دولي

أمريكا اللاتينية بين إرث الثوار وعودة عقيدة الهيمنة

ماتريوشكا نيوز

بعد التطوّرات التي شهدها العالم في الآونة الآخيرة، والتي تشير إلى عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الإعتماد الواضح على عقيدة مونرو، القائمة على اعتبار أمريكا اللاتينية مجال نفوذ حصرياً للولايات المتحدة الأمريكية، اتّجهت واشنطن إلى تبنّي نهج أكثر صرامة، يجمع بين الضغط الإقتصادي المباشر وإستخدام القوة العسكرية، ولا سيما في فنزويلا، ومنطقة البحر الكاريبي، وكولومبيا.

هذا التحوّل يعيد إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من الصراع والمقاومة في أمريكا اللاتينية، قاده رجال شكّلوا عبر أزمنتهم رموزاً للتحرّر والسيادة ورفض الهيمنة الخارجية.

يبرز في هذا السياق فرانسيسكو ميرندا (1750–1816)، الذي يُعد نذير الإستقلال في أمريكا اللاتينية، وأول مفكّر أبيض حلم بحرية كاملة للقارة. جاب ثلاث قارات، أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأوروبا، بحثاً عن حلفاء لمشروعه الطموح القائم على إنشاء دولة مستقلة كبرى حملت لاحقاً اسم “كولومبيا العظمى”، تضم معظم دول أمريكا اللاتينية. خاض معارك متعددة، وصمّم العلم ثلاثي الألوان الذي لا يزال يُستخدم حتى اليوم في كولومبيا، والإكوادور، وفنزويلا. انتهت حياته في أحد السجون الإسبانية، بعدما فشل في تحقيق حلمه بنفسه، ليحقّقه الآخرون من بعده. وتأتي الإشارة إلى فنزويلا هنا في سياق معاصر، بعد تعرّضها لهجوم عسكري أمريكي في عهد الرئيس ترامب، أفضى إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى السجون الأمريكية.

وفي المكسيك، برز ميغيل هيدالغو إي كوستيلا (1753–1811)، بوصفه مؤسّس النضال من أجل الإستقلال وأحد أبرز رموزه. قاد التمرّد المعروف بصرخة دولوريس ضد الحكم الإستعماري الإسباني في “إسبانيا الجديدة”، وشكّلت صورته رمزاً للكفاح الشعبي، على الرغم من أن الحركة التي قادها سُحقت عسكرياً في بداياتها.

إلى جانبه، ظهر خوسيه ماريا موريلوس إي بافون (1756–1815)، الذي يُعد المنظّر الآيديولوجي للمكسيك المستقلة. انضم إلى حركة هيدالغو، وألغى العبودية، ودافع ببسالة خلال حصار كواوتلا، كما عقد أول مؤتمر وطني مستقل قدّم فيه وثيقة “مشاعر الأمة”، التي أسّست للهوية السياسية للمكسيك. أُعدم لاحقاً، إلا أن إرثه الفكري لعب دوراً محورياً في توحيد المكسيكيين.

أما في البرازيل، فقد شكّل تيرادينتيس (1746–1792) أحد أبرز رموز مقاومة الإستعمار. كان عضواً في مجموعة من المناضلين في إقليم ميناس غيرايس، ودفع ثمناً باهظاً لمواقفه، حيث أُعدم عام 1792، وقُطّع جسده إلى أربعة أجزاء وعُرضت على العامة كرسالة ردع ضد أي تمرّد مستقبلي. رغم ذلك، تحوّل إلى “بطل قومي” ورمز دائم للنضال البرازيلي.

ويحتل سيمون بوليفار (1783–1830) مكانة مركزية في تاريخ القارة، بوصفه “محرّر أمريكا”. كان شاباً أرستقراطياً يعيش في روما، أقسم على تحرير وطنه من الحكم الإسباني. قاد حملات عسكرية أسطورية، حقق خلالها انتصارات حاسمة، وأسّس “كولومبيا العظمى” عبر توحيد شعوب متعددة تحت راية واحدة، حلم سمّاه “الوطن الأعظم”. تعرّض للخيانة، وشهد انهيار مشروع الوحدة، ومات منفياً، لكن إرثه بقي متمثلاً في فكرة أمريكا اللاتينية الحرّة والمتكاملة.

في القرن العشرين، برز فرانسيسكو “بانشو” فيّا (1878–1923)، قائد الشمال المكسيكي، الذي ناضل دفاعاً عن الفقراء والمهمّشين. كان الزعيم اللاتيني الأمريكي الوحيد الذي تجرّأ على مهاجمة الأراضي الأمريكية، حين شنّ عام 1916 غارة على مدينة كولومبوس الحدودية، متحدّياً القوة الإمبريالية للولايات المتحدة. هزم نظام الديكتاتور بورفيريو دياز، وحارب النهب الأجنبي للأراضي المكسيكية. وبعد هزيمته على يد فصائل منافسة، اغتيل عام 1923، إلا أن اسمه بقي رمزاً للمقاومة الشعبية في القارة.

ويُذكر إلى جانبه إميليانو زاباتا (1879–1919)، الثوري المكسيكي الذي دافع عن الأرض والحرّية. انطلق من معاناة الفلاحين، وحمل السلاح مطالباً بالعدالة الإجتماعية وإعادة توزيع الأراضي. أعلن “خطة أيالا”، التي أصبحت الأساس الآيديولوجي للثورة المكسيكية (1910–1917). تعرّض للخيانة والقتل، لكن إرثه ظل حياً بوصفه رمزاً للمساواة والحقوق.

وفي الإطار القاري الأوسع، ظهر تشي جيفارا (1928–1967)، الطبيب والكاتب والثوري الأرجنتيني، الذي تحوّل إلى رمز عالمي للتمرّد بعد دوره المحوري في الثورة الكوبية إلى جانب فيدل كاسترو. قاد حروب عصابات ضد الإمبريالية، ورفض الإتكاء على القوى العظمى، مؤمناً بالثورة المسلحة كحلّ لمشكلات أمريكا اللاتينية. بعد كوبا، شارك في حركات ثورية في الكونغو وبوليفيا، حيث أُسر وأُعدم في 9 أكتوبر 1967، لتخلّد صورته رمزاً عالمياً للتحرّر.

ويُعد فيدل كاسترو (1926–2016) أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ القارة. وُلد في كوبا لعائلة ميسورة، درس القانون، وانخرط في العمل السياسي ضد نظام باتيستا، ما أدى إلى سجنه. قاد حركة “26 يوليو” من المكسيك، ونفّذ عملية “غرانما”، وخاض حرب عصابات مع شقيقه راؤول وتشي جيفارا، انتهت بإسقاط نظام باتيستا عام 1959. أعلن كوبا دولة اشتراكية، وتبنّى الماركسية اللينينية، وأقام نظام الحزب الواحد، ووفّر التعليم والصحة مجاناً، مع فرض قيود على الحريات. واجه حصاراً اقتصادياً أمريكياً وعشرات محاولات الإغتيال، وبقي رمزاً عالمياً لمناهضة الإمبريالية حتى سلّم السلطة لشقيقه عام 2008، وتوفي عام 2016 عن عمر ناهز التسعين عاماً.

ويُستكمل هذا المسار مع هوغو تشافيز (1999–2013)، الرئيس الفنزويلي السابق، الذي قاد “الثورة البوليفارية” ذات التوجه الإشتراكي. كان ضابطاً في الجيش، قاد محاولة انقلاب فاشلة عام 1992، ثم أسّس حركة “الجمهورية الخامسة” التي أنهت هيمنة الأحزاب التقليدية. فاز بالرئاسة عام 1998، وحكم حتى وفاته عام 2013 بعد صراع مع مرض السرطان. ركّز على البرامج الإجتماعية لمكافحة الفقر، وناهض بشدة السياسة الأمريكية، ودعا إلى عالم متعدد الأقطاب، وأقام تحالفات مع كوبا وإيران. كان شخصية كاريزمية خاطب الجماهير مباشرة، واعتبر صديقه وخليفته نيكولاس مادورو امتداداً لمشروعه السياسي.

وفي ضوء هذا السرد التاريخي، يفتح الماضي باباً واسعاً للتأمّل في الحاضر. فلو وُجد في زماننا المعاصر رجال من طينة أولئك القادة الذين ناضلوا وكتبوا فصولاً من كفاح أمريكا اللاتينية، من محرّرين وثوّار ورموز مقاومة، فهل كان العالم سيشهد اليوم هذا الكم من الغزوات والتدخلات والرعونة السياسية؟ أم أن تلك الشخصيات كانت ستقف في وجهها، وتعيد للشعوب كرامتها، وللدول سيادتها، ولفنزويلا رئيسها؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى