
في ظاهر المشهد تبدو أزمة المقاتلات التركية الأربع من طراز F-35 خلافاً عسكرياً تقنياً بين أنقرة وواشنطن، لكنها في حقيقتها ملف سياسي متفجر يكشف حدود القوة الأميركية داخل الناتو وحدود استقلال القرار التركي في زمن لم تعد فيه التحالفات الغربية قادرة على فرض خطوطها الحمراء كما اعتادت. فهذه الطائرات، التي دفعت تركيا ثمنها كاملاً، لا تزال منذ عام 2019 مركونة في مستودع بقاعدة عسكرية في كاليفورنيا، في واحدة من أكثر عمليات الاحتجاز السياسي وضوحاً خلال العقود الأخيرة. أربع طائرات مدفوعة الثمن، مثبتة على أرض أميركية بقرار سياسي لا علاقة له بالعقود ولا بالقوانين، بل برسالة أميركية تقول لتركيا: “لن تدخلوا التكنولوجيا الأميركية المتقدمة ما دمتم تتجرؤون على شراء السلاح الروسي”.
ما يؤكد الطبيعة السياسية للقضية هو أن الولايات المتحدة تتحمل منذ خمس سنوات نفقات صيانة الطائرات من ميزانيتها، فقط لإبقائها كأداة ضغط مفتوحة. الملفات العسكرية لا تُدار بهذه الطريقة، ولا تُجمّد طائرات جاهزة للصعود إلى السماء لمدة نصف عقد إلا حين تريد واشنطن تجميد دولة كاملة لا طائرة واحدة. ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يخرج دونالد ترامب في سبتمبر الماضي ليعلن إمكانية الإفراج عن الطائرات، شرط أن يقدّم أردوغان تنازلات تخدم المصالح الأميركية. فالمسألة ليست في سلاح الطائرة، بل في سلوك الدولة.
السفير الأميركي توماس باراك حاول أن يبدو أكثر دبلوماسية حين تحدث عن أمل بحل الأزمة خلال أشهر، لكن تصريحاته اللاحقة كشفت الحقيقة التي يمكن قراءة ما بين سطورها بسهولة: واشنطن تفقد قدرتها على فرض استراتيجيات طويلة الأمد، بينما القوى المنافسة تخطط لخمسين ومئة عام، وتركيا تستفيد من هذا الفراغ لفرض واقع جديد على الأرض. حين ينتقد سفير أميركي، من داخل تركيا، أوروبا لأنها ترفض تسليح أنقرة رغم اعتبارها جزءاً أساسياً من دفاع القارة، فهو يكشف شيئاً أكبر: الغرب لا يعرف كيف يتعامل مع تركيا الجديدة، تلك التي لم تعد تقبل دور “العضو المنضبط” داخل الناتو، ولا تتردد في شراء S-400 من موسكو رغم الغضب الأميركي.
جذور الأزمة معروفة. أنقرة اشترت منظومة الدفاع الروسية عام 2017 واستلمتها عام 2019 رغم الضغط الأميركي. واشنطن ردت بقرارات عقابية، أخرجت تركيا من برنامج F-35، وفرضت عقوبات CAATSA، وألغت مذكرة التفاهم المشتركة. لكن ما لم يُقل بشكل مباشر هو أن القرار الأميركي لم يكن عقاباً على شراء S-400 فقط، بل رسالة بأن أي دولة تحاول كسر احتكار السلاح داخل الناتو ستُعاقَب، وأن الاستقلال الدفاعي خارج المظلة الأميركية هو خط أحمر. تركيا كسرت هذا الخط. وهذا ما لا تغفره واشنطن.
- نيقولاي غوغول – مبدع سيبقي حيارغم محاولة انتحاره (الجزء الأول)

- لماذا امتنعت روسيا والصين عن التصويت على مشروع قرار البحرين

- ويتكوف و”مبادرة ترامب” و”صحوة الخليج”

- رامي الشاعر لـ”ماتريوشكا نيوز”: موسكو تستبعد تورط سوريا في لبنان وتحذر من إدانة إيران منفردة

- مكالمة بوتين وترامب وخفض التصعيد في الشرق الأوسط

وما يزيد القضية حساسية وخطورة أن الطائرات الأربع ليست مجرد سلاح عالق، بل رمز لصراع أكبر بكثير: صراع على قيادة المنطقة، على النفوذ في البحر الأسود وشرق المتوسط، على العلاقة مع موسكو، وعلى مستقبل الناتو نفسه. تركيا اليوم تستعيد قدرتها على المناورة، تبني صناعاتها الدفاعية، تصدر طائراتها المسيرة إلى مناطق الجامعة الأميركية التقليدية، وتفرض شروطاً جديدة داخل التحالف. وواشنطن، التي تجد نفسها أمام حليف لم يعد يخضع، تمسك بملف F-35 كورقة ابتزاز سياسي مؤجلة، بينما تتحول الطائرات الأربعة إلى شاهد على حدود الردع الأميركي المتراجع.
باراك قال إن معظم الملفات العالقة بين واشنطن وأنقرة قد تُحل خلال أربعة إلى ستة أشهر. لكن من يتابع ديناميات القوة يدرك أن الملف ليس تقنياً ولا زمنه قابل للقياس. فالأزمة ليست أزمة طائرات، بل أزمة علاقة كاملة تنهار ببطء: علاقة حليفٍ يريد الاستقلال الاستراتيجي، وقوة عظمى تخسر احتكارها على القرار العسكري لدول الناتو. وحين تفقد واشنطن قدرتها على المعاقبة، تلجأ إلى تجميد المقاتلات، كمن يحاول إيقاف التاريخ بإغلاق باب مستودع في كاليفورنيا.
ما يجري ليس نزاعاً على طائرات، بل على مستقبل التحالف الغربي. وإذا كان هناك شيء ثابت في هذا الملف، فهو أن الطائرات الأربع لن تقلع قبل أن يتضح مَن يمسك برافعة القوة في الشرق الأوسط: أميركا التي تضع شروطها من السماء، أم تركيا التي تتصرف على الأرض وكأن زمن الإملاءات الغربية قد انتهى.





بسم الله الرحمن الرحيم
الكاتبة العزيزة، أحسنتِ القراءة و التحليل في خلاصة جمعتي فيها الأزمة القائمة و الأسباب المعلنة و الضمنية، و رسمتي بأحرفك الجميلة ما حفظته أوراق الماضي في خباياها، و كان المشهد السياسي الحالي دليلا عليها.
عزيزتي ريم إن ما يحمله مقالك في جمله التي صاغتها أناملك المرهفة باتقانٍ لا بد له من منح القارئ عبرةً تتكرر عبر القرون و لا يحموها انسياب الزمان، حيث ترانا نجد أنَّ ما يحدث مع هذا البلد أو ذاك ما هو إلا دليل على أنَّ من يركن في حياته إلى الظالمين لا بد له من أن يلطخ جبينه بالمهانة و سيرتدي ثوب المذلة، و إن بدا متمردًا على ظالمه في بعض الأحيان، و من يخرج من أمته ليمد يد التعاون لغيرها من الخارجين عليها وعلى قيمها لن يجد يدًا تصافحه في منتصف الطريق بل سيكون هناك خداع و مراوغة. إن باب العودة مفتوح طالما لم تنتهِ انفاس العابرين في هذه الحياة الدنيا.
سلمت يداكِ عزيزتي و إلى مزيد من التألق و السطوع في حياتك و مستقبلك.