صحافة وآراء

نيقولاي غوغول – مبدع سيبقي حيارغم محاولة انتحاره (الجزء الأول)

د. أيمن أبو الشعر


غوغول الذي سيطرت الكآبة على مجمل حياته في السنين الأخيرة كان يدفع القارئ إلى الضحك والتفكير العميق فيما يطرحه
• في فبراير عام 1852 تردت صحة غوغول جسديا وعقليا وامتنع عن تناول الطعام ليعاقب نفسه معتبرا انه كان مذنبا فيما كتب

توطئة
حالات التمزق والاكتئاب الشديد والوصول إلى الجنون أو ما يشبهه الجنون، وعدم التجانس مع الواقع ظاهرة رافقت المبدعين الكبار عموما، وخاصة العباقرة منهم بشكل ذاتي مباشر أو من خلال ظروف تراكمت نتيجة تميُّز بعض هذه الشخصيات عبر ظروف سياسية استثنائية أحيانا أسفرت عن مقتلهم في مبارزة كبوشكين على يد البارون دانتيس وليرمنتوف على يد مارتينوف، واتهم بيتر تشادايف بالجنون رسميا ومنعت أعماله في الامبارطورية الروسية، ناهيك عن الوضع النفسي الذي تردى بتسارع لدى كل من ماياكوفسكي ويسينن ودفع إلى انتحارهما، بل إن مكسيم غوركي مرَّ بحالات نفسية سيئة جدا أيام شبابه وحالة اكتئاب شديد وحاول الانتحار بأن أطلق النار على صدره عام 1887 ، وأنهت الشاعرة ماريا تسفيتايفا حياتها شنقا عام 10941 نتيجة حالة يأس وعزلة وتصدع نفسي وفقدان الأمل…

على أن هذه الظاهرة منتشرة عالميا أيضا فقد أصيب الكاتب المسرحي الأمريكي تينسي وليمز باضطرابات نفسية حادة حتى أنه توفي مختنقا بسبب بلعه غطاء علبة الدواء، وأصيبت الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف بالاكتئاب الشديد وانتحرت غرقا عام 1941، وأنهت الروائية الأمريكية سيلفيا بلاث حياتها عام 1963 نتيجة انهيار نفسي وحالة اكتئاب شديدة بأن حشرت رأسها في فرن غازي واستنشقت فيه أول أوكسيد الكربون، وكانت في الثلاثين من عمرها ، وانتحر الكاتب العالمي الشهير ارنست همنغواي عام 1961 أيضا نتيجة الاكتئاب، وفي قرننا الحالي شنق الروائي الأمريكي ديفيد فوستر والاس نفسه عام 2008 بعد أن توقف عن الكتابة وامتنع عن تناول أدويته… وكثير غيرهم من المبدعين الكبار والعباقرة، ما يشير إلى أن الأمر لم يكن مقتصرا لا على غوغول ولا على الأدباء الروس.

سيرة متوقدة في العزلة
ليس في مسار حياة غوغول أحداثا خارقة نوعية، لكن مجمل ما مر به من انعطافات ومنغصات ساهم في تكوين شخصية انعزالية انتهت بحالة اكتئاب وسوداوية وصلت حد اللوثة العقلية، فقد ولد في الأول من أبريل عام 1809 في الريف الأوكراني وانعكست الحياة الفلاحية والطباع القوزاقية في بنيته الشخصية منذ الطفولة، “والتي ستنعكس أصداؤها بعد سنين طويلة في روايته “تاراس بولبا التي تحتاج إلى وقفة خاصة”، وكان والده كاتبا مسرحيا في إطار الفولوكلور المحلي، وقد توفي عام 1825 أي وهو بعد مراهق، ثم غادر غوغول وهو في العشرينات من عمره إلى عاصمة الشمال بطرسبورغ بحثا عن وظيفة حكومية بسيطة، وعايش العوز، وحاول أن يكسب بنشر مجموعة شعرية على حسابه إلا أنها لم تلق رواجا، وفشلت فشلا ذريعا، كل ذلك سينعكس لاحقا على بعض مؤلفاته وطباعه حيث جمع نسخ المجموعة وأحرقها يائسا ، “وسيقوم بعد قرابة ثلاثين عاما وهو بحالة يأس بحرق الجزء الثاني من مؤلفه الأنفس الميتة”، كما حاول الهجرة إلى أمريكا عبر ألمانيا إلا أنه فشل من جديد لعدم وجود المال ، فعاد أدراجه إلى بطرس بورغ، وتمكن أخيرا من الحصول على وظيفة حكومية لكن براتب زهيد ولا يلبث أن يترك هذه الوظيفة، ويترك غيرها إلى أن غدا مدرسا في مدرسة داخلية للبنات، ثم بدأ اسمه يتردد على الشفاه حين نشر مجموعة قصصية عام 1831 ثم فشل أيضا في التدريس في قسم التاريخ في الجامعة حيث ظهرت ملامح الخجل الشديد في شخصيته.

ازدياد تردي الوضع النفسي لغوغول
يلفت النظر في هذا السياق أن الوضع النفسي لغوغول تردى بسرعة في أيامه الأخيرة، لكنه كان عموما يعاني من حالة شك عميق بذاته أدى إلى ازدياد غوصه تدريجيا بعزلته، ناهيك عن بعض الاضطرابات المعوية المزمنة التي كانت من بين أسباب عزلته هذه، ويلاحظ الدارسون لحياة غوغول أنه كان واقعيا يعاني من صراعات داخلية عميقة، وهواجس وتخيلات أبعدته عن الواقع ووصل به الأمر حد الشك بقدراته الإبداعية ما يجسد صراع العبقرية مع كينونتها، ووصل به الأمر إلى الانغلاق الكلي وفقدان الأمل في شهر فبراير من عام 1852 بل وغاص في المازوخية عبر تنامي الشعور بالذنب من خلال امتناعه عن الطعام كتعويض عن خطاياه المتخيلة، فتدهورت حالته الجسدية والعقلية، وخاصة بتوجهه المتطرف إلى الدين كملاذ، وتأثير القس المتطرف دينيا ماتفي قسطنطينوفسكي ذي النزعة التحريمية عليه ما دفعه إلى إحراق الجزء الثاني من ملحمته الرائعة نفوس ميتة.

انعكاسات الوضع النفسي والحياتي على نتاجات غوغول
يعتبر نيقولاي غوغول أحد أهم الكتاب الروس بل أحد أبرز الأدباء العالميين حيث لا تزال قصصه ومسرحياته فعالة بقوة حتى الآن، وما يهمنا هنا هو مدى انعكاس بعض الظروف والملامح من حياة هذا الكاتب على نتاجاته وخاصة الشهيرة جدا منها، “سنتناول هذا الأمر نظريا هنا وتطبيقيا عبر التحليل في الجزء الثاني” من هذه الدراسة.

نستطيع القول بثقة أن معاناته الشخصية والظروف المحيطة به انعكست في أعماله بشكل جلي جدا، سواء من خلال تجسيد إحساس الكائن الاجتماعي الهامشي ومن يمكن تسميه بالرجل الصغير “حيث مر بهذه الحالة” كما في المعطف ليبرز هذه المعاناة الإنسانية التي عاش جانبا منها في بطرس بورغ، أو من خلال فضح الفساد الحكومي والاجتماعي والنفاق والبيروقراطية والذي كان ظاهرة فاضحة مستشرية، كما في المفتش العام ونفوس ميتة، وكل ذلك بأسلوب فني مميز جدا عبر استخدام ما يمكن اعتباره ظلالا من أسلوب الملهاة السوداء، كونه كان يميل فنيا إلى استخدام الطابع الفكاهي في ظروف مأساوية، كما لو أنه يريد بذلك التأثير نفسيا بالطابع الفكاهي، والتنبيه فكريا من خلال المضمون إلى الحالة المَرضية الخطيرة في المجتمع، كما أنه تطرق حتى إلى ما يشبه أدب اللامعقول، قبل ظهور هذه المدرسة أو التيار الأدبي بحوالي قرنين من الزمن، من خلال استخدام بعض الملامح الأسلوبية التي تقترب من الهلوسة القريبة من العبثية كما في قصته “الأنف” و “صورة الفنان” ، كما أن حضور الأجواء الدينية كان مبثوثا في معظم مؤلفاته، ويمكن عموما اعتبار أسلوبه الفني متنوعا إلى حد ما، وكان لغوغول عمليا الفضل في ظهور المدرسة الطبيعية الروسية من خلال اهتمامه ببعض التفاصيل واعتماد تصوير الحياة الواقعية للمجتمع، وخاصة الطبقات الفقيرة ومعاناتها اليومية بصدق، إلى جانب مزج الكوميديا السوداء بعوامل وأجواء التعاسة الشخصية، ممهدا بذلك لظهور الواقعية النقدية في روسيا.

وسنتناول في الجزء الثاني عددا من أعماله بالتحليل التطبيقي انطلاقا مما جاء في الجزء الأول من أن أجواءه النفسية ومعاناته الحياتية المختلفة انعكست بوضوح في أهم أعماله، التي من الواضح أنها ستعيش دهورا مديدة، ويبقى غوغول الذي حاول أن ينهي حياته التي سيطرت عليها الكآبة نبراسا حيا للكوميديا السوداء التي تترك أكبر الإثر في نفوس القراء، وتدفعهم للضحك والغوص نحو الحقيقة التي يقصدها الكاتب بآن معا.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى