكل رسمي بقرار من البرلمان الفنزويلي بعد إعتقال مادورو وزوجته ودعت أول إمرأة تقود فنزويلا، الشعب والجيش إلى الدفاع عن البلاد وأكدت إستمرار المؤسسات كما طلبت من ترامب ودولته العمل معاً على أجندة تعاون موجهة نحو التنمية المشتركة. إذن الضربة الأمريكية التي إستهدفت رأس السلطة لم تُسقط البنية كاملة ولم تُنهِ الحكومة في لحظة واحدة كما كان قد حدث في تجارب تاريخية أخرى. خارجياً إنقسم العالم بحدة. الأمم المتحدة أعربت عن القلق وعقد لاحقاً مجلس الأمن الدولي التابع لها جلسة طارئة لمناقشة العملية الأمريكية في فنزويلا التي أدت أيضاً إلى مقتل العديد من العناصر الفنزويلية، تركيا بحثت في الملف مع الرئيس ترامب، روسيا والصين وإيران إعتبروا ما جرى عدواناً صارخاً، الإتحاد الأوروبي جاءت ردود فعله حذرة ومتباينة، فرنسا رحبت والأرجنتين إحتفلت فيما البرازيل وكوبا نددتا بالهجوم حيث خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع. حتى داخل واشنطن نفسها، ظهرت إعتراضات في الكونغرس خصوصاً من الحزب الديمقراطي على طريقة إتخاذ القرار. رغم ذلك مضت الإدارة الأمريكية في روايتها مؤكدة أن الرئيس مادورو سيُحاكم في نيويورك وأن العملية جاءت بناءاً على طلب وزارة “العدل” الأمريكية، وليس كعمل عسكري تقليدي. وفي الساعات الأولى بعد نقل الرئيس مادورو إلى الأراضي الأمريكية، بدأت تتكشف معالم المعركة التالية، وهي معركة لا تقل ضراوة عن تلك التي جرت في سماء كاراكاس، لكنها هذه المرة تدور داخل أروقة القضاء. نُقل مادورو إلى منشأة إحتجاز إتحادية عالية الحراسة، قبل أن يُعرض على محكمة المقاطعة الجنوبية لولاية نيويورك، وهي المحكمة نفسها التي نظرت في قضايا إرهاب دولي، وكارتلات مخدرات عابرة للحدود، ورؤساء عصابات إعتُبروا في يوم من الأيام “محصنين”، وإختيار هذه المحكمة لم يكن صدفة. فهي الجهة التي أعدّت منذ سنوات لائحة الإتهام السرية ضد الرئيس مادورو وعدد من كبار مساعديه، قبل أن تُفعل رسمياً مع لحظة الإعتقال. دفع فريق الدفاع بحصانة مادورو السيادية وقال إن موكله رئيس دولة منتخب بحسب الدستور الفنزويلي ويتمتع بحصانة سيادية مطلقة، إختُطف بالقوة في إنتهاك صارخ للقانون الدولي وطالب بالإفراج الفوري عنه، معتبراً أن أي إجراء قضائي لاحق هو نتاج عمل غير قانوني، لكن الإدعاء الأمريكي إستند إلى سوابق قانونية أبرزها قضية مانويل نورييغا البنمي الذي إعتُقل في العام 1989 ونُقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمحاكمته، وقال الإدعاء إن الحصانة لا تنطبق على جرائم الإتجار بالمخدرات والإرهاب، خصوصاً عندما تُرتكب خارج إطار الوظيفة الرسمية، وبما يهدد أمن دولة أخرى. وأكد المدعي العام أن عملية الإعتقال، رغم طابعها العسكري، جاءت بناءاً على طلب وزارة “العدل” الأمريكية، وأنها تُصنّف كعملية إنفاذ قانون إستثنائية. وإنتشرت صور الرئيس مادورو داخل المحكمة: رجل بدا شاحباً، متعباً، لكنه متماسك. لم يكن ذلك الطاغية المتغطرس الذي صوّرته واشنطن سابقاً، ولا الأسير المنكسر الذي توقّعه خصومه. هذا التناقض البصري غذّى السرديتين المتصارعتين في آن واحد: أنصاره رأوا فيه رئيساً مخطوفاً، خصومه رأوا زعيم كارتل سقط أخيراً. لكن خلف كل ذلك، كانت هناك معركة أعمق تُخاض بصمت: هل ستُثبت المحكمة أن القانون الأميركي قادر على تجاوز الحدود والسيادة؟ أم ستتحول القضية إلى عبء قانوني وسياسي يلاحق واشنطن لسنوات؟ فأي حكم يصدر لن يكون حكماً على مادورو فقط، بل سابقـة خطيرة تُعيد تعريف معنى الحصانة، وحدود القوة، وعلاقة القانون بالسلاح. فلم تكن قضية نيكولاس مادورو الأولى التي تُختبر فيها حدود السيادة أمام القوة الأمريكية، فحين وقف الإدعاء في نيويورك ليستند إلى سوابق تاريخية، لم يكن يستحضر الماضي للذاكرة فقط بل ليحوّله إلى أداة قانونية. وفي مقدمة تلك السوابق، عاد إسمٌ بدا كأنه لا يغيب عن أي نقاش من هذا النوع وهو كما ذكرنا مانويل نورييغا. في العام 1989، غزت الولايات المتحدة الأمريكية بنما وإعتقلت الجنرال نورييغا الحاكم الشرعي والرسمي للبلاد، ونقلته إلى ميامي لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات وغسل الأموال. وقتها، قدّمت واشنطن العملية بوصفها إنفاذاً للقانون لا حرباً. ولم يكن نورييغا رئيساً منتخباً ولم يكن يتمتع بإعتراف دولي واسع، وكان بلده صغيراً وجيشه محدوداً. بالنسبة للإدعاء الأمريكي كانت هذه السابقة مثالية: رجل قوي، متهم بالمخدرات، أُخذ بالقوة، وحُوكم داخل الولايات المتحدة الأمريكية. لكن الدفاع عن مادورو ردّ بأن المقارنة مضلِّلة. فنورييغا لم يكن رئيس دولة يتمتع بإعتراف أممي كامل، ولم تكن بنما تمتلك الوزن السياسي أو الجغرافي أو العسكري والإقتصادي كما فنزويلا. ومع ذلك، ظل إسم نورييغا حاضراً بقوة إلى أن ظهر إسم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وهنا إنتقل النقاش من سابقة قانونية إلى جرح تاريخي مفتوح. ففي العام 2003 لم تُخفِ الولايات المتحدة الأمريكية نيتها. الهدف كان إسقاط النظام العراقي بالكامل. الحرب كانت معلنة، الإحتلال صريحاً، وتفكيك الدولة جزءاً من الخطة. صدام حسين لم يُعتقل بصفته “متهماً جنائياً” فحسب، بل بصفته رأس نظام يجب إزالته. وبعد القبض عليه، لم يُنقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية بل حُوكم داخل العراق، تحت إشراف أمريكي مباشر، في محكمة وُلدت من رحم الإحتلال. وما جرى مع الرئيس مادورو لا يختلف عما جرى في العراق، فأمريكا محتلة فنزويلا الآن، أليس إعلان أمريكا أنها ستتولى إدارة فنزويلا خلال فترة إنتقالية، إلى حين تنفيذ إنتقال آمن ومنظم للسلطة مع تشكيل فريق خاص للإشراف على تدخلها في الشؤون الداخلية للبلاد وإستبعاد أي خطط لإجراء إنتخابات خلال الثلاثين يوماً المقبلة، شكلاً صريحاً من أشكال الإحتلال؟ لا إسقاط شامل للنظام، نعم.. ولكن! أمريكا نفسها هي من تتحكم بالنظام، لا إدارة عسكرية معلنة. الفرق أن صدام أُخذ بعد حرب، ومادورو أُخذ كبديل عن الحرب. وهنا تكمن الخطورة. لماذا صدام حاضر بقوة؟ لأن العالم يتذكّر ما تلا إعتقال الرئيس الراحل صدام من تفكك الدولة وفتنة طائفية وحرب أهلية، إلى جانب الفوضى وصعود جماعات مسلحة وسنوات من الدم وعدم الإستقرار حتى الآن، إعتقال الرئيس مادورو النسخة المحدّثة من السيناريو نفسه، لكن بأدوات أكثر دقة وأقل كلفة سياسية على واشنطن. بدل إسقاط الدولة كلها، يُنتزع الرأس فقط، ويُترك الجسد لينزف ببطء! في حالة الرئيس صدام حسين سقط القانون أولاً، ثم أُعيد بناؤه، وفي حالة الرئيس مادورو إستُخدم القانون ليبرّر إسقاط الرأس دون إعلان حرب. وإذا نجح هذا النموذج، فلن يبقى إستثناء! ولا يزال الخطاب الشهير لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولين باول أمام مجلس الأمن الدولي في العام 2003 حاضراً في الذاكرة حين لوّح بعينات زعم أنها تمثل الجمرة الخبيثة دليلاً على إمتلاك العراق “أسلحة دمار شامل”. وعلى ذلك الأساس، إتخذت الولايات المتحدة الأمريكية قرارها الأحادي خارج إطار الشرعية الدولية بغزو العراق، في واحدة من أكثر اللحظات تضليلاً في التاريخ السياسي الحديث. يومها، حاول باول رغم فداحة الإدعاءات إضفاء مسحة قانونية وأخلاقية على العدوان. أما اليوم، فلم يتكلف وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث حتى عناء تقديم أي دليل أو مبرر، لا أمام مجلس الأمن ولا أمام الرأي العام العالمي، لتسويغ عدوان مباشر على دولة ذات سيادة، تُوّج بعملية إستخباراتية إنتهت بإنتزاع رئيسها وزوجته إختطافاً، في مشهد يعيد إلى الأذهان زمن رعاة البقر الأمريكيين، حيث القوة العارية هي القانون الوحيد. قد تبدو العملية في ظاهرها “إنتصاراً” أمريكياً جديداً يعزز صورة الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة المهيمنة القادرة على التحكم بمصائر الدول والشعوب، تبطش متى تشاء وترضى متى تشاء، تمنح وتمنع وتفرض الحصار والعقوبات وتُملي إرادتها بأدوات لا حصر لها: من الحديد والنار، إلى الثورات الملوّنة، والإنقلابات العسكرية، وصولاً إلى الإختطاف والإغتيال خارج أي إطار قانوني أو أخلاقي. غير أن القراءة لما يجري تكشف صورة مغايرة تماماً. فما يُقدَّم بوصفه إستعراضاً للقوة، ليس في جوهره سوى تعبير عن إهتزاز عميق وقلق متصاعد. فالدول الواثقة من شرعيتها ونفوذها لا تحتاج إلى إنتهاك القوانين الدولية ولا إلى اللجوء لأساليب العصابات العابرة للحدود. إن هذا السلوك، مهما بدا صاخباً يعكس ضعفاً بنيوياً أكثر مما يعكس قدرة حقيقية على فرض النظام أو القيادة.
ماذا عن زوجة الرئيس المخطوفة؟ لم يكن وجود زوجته سيليا فلوريس إلى جانبه تفصيلاً عابراً في المشهد. فهي لم تُقدَّم بوصفها “زوجة الرئيس” فحسب، بل كفاعلة سياسية كاملة الشراكة إذ ورد إسمها في لائحة الإتهام بإعتبارها جزءاً من شبكة السلطة نفسها. وخلال عملية الخطف، أُصيبت فلوريس بإصابات وُصفت بالخطيرة وسط شكوك أيضاً بوجود كسر أو كدمات شديدة في الأضلاع. وهنا يبرز السؤال المُحرِج: أين الجمعيات النسوية ومنظمات المجتمع المدني مما تعرّضت له فلوريس؟ أليست هي أيضاً إمرأة تستحق أن تُرفَع قضيتها وتُطالب بحقوقها؟ أليس من المفترض التضامن معها بكل الوسائل الممكنة ولو بالحد الأدنى عبر منصات التواصل الإجتماعي؟ لكن يبدو أن فلوريس ليست مهسا أميني. ليست تلك الفتاة الإيرانية التي قُتلت بعد ثلاثة أيام من إحتجازها لدى الشرطة بزعم عدم إرتدائها الحجاب “بالطريقة الصحيحة”. فلو كان السياق دينياً لإمتلأت المنصات بمحتوى الجمعيات وتصريحاتها. غير أن قضية فلوريس لا تحقق الزخم ذاته ولا تجلب القدر نفسه من المشاهدات! وهنا تُقاس المعايير، لا بميزان الحقوق، بل بميزان الرواج.
وبين الخطاب الأمريكي الرسمي الكاذب، والمعطيات الإقتصادية والجيوسياسية الموثقة، تتكشف فجوة عميقة بين المُعلن والمخفي، تجعل من النفط الفنزويلي مفتاحاً لفهم ما جرى. فرغم تبرير واشنطن تدخلها بأنه إستجابة لتهديدات تمس أمنها القومي، وتنفيذه تحت شعار “مكافحة تهريب المخدرات” المتفشية أصلاً داخل أسوارها، فإن هذه الرواية تُبطل عند النظر إلى موقع فنزويلا في سوق الطاقة العالمي. تمتلك البلاد أكبر إحتياطي نفطي مؤكد في العالم يناهز 303 مليار برميل متقدمة على السعودية والولايات المتحدة الأمريكية. ورغم ذلك لا يتجاوز إنتاجها اليومي 700 ألف برميل نتيجة العقوبات الأمريكية، ونقص الإستثمارات، وتدهور البنية التحتية، ما جعل النفط الفنزويلي ثروة مجمدة لكنها بالغة الإغراء إستراتيجياً. أما بالنسبة للمخدرات فالغالبية الساحقة من الكوكايين المضبوط في الولايات المتحدة الأمريكية مصدره كولومبيا، المسارات الرئيسية للتهريب تمر عبر كولومبيا والمكسيك، بينما تُصنَّف فنزويلا كممر ثانوي لا يلعب دوراً مركزياً في هذه الشبكات. وعليه إتهامات الإرهاب المرتبط بالمخدرات أقرب إلى غطاء سياسي لأهداف أوسع، تتعلق بالسيطرة على الموارد لا بمحاربتها. فالنفط الثقيل في حزام أورينوكو يمثل بديلاً إستراتيجياً طويل الأمد في عالم يشهد تراجعاً تدريجياً في الإنتاج التقليدي، وهو ما يفسر الإهتمام الأمريكي المتزايد، ومحاولات فتح الباب أمام إستثمارات نفطية تقودها شركات أمريكية كبرى. وإعلان الحكومة الفنزويلية المؤقتة إستعدادها للتفاوض مع الشركاء الدوليين حول قطاع النفط، جاء ليعزز هذا المسار، ويمنح بعداً عملياً لفكرة إعادة إدماج فنزويلا في منظومة الطاقة الغربية.
ما الذي تغيّر في البلاد بعد خطف الرئيس مادورو؟
أُعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وبدت الدولة، التي فقدت رأسها السياسي فجأة، وكأنها تحاول الإمساك بتوازن هشّ. أجهزة الأمن والشرطة تلقت أوامر مباشرة بفتح تحقيقات واسعة لملاحقة المتواطئين في العملية الأمريكية. فكما ذكرنا من ساعد واشنطن كان من داخل الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو نفسه ما حوّل عملية الإعتقال من مجرد ضربة عسكرية خارجية إلى زلزال ثقة داخل بنية الحكم. في تلك الأثناء، وبينما كانت كاراكاس تعيش صدمة الإعتقال، كانت حركة النفط ترسم خطاً موازياً للأحداث السياسية. بيانات تعقب السفن أظهرت أن ناقلة نفط مستأجرة لصالح شركة شيفرون الأمريكية غادرت المياه الفنزويلية محمّلة بنحو 300 ألف برميل من النفط الخام الثقيل، ومتجهة إلى خليج المكسيك. بدت هذه الشحنة وكأنها أول إشارة عملية إلى ما يمكن أن يتغير في قطاع الطاقة بعد سقوط مادورو. فشركة شيفرون التي ظلت الشركة الأمريكية الوحيدة المسموح لها بالعمل في فنزويلا ضمن إستثناءات محدودة، عادت فجأة إلى الواجهة، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترامب إن الحظر النفطي لا يزال سارياً بالكامل. ولم تتوقف الإشارات عند هذه الناقلة وحدها. فقد رُصدت في الأيام الأولى من العام الجديد مغادرة نحو إثنتي عشرة ناقلة أخرى محمّلة بالنفط والوقود الفنزويلي، مع تعطيل أجهزة الإرسال الخاصة بها في مشهد يعكس فوضى إنتقالية وإختلاط السياسة بالإقتصاد، وهنا النفط مرة أخرى يسبق القرارات الرسمية ويعبّر عن إتجاه الرياح قبل الإعلان عنه. أما الرئيس مادورو نفسه، فظهر للمرة الأولى أمام القضاء الأمريكي في نيويورك، لا بصفته رئيساً مخلوعاً في نظر واشنطن، بل بصفته أسير حرب كما وصف نفسه وهو يغادر قاعة المحكمة. كانت كلماته القصيرة بالإسبانية كافية لإشعال جدل قانوني وسياسي واسع: هل يحق للولايات المتحدة الأمريكية إعتقال رئيس دولة ذات سيادة ومحاكمته على أراضيها؟ محاموه أكدوا إن موكلهم لم يطلع حتى على لائحة الإتهام قبل مثوله، وأنه لا يعرف حقوقه القانونية، ما فتح الباب أمام طعن مرتقب في قانونية الإعتقال برمته، قبل الخوض في أي تفاصيل إتهامية. وحددت المحكمة الأمريكية السابع عشر من مارس موعداً للجلسة المقبلة، وإقتيد الرئيس مادورو وزوجته سيليا فلوريس إلى مركز إحتجازهما من دون قيود، رافضين طلب الإفراج بكفالة ومتمسكين بموقعيهما كرئيس وسيدة أولى لدولة ذات سيادة. وهناك في السجن الفيدرالي في بروكلين يقبع الرئيس الفنزويلي وزوجته كأحدث الأسماء اللامعة التي تُضاف إلى قائمة طويلة من الشخصيات البارزة التي مرّت من هنا، فهو سجنٌ إشتهر أكثر بإنتقاداته المتواصلة مما إشتهر بانضباطه. يتسع لنحو 1600 سجين، ويُعد المنشأة الفيدرالية الوحيدة في مدينة نيويورك المخصصة لمن ينتظرون محاكماتهم أمام القضاء الفيدرالي. لكن هذا المكان ليس مجرد مبنى للإحتجاز. إنه مسرح لحكايات مظلمة ومتكررة. في ممراته إحتُجز مؤخراً نجم الهيب هوب الأمريكي شون “ديدي” كومز، وشريكة الملياردير الأمريكي المتحرش جيفري إبستين غيلاين ماكسويل، وقبلهم رئيس من أمريكا اللاتينية، خوان أورلاندو هيرنانديز من هندوراس، المتهم بالإتجار بالمخدرات، والذي لم يغادر السجن إلا بعد عفو منحه إياه الرئيس الأمريكي ترامب. وتاريخ السجن هذا مثقل بالحوادث، كما أنه يعاني من فساد الطعام، وعنف خارج عن السيطرة ونقص حاد في الرعاية الطبية.
على الضفة الأخرى من المشهد، خرجت زعيمة المعارضة الفنزولية ماريا كورينا ماتشادو من المنفى السياسي إلى واجهة الأحداث. رحبت بالإجراءات الأمريكية ووصفتها بأنها خطوة للحرية والكرامة الإنسانية، مؤكدة نيتها العودة إلى فنزويلا في أقرب وقت. غير أن موقفها لم يحظَ بإجماع داخلي، بل قوبل بتشكيك حتى من واشنطن نفسها، حيث قلل الرئيس ترامب علناً من وزنها الشعبي. وفي كولومبيا، حيث لجأ منذ سنوات جنود وضباط منشقون عن الأجهزة الأمنية الفنزويلية، ساد شعور مختلط بين الدهشة والترقب. إعتقال الرئيس مادورو أعاد إحياء أحلام العودة وتأسيس قيادة جديدة كما يقولون، وإعادة بناء الجيش ومؤسسات الدولة. لكن في الواقع القيادة العسكرية العليا داخل فنزويلا حتى الآن ما زالت موالية للنظام القائم. وسط هذا كله، عادت الأزمة الإنسانية إلى الواجهة! الأمم المتحدة فجأة حذرت من أن نحو ثمانية ملايين فنزويلي بحاجة عاجلة إلى مساعدات غذائية وصحية، في ظل إقتصاد منهك وعقوبات خانقة. من أين أتت هذه الأرقام والإحصاءات؟ إذن الغاية منها خلق حالة من الفوضى بين الطبقات الشعبية في المجتمع وطبعاً أردفت تحذيرها هذا بضرورة ضبط النفس! هذا الطلب الذي وكما يبدو لا يُطلب سوى من الأطراف سواء كانت دولاً أو مجتمعات تحررية لا تطمح سوى لنيل حريتها الكاملة وعلى مختلف الأصعدة سواء السياسية أم الإقتصادية أو السيادية، بينما الدول التي تُوصف بالمتقدمة والمتطورة لا يُطلب منها ضبط نفسها الأمارة بالسوء!
في النهاية، إعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ليس مجرد حدث سياسي، ولا حتى أزمة دولية عابرة، بل هو تحول في القاعدة نفسها. قاعدة تقول إن الرئيس محصّن، الدولة لا تُختطف، والسيادة خط أحمر، وهذه القاعدة تصدّعت. والآن العالم دخل مرحلة جديدة، حيث يُستبدل الإحتلال بالضربة الدقيقة وتُستبدل الحرب بالمحكمة وتُستبدل الإطاحة الشاملة بإنتزاع الرأس. والسؤال الذي يُطرح الآن بما أنه ليس هناك من يوقف عنهجية أمريكا وترامب “المسالم”: من التالي؟
واشنطن في بداية العام 2026 تفتح فصلاً جديداً في تاريخ تدخلها في العالم وتحديداً في أمريكا اللاتينية، فصلاً يتجاوز الرسائل السياسية التقليدية إلى إعلان صريح عن إعادة رسم خرائط النفوذ. ولم يكن إعلان وزارة الخارجية الأمريكية أن نصف الكرة الغربي منطقة نفوذ خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية مجرد تصريح عابر، بل خلاصة مسار متكامل تسعى واشنطن من خلاله إلى تثبيت هيمنة شاملة على فضاء تعتبره إمتداداً مباشراً لأمنها القومي. فبحسب الرئيس ترامب فإن ما جرى في كراكاس ليس عملية عسكرية معزولة بل خطوة محسوبة في إطار إستراتيجية أوسع تهدف إلى منع أي قوة دولية منافسة سواء كانت روسيا أو الصين أو غيرهما من ترسيخ موطئ قدم لها في أمريكا اللاتينية، ومن هنا جاء تزامن العملية مع تصريحات الرئيس ترامب الغاضبة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين قال: “لست راضياً عن بوتين”! في إشارة إلى أن الصراع على النفوذ لم يعد محصوراً في أوكرانيا أو شرق أوروبا، بل يمتد إلى ما تعتبره واشنطن ساحتها الخلفية. وترامب الذي ظهر واثقاً ومتباهياً بالعملية، لم يكتفِ بإستحضار “مبدأ مونرو” التاريخي وهو مبدأ في السياسة الأمريكية نشأ قبل أكثر من قرن ومفاده أن أمريكا اللاتينية ينبغي أن تكون منطقة نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية محظورة على القوى الأجنبية، بل أعلن عملياً تجاوزه حين قال إن واشنطن أعادت تسميته بـ”عقيدة دونرو”. بهذا التلاعب اللفظي المقصود، أراد الرئيس الأمريكي إيصال رسالة مزدوجة: الأولى إن واشنطن ترى نفسها الوريث الشرعي والحصري لقيادة النصف الغربي من الكرة الأرضية، والثانية أن زمن الإكتفاء بالتحذيرات الدبلوماسية قد إنتهى ليحل محله زمن الفعل المباشر والقوة الصلبة. ووجهت واشنطن إنذاراً واضحاً لدول الجوار، حيث حذر الرئيس ترامب أولاً كولومبيا، متهماً قيادتها بالتغاضي عن شبكات تهريب المخدرات نحو الولايات المتحدة الأمريكية وهذا نوع من أنواع الضغط السياسي والأمني “الترامبي” يهدف إلى إعادة ضبط موقف بوغوتا ومنعها من الإنخراط في أي مسار إقليمي مناهض للسياسة الأمريكية، ولاحقاً وصل التهديد إلى كوبا بعدما لمح ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو إلى أن هافانا قد تكون المحطة التالية في إطار الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في النصف الغربي من الكرة الأرضية. تصريحات روبيو التي قال فيها إن على الحكومة الكوبية أن تشعر بالقلق لم تترك مجالاً للشك بأن واشنطن تنظر إلى النظام الكوبي بوصفه إمتداداً لمحور خصومها في المنطقة، وإن مرحلة ما بعد كاراكاس قد تحمل تصعيداً أشد إتجاه الجزيرة. وتهديد روبيو لكوبا لم يكن من فراغ، فروبيو المولود لعائلة مهاجرة من كوبا يطمع بأن يعود إلى جذوره كجزء من أمريكا، وهو نفسه من كان العقل المدبر لعملية إعتقال الرئيس مادورو وليس ترامب! فهو لم يُخفِ يوماً عداءه العميق للرئيس الفنزويلي الذي يراه إمتداداً للنموذج الكوبي الذي حاربه سياسياً منذ بداياته. منذ الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، دفع روبيو بإتجاه تشديد العقوبات، ووصم مادورو علناً بـ”الديكتاتور المرتبط بالمخدرات”، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً وهو إسقاطه، وإخراجه من المعادلة بأي ثمن. ومع عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، صعد نجم روبيو بشكل غير مسبوق. لم يعد مجرد وزير خارجية يدير الدبلوماسية التقليدية، بل تحوّل إلى لاعب مركزي في هندسة النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية والعالم. تكليفه بقيادة ملف “إعادة بناء فنزويلا” لم يكن ترقية بروتوكولية، بل إسناد لأخطر دور تولاه في مسيرته السياسية، دور يجمع بين السياسة، العقوبات، التدخل العسكري وإدارة ما بعد الصدمة. وخلال الأشهر التي سبقت العملية الخاطفة، عاش روبيو عملياً داخل البيت الأبيض. نادراً ما غادره وإتخذه قاعدة لعملياته، فيما إقتصرت زياراته لوزارة الخارجية على الإجتماعات الضرورية فقط. وفي عطلات نهاية الأسبوع كان يقضي وقته إلى جانب الرئيس ترامب في فلوريدا متجنباً السفر الخارجي موفداً نائبه بدلاً عنه. كل ذلك كان مؤشراً على إنغماسه الكامل في ملف واحد وهو عقدته الأسياسية “فنزويلا”. وإلى جانبه كان نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، الرجل المعروف بتشدده الآيديولوجي، شريكاً أساسياً في صياغة الإستراتيجية. داخل دائرة ضيقة جداً، إستُبعدت شخصيات بارزة من بينها ريتشارد غرينيل السياسي الأمريكي والدبلوماسي الذي كان قد أوفده الرئيس ترامب سابقاً إلى فنزويلا. التخطيط لمرحلة اليوم التالي لسقوط الرئيس مادورو جرى في مكتب ميلر، بعيداً عن المؤسسات التقليدية، في مشهد يعكس مركزية القرار وضيق دائرته. وإتفق روبيو وميلر على إستراتيجية هجومية متعددة المراحل. بدأ الضغط إقتصادياً وسياسياً، ثم تصاعد عسكرياً. رأى روبيو أن خنق النظام هو الطريق الأسرع لإجباره على الإنهيار، فيما إعتبر ميلر أن التعامل مع مادورو بوصفه “تاجر مخدرات يقود شبكة إجرامية” يخدم المصالح الأمريكية أكثر من أي مقاربة دبلوماسية أو إنسانية. واشنطن اليوم تكمل سياستها إتجاه فنزويلا، حيث طالبتها وبكل وقاحة وصلف بقطع كل أشكال التعاون مع الصين وروسيا وكوبا وإيران، وطرد المشتبه بإنتمائهم لأجهزة إستخبارات هذه الدول. فيما لوّح الرئيس ترامب بعملية عسكرية ثانية في فنزويلا حال عدم الإمتثال، فيما لمَح وزير الخارجية روبيو إلى حجر نفطي يمنح الولايات المتحدة الأمريكية نفوذاً غير مسبوق على النفط الفنزويلي. ولم يتوقف الضغط عند هذا الحد. وُضع وزير الداخلية الفنزويلي ديوسدادو كابيو ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو على قائمة الأهداف التالية لواشنطن، وزير الدفاع الفنزويلي يواجه هو الآخر إتهامات أمريكية بالإتجار بالمخدرات وعُرضت مكافأة مالية للقبض عليه على غرار رئيسه مادورو قبل إعتقاله. ونُقلت رسائل عبر وسطاء تحذر كابيو من مصير مشابه للرئيس مادورو إن لم يتعاون مع الرئيسة المؤقتة رودريغيز على تلبية مطالب واشنطن، وهو من القلائل الموالين للرئيس الفنزويلي الذين قررت إدارة الرئيس ترامب الإعتماد عليهم كحكام مؤقتين خلال المرحلة الإنتقالية. في المقابل، ترى واشنطن أن تعاون بادرينو حاسم لتجنب فراغ السلطة، وتعتبره أقل تشدداً وأكثر إستعداداً من كوبيو لضمان “خروج آمن”. الرهان الأمريكي الآن يقوم على الإعتماد مؤقتاً على كبار مساعدي مادورو أنفسهم لإدارة البلاد، تفادياً للفوضى ولضمان وصول شركات النفط الأمريكية إلى الإحتياطيات الهائلة دون نشر قوات برية. وهذا التدخل الأمريكي في فنزويلا أثار مخاوفاً في إفريقيا أيضاً حيث تصاعدت هناك كذلك نبرة التساؤلات عن من التالي، وبرزت أسماء مناطق حساسة مثل إقليم كابو ديلغادو في موزمبيق الغني بالنفط والمثقل بالعنف المسلح، وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تتقاطع النزاعات مع ثروات هائلة من الأحجار الكريمة والعناصر الأرضية النادرة، فضلاً عن إتفاقيات سلام هشة ترتبط بعقود مربحة للولايات المتحدة الأمريكية وإعتراف الرئيس ترامب بأن النفط كان هدفاً رئيسياً للعملية أسقط كل الأقنعة، فاليوم الهدف كان النفط الفنزويلي، وغداً سيكون الغاز الإفريقي أو الذهب أو اليورانيوم أو الليثيوم، لكن تكرار السيناريو الفنزويلي في إفريقيا ليس وشيكاً. ففنزويلا تحتل موقعاً جيوسياسياً فريداً فلديها قوة نفطية كبرى وهي خصم تاريخي لواشنطن كما تقع في منطقة تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية مجالها الحيوي. ومع ذلك يبقى التوتر قائماً وتبقى القارة السمراء بثرواتها وصراعاتها تراقب المشهد العالمي بعيون قلقة خشية أن تتحول من مجرد متفرج إلى ساحة مواجهة جديدة في عالم تتراجع فيه سلطة القانون أمام منطق القوة.
ولن نتجاهل التوتر البحري بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الذي تصاعد الآن قرب السواحل الفنزويلية، فعقب قرار موسكو إرسال غواصة وقطع بحرية لمرافقة ناقلة نفط “مثيرة للجدل”، في خطوة إعتبرتها واشنطن تحدياً مباشراً لسياسة الحصار التي تفرضها على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات. وتعود جذور الأزمة إلى ناقلة نفط قديمة كانت تُعرف باسم بيلا 1 سفينة فارغة من الشحن، لكنها مثقلة بالدلالات السياسية. فمنذ أكثر من أسبوعين، حاولت الرسو في موانئ فنزويلا لتحميل النفط، غير أن محاولاتها باءت بالفشل، لتتحول سريعاً إلى هدف لملاحقة خفر السواحل الأمريكي الذي تعقّبها حتى أعماق المحيط الأطلسي. وتأتي هذه الملاحقة في إطار حملة أمريكية أوسع لمواجهة ما تصفه بـ”أسطول الظل”، المتهم بنقل نفط خاضع للعقوبات الدولية، سواءاً من فنزويلا أو روسيا. وشهدت الأزمة منعطفاً لافتاً في ديسمبر الماضي عندما تصدى طاقم الناقلة لمحاولة أمريكية للصعود إليها. أعقب ذلك تحرك رمزي تصعيدي، إذ رسم الطاقم علماً روسياً بشكل بدائي على هيكل السفينة، وغيّر إسمها إلى مارينيرا، قبل أن تُسجَّل رسمياً تحت العلم الروسي. وفيما طالبت موسكو واشنطن بوقف ملاحقة السفينة، واصل خفر السواحل الأمريكي تعقّبها في المحيط الأطلسي حتى قام في هذه الأثناء بعملية إنزال جوي على السفينة، والخطير هنا أن أي محاولة أمريكية جديدة لإقتحام الناقلة بالقوة ستفتح الباب أمام ردود فعل روسية، وربما من دول حليفة لموسكو مثل الصين وصديقة مثل إيران، ما ينذر بتوسّع دائرة التصعيد في واحد من أكثر المسارح البحرية حساسية! والفرقاطة الألمانية زاكسن أبحرت ضمن مهمة للناتو في شمال الأطلسي في رسالة سياسية بقدر ما هي عسكرية. ومع ذلك، يدرك الأوروبيون إعتمادهم العميق على المظلة الأمريكية، وهو ما تراهن عليه واشنطن.
وهكذا، لا تبدو العملية الليلية في كراكاس سوى الشرارة الأولى في مشروع أوسع، تسعى من خلاله واشنطن إلى تثبيت هيمنة مطلقة وإغلاق الباب نهائياً أمام أي نفوذ أجنبي في فضاء تعتبره مجالها الحيوي. مشروع يعيد إلى الأذهان منطق الإمبراطوريات، ولكن بوجه أمريكي حديث وخبيث، وشعار واحد لا لبس فيه: هذا نصف الكرة الخاص بنا، ومن يخرج عن هذا الخط، سيكون الهدف التالي! خصوصاً في ظل تجاهل لافت لضرورة كبح الولايات المتحدة الأمريكية عند حدودها، بينما تواصل توظيف الخيانة كأداة مركزية ضمن ترسانتها من القوة المصطنعة، وفي ظل التعامل مع التحذيرات وتقارير الإستخبارات المسرّبة بإستخفاف أو إهمال. فحتى الرسالة التحذيرية التي أوصلها ضابط سابق مقرّب من دائرة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لجهة صديقة للرئيس مادورو وثوقة له ومنه في آخر نوفمبر الماضي أي في العام 2025 والذي أبلغهم بوضوح إلى إن إدارة الرئيس ترامب لا تسعى وغير ذاهبة إلى حرب مفتوحة على فنزويلا ولا إلى غزوها على غرار العراق بل ستقوم بإختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وإقتياده الى أمريكا، هذا التحذير لم يُقرأ في سياقه الحقيقي، ولم يُؤخذ كإنذار مبكر، فلماذا أُهمل هذا!؟ وهنا يتساءل أيضاً أي مواطن سوي لماذا مقابل كل عربدة وإستهتار يمارسها ترامب الأرعن أو ذراعه الشريرة نتنياهو تُقابل بجبن مُهين من قبل كل الأنظمة التحررية لا فقط العربية والإسلامية، فهل زمن الشهامة والرجولة ولّى في دولنا؟! هناك مقولة تقول “إذا خانتك قيم المبادئ، فتذكر قيم الرجولة” فماذا سيحصل لو تُطوّق السفارة الأمريكية في كاراكاس ويُعتقل سفيرها مع الكادر الديبلوماسي ليقايضوا رئيسهم الشرعي بهم؟ والأمثلة عديدة… فهم باتوا يستمدون قوتهم من جُبن خصومهم!




