صحافة وآراء

إعلان “دويتس” في “الثورة السورية”: أسئلة عن الشراكات الدفاعية الإسرائيلية ومعايير الإعلان

ناريمان عمار

يثير نشر إعلان شركة “دويتس” الألمانية (DEUTZ) على الموقع الإلكتروني لصحيفة “الثورة السورية” تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة لقبول الإعلانات التجارية، خصوصاً في ضوء توسّع الشركة في قطاع الصناعات الدفاعية، وعلاقاتها الصناعية مع شركات إسرائيلية تعمل في تطوير الأنظمة العسكرية والتكنولوجية.

وتبرز أهمية القضية مع إعلان “دويتس”، في 9 تموز 2026، توقيع اتفاق للاستحواذ على كامل أسهم شركة “إف إف جي” الألمانية (FFG)، في صفقة تبلغ قيمتها نحو 1.6 مليار يورو. وتعمل “إف إف جي” في تصنيع المركبات العسكرية والمركبات الخاصة، ويأتي الاستحواذ ضمن استراتيجية “دويتس” لتوسيع نشاطها في الصناعات الدفاعية وتعزيز حضورها في هذا القطاع.

غير أن خلفية الشركة المستحوذ عليها تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباطها بمشروع دفاعي مشترك مع شركة “إلتا سيستمز” (ELTA Systems)، التابعة لمجموعة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI). ففي 29 تشرين الثاني 2023، وقّعت “إف إف جي” و”إلتا” اتفاق تأسيس شركة “فلنسبورغ تكنولوجي سيستمز” (FTS)، وهي شركة ألمانية إسرائيلية مشتركة تعمل على تطوير تقنيات المركبات والروبوتات والأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي والرادارات والاستخبارات الإلكترونية والحرب الإلكترونية، إلى جانب تقنيات الوعي الظرفي المخصصة للاستخدامات العسكرية.

وتوضح هذه المعطيات طبيعة التقاطع بين الشركات المعنية. فـ”دويتس” شركة ألمانية وليست شركة إسرائيلية، لكن استحواذها على “إف إف جي” يربطها بهيكل صناعي تشارك فيه “إلتا”، التابعة لمجموعة الصناعات الجوية الإسرائيلية، وهي شركة مملوكة للدولة الإسرائيلية. ولا يعني ذلك أن جميع منتجات “دويتس” عسكرية، أو أن الشركة الألمانية تشارك في كل أنشطة شريكتها الإسرائيلية، لكنه يضع خلفية الشركة وعلاقاتها الصناعية ضمن المعطيات التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم الإعلان المنشور.

من هنا، ينتقل السؤال إلى صحيفة “الثورة السورية”: ما المعايير التي تعتمدها في اختيار الشركات التي تسمح لها بالإعلان على موقعها؟ وهل تجري مراجعة لخلفية المعلنين وأنشطتهم، أم يقتصر القرار على الشروط التجارية وقيمة العقد الإعلاني؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة إذا صحت المعلومات التي تشير إلى أن إعلان “دويتس” أُدرج يدوياً ضمن المساحة الإعلانية للموقع، ولم يُنشر عبر نظام إعلانات آلي مستقل. فإذا تأكدت هذه الآلية، فإن ذلك يستدعي معرفة الجهة التي وافقت على الإعلان، والإجراءات التي سبقت نشره، وما إذا كانت الإدارة قد اطّلعت على طبيعة نشاط الشركة وصلاتها في قطاع الصناعات الدفاعية. أما الجزم بطريقة إدراجه، فيحتاج إلى تحقق تقني مستقل أو توضيح من إدارة الموقع.

ولا يتعلق الأمر بافتراض وجود علاقة سياسية أو عسكرية بين الصحيفة والشركة المعلنة، إذ لا تتوافر أدلة تثبت أن الإعلان جاء ضمن حملة موجهة لدعم إسرائيل، أو أن عائداته موّلت نشاطاً عسكرياً محدداً. لكن غياب هذه الأدلة لا يلغي السؤال الأساسي المتعلق بمسؤولية المؤسسة الإعلامية عن التدقيق في الجهات التي تستضيف إعلاناتها، سيّما عندما تكون لهذه الجهات علاقات موثقة بشركات تعمل في الصناعات الدفاعية الإسرائيلية.

فالسياسة الإعلانية ليست مسألة مالية منفصلة عن إدارة المؤسسة الصحفية، وقبول إعلان تجاري يعني اتخاذ قرار بمنح شركة مساحة للوصول إلى الجمهور، وهو قرار يفترض أن يخضع لمعايير واضحة، خصوصاً في المؤسسات الإعلامية التي تقدم نفسها بوصفها مؤسسات عامة ذات رسالة وطنية، ولا يعني ذلك ضرورة استبعاد كل شركة تعمل في مجال الدفاع، بل يقتضي تحديد الضوابط التي تنظم التعامل مع الشركات التي ترتبط أنشطتها بشراكات عسكرية دولية، والإعلان عن هذه الضوابط بما يتيح للجمهور فهم الأسس التي تستند إليها المؤسسة.

وفي هذه الحالة، تبرز مسؤولية إدارة “الثورة السورية” في توضيح طبيعة العلاقة الإعلانية مع “دويتس”، والجهة التي تولّت إدراج الإعلان، والمعايير التي استندت إليها في قبوله. كما تبرز الحاجة إلى معرفة ما إذا كانت وزارة الإعلام السورية تعتمد قواعد محددة لتنظيم الإعلانات في المؤسسات الإعلامية الخاضعة لإشرافها، وما إذا كانت هذه القواعد تتضمن آليات واضحة للتدقيق والشفافية.

إن المسألة لا تتعلق بإصدار حكم مسبق على الصحيفة أو الشركة، بل بتحديد المسؤولية المهنية عن قرار نشر إعلان في ضوء معلومات عن خلفية المعلن وعلاقاته الصناعية. وإذا كانت الصحيفة قد أجرت مراجعتها اللازمة، فمن حق الجمهور معرفة المعايير التي اعتمدتها. وإذا لم تُجرَ هذه المراجعة، فإن القضية تتصل بمدى كفاية إجراءاتها الداخلية في التعامل مع المعلنين.

ولابدّ، في الختام، من التذكير بأن صحيفة “الثورة السورية” تحمل في عناوينها عبارة “فاصلة الحق ورافعة العمران”، وهنا يبرز السؤال: هل ينسجم مفهوم الحق مع نشر إعلان لشركة ترتبط، عبر استحواذاتها وشراكاتها، بمنظومة صناعية دفاعية إسرائيلية، في وقت يواصل فيه الكيان الإسرائيلي التوسع على حساب الأراضي السورية، ويقضم القرى والأراضي الجنوبية؟ وهل تعكس هذه الخطوة توجهاً جديداً في السياسة الإعلانية للصحيفة، يقوم على التعامل مع الشركات المرتبطة بالكيان باعتبارها جهات تجارية عادية، بمعزل عن سياقها السياسي والأمني؟ أم أن ما جرى لا يتجاوز غياب التدقيق والجهل بخلفية الشركة وتشابكاتها الصناعية، بما يطرح تساؤلات جدية حول معايير حماية الأمن القومي والمصالح الوطنية عند اتخاذ القرارات داخل المؤسسات الإعلامية؟

هذه الأسئلة تتطلب إجابات واضحة من إدارة الصحيفة، تبدأ بتحديد الجهة التي وافقت على الإعلان، ولا تنتهي عند توضيح معايير قبول الشركات المرتبطة بالصناعات الدفاعية الإسرائيلية، فالمسألة ليست تفصيلاً إعلانياً عابراً، بل اختبار لمدى وضوح السياسة الإعلانية للمؤسسة، وقدرتها على التوفيق بين مصالحها التجارية ومسؤوليتها المهنية والوطنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى