
العراق على خط الزلازل الإقليمية: تصعيد أميركي – إيراني واختبار صعب للدولة الهشّة
نوري حمدان
يتناول هذا المقال موقع العراق في قلب التصعيد المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل أزمة سياسية داخلية وضغوط خارجية متشابكة. ويحلّل مخاطر تحوّل البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة، وحدود الدبلوماسية العراقية في حماية الاستقرار الهش وسط تحولات إقليمية خطِرة.
يقف العراق اليوم عند مفترق بالغ الخطورة، حيث تتقاطع أزمة سياسية داخلية معقّدة مع تصعيد متسارع بين إيران والولايات المتحدة، في لحظة إقليمية مشحونة تهدد بنسف التوازنات الهشّة التي قام عليها الاستقرار النسبي في البلاد خلال السنوات الأخيرة. وفي ظل هذا المشهد، يعود إلى الواجهة سؤال ظلّ يرافق العراق منذ عام 2003: هل يستطيع هذه المرة تفادي التحول إلى ساحة صراع بالوكالة، أم أن الجغرافيا السياسية ستفرض عليه مجددًا أن يكون في قلب المواجهة؟
بعد أكثر من أربعة عقود من الحروب المتعاقبة، من الحرب العراقية – الإيرانية، مرورًا بالغزو الأميركي، ثم سنوات العنف الطائفي، وصولًا إلى الحرب ضد تنظيم داعش، بدا العراق في الآونة الأخيرة وكأنه يدخل مرحلة من الهدوء النسبي، اتسمت بتحسن أمني محدود وانتعاش اقتصادي حذر مدفوع بعائدات النفط. غير أن هذا الاستقرار ظلّ مشروطًا وهشًّا، إذ لم يُترجم إلى إصلاح سياسي بنيوي أو إلى بناء دولة قادرة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة بعيدًا عن تأثيرات الخارج. فما زالت العملية السياسية أسيرة الانقسامات الداخلية، وتوازنات القوى الإقليمية والدولية، وازدواجية السلطة بين مؤسسات الدولة الرسمية وقوى مسلّحة تملك نفوذًا يتجاوز نفوذها القانوني.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في ملف تشكيل الحكومة، الذي غالبًا ما يتحول إلى مرآة للصراع بين واشنطن وطهران. فبعد الانتخابات التشريعية الأخيرة وما أعقبها من تجاذبات طويلة، أعلن “الإطار التنسيقي”، وهو التحالف البرلماني الأكبر المقرّب من إيران، ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، في خطوة لم تُقرأ داخليًا فقط، بل أثارت ردود فعل إقليمية ودولية واسعة.
الرفض الأميركي لعودة المالكي جاء هذه المرة صريحًا وحادًا، إذ لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوقف أي دعم مستقبلي للعراق في حال انتخابه، متجاوزًا لغة الدبلوماسية التقليدية إلى خطاب ضغط علني غير مسبوق. هذا الموقف أعاد إلى الأذهان حجم النفوذ الأميركي في العراق، وحدود استقلال القرار السياسي، وفتح نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية حول كلفة تحدي واشنطن في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
ويرى محللون أن إدارة ترامب لا تفصل بين الملف العراقي والملف الإيراني، بل تتعامل معهما باعتبارهما مسارًا واحدًا، وهو ما يضع بغداد في موقع بالغ الحساسية، خصوصًا إذا ما تشكّلت حكومة تُحسب بوضوح على طهران. هذا التصور الأميركي يضاعف المخاوف من أن يتحول العراق إلى هدف غير مباشر لسياسة “الضغوط القصوى”، سواء عبر العقوبات أو القيود المالية أو العزلة السياسية.
وفي الداخل، لم يكن ترشيح المالكي محل إجماع حتى داخل “الإطار التنسيقي” نفسه. فقد برز انقسام واضح بين تيار يدعو إلى إعادة النظر في الترشيح تفاديًا لتداعيات قد تجرّ البلاد إلى مواجهة مع الولايات المتحدة، وتيار آخر يصرّ على المضي قدمًا، معتبرًا أن الرضوخ للضغوط الخارجية يمثّل مساسًا بالسيادة الوطنية. هذا الانقسام يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب رؤية موحدة لكيفية إدارة العلاقة مع القوى الدولية، في ظل دولة لا تزال مؤسساتها هشة واقتصادها شديد الاعتماد على الخارج.
ويُعدّ الاقتصاد إحدى أخطر ساحات هذا الصراع الصامت. فالولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط فعّالة، من بينها إدارة عائدات النفط العراقي المودعة في الاحتياطي الفدرالي، إضافة إلى الاستثمارات الأميركية الواسعة في قطاع الطاقة، الذي يشكّل العمود الفقري للاقتصاد العراقي. وبالنسبة للعراق، الذي يعاني أصلًا من تعثر في النمو وارتفاع معدلات البطالة، فإن أي عقوبات أو قيود مالية محتملة قد تكون لها آثار مدمّرة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وفي موازاة الأزمة السياسية، يلوح في الأفق خطر أشدّ يتمثل في احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. فالتصعيد العسكري، والتحركات الأميركية في المنطقة، والتلويح بضربات محتملة ضد طهران، تضع العراق أمام سيناريو بالغ الخطورة. فإيران لا تزال تمسك بخيوط مؤثرة داخل العراق، سواء عبر أحزاب سياسية نافذة، أو عبر فصائل مسلّحة تشكّل جزءًا من “محور المقاومة”، وقد أعلنت بعض هذه الفصائل استعدادها للتدخل عسكريًا في حال اندلاع حرب شاملة.
هذا الواقع يجعل العراق مرشحًا لأن يتحول إلى منصّة ردّ أو ساحة ضغط أو مسرح فوضى أمنية، في حال خرج الصراع الأميركي – الإيراني عن السيطرة. ويحذّر مراقبون من أن تداعيات مثل هذا السيناريو لن تقتصر على الجانب الأمني، بل قد تمتد إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي برمّته، خصوصًا إذا ما تعرّضت إيران لهزة استراتيجية كبرى أو تغيير جذري في بنية نظامها.
في المقابل، تحاول الحكومة العراقية اعتماد مسار دبلوماسي لتخفيف حدة التوتر. فقد أكد مسؤولون في وزارة الخارجية أن بغداد تواصل حواراتها مع واشنطن وطهران لإبعاد شبح الحرب، مستندة إلى علاقاتها المتوازنة مع الطرفين. كما كثّف وزير الخارجية فؤاد حسين من تحركاته واتصالاته الإقليمية، في محاولة لتكريس دور العراق كجسر تواصل لا كساحة مواجهة.
غير أن نجاح هذا الدور يبقى مرهونًا بعوامل تتجاوز الإرادة العراقية وحدها، في ظل مناخ إقليمي متفجّر، وحسابات دولية لا تعطي دائمًا أولوية لاستقرار الدول الهشّة. فالعراق اليوم ليس طرفًا مباشرًا في الصراع، لكنه في الوقت ذاته أحد أكثر المتأثرين به، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته السياسية والأمنية.
في المحصلة، لم يعد السؤال الحقيقي هو أين يقف العراق من التصعيد الأميركي – الإيراني، بل ما إذا كان قادرًا على حماية نفسه من صراع لم يختره، لكنه يجد نفسه في قلبه مرة أخرى. وبين ضغوط الخارج وانقسامات الداخل، يبدو مستقبل العراق مفتوحًا على احتمالات متعددة، يبقى أخطرها أن يُدفع مجددًا إلى دفع ثمن صراع أكبر من قدرته على الاحتمال.




