
منذ بداية تصاعد المواجهة المباشرة بين أميركا و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، يقف العرب في حالة ذهول وترقّب وقلق، ليس من نتيجة الحرب بحدّ ذاتها أو ممّن سيكون المنتصر، بقدر ما يعيشون “قلقاً استراتيجياً مزدوجاً” من نتائج وتَبِعات تلك الحرب، وما سوف تفرضه على بنية موازين القوة في الإقليم ومستقبله.
فالعرب، ونتيجة هذا “القلق المزدوج”، يدركون أنّ الكلفة الاستراتيجية عليهم سوف تكون باهظة، سواء انتصرت أميركا و”إسرائيل” واستطاعتا تفكيك بنية النظام الإيراني وتقويض حضوره الإقليمي، أو تمكّنت إيران من الصمود والمناورة والخروج من المعركة بقدر محدود من الضرر المادي في أدواتها، مقابل ثبات في الهيكل السياسي والعقائدي للدولة.
وهكذا يجد العرب أنفسهم أمام قلقيْن وخياريْن، كلاهما سوف يؤديان إلى إعادة رسم بنية الإقليم جيوسياسياً بشكل لن يكون لصالحهم.
انطلاقاً من ذلك، نطرح التساؤل البنيوي الآتي:
هل على العرب أن يضعوا هذين القلقين في كفّة الميزان نفسها، ويساووا بينهما من حيث تكوين القلق وبنيته وطبيعة التهديد؟
قبل الإجابة على السؤال، لا بدّ لنا من تفكيك بنية القلقيْن والغوص في أسباب ودوافع ذلك القلق، لفهم الموقف العربي بشكل أعمق.
فالعرب يَرون أنه في حال تمكّنت أميركا و”إسرائيل” من تحقيق انتصار واضح المعالم على إيران، يتمثل في تدمير بنية الدولة وتفكيك هيكل النظام، فهذا لن يُعدّ انتصاراً عسكرياً فحسب، بل تحوّلاً بارزاً في هيمنة الكيان الصهيوني وأميركا على الإقليم.
ومن خلال متابعة تصريحات نتنياهو ووزراء حكومته، إضافة إلى تصريح سفير أميركا في الكيان عن “حق إسرائيل في ضمّ أراضٍ عربية والسيطرة عليها”، بالتزامن مع السلوك الإسرائيلي العدواني في الإقليم، وربط كلّ ذلك بنظرية الأمن الإسرائيلية والبُعد التوراتي لطموحات هذا الكيان، يتضح أنّ الطموح الصهيوني في الإقليم لا يفرّق بين الأعراق والطوائف ومصادر التهديد، فهو يرى أنّ حقه في التمدّد حق توراتي، بمعزل عن أين يوجد هذا الحق ومع مَن؛ وأيّ تهديد في الإقليم لا ينظر إلى لونه أو عرقه أو طائفته، بل يتعامل مع مصادر التهديد وفقاً لنظرية أمنه، وليس وفقاً لمصدر التهديد وطبيعته.
فـ “إسرائيل” هذه لا تميّز بين تهديد نووي سني في باكستان والسعودية وتركيا، وبين تهديد نووي إيراني شيعي، فكلاهما بمقياس أمنها تهديد واختلال في ميزان الردع، ولا بدّ لها من التعامل مع مصادر أيّ تهديد وفقاً لنظرية أمنها وطبقاً لمفهوم المدرسة الواقعية الهجومية لجون ميرشايمر التي ترى أنّ الهجوم أفضل وسيلة للتحصين ودرء خطر الآخر؛ وهذا ما دفع بالعرب لتلمّس القلق الوجودي من تفوّق هذا الكيان، الذي سوف يهدّد أمنهم القومي العربي ويُضعضع موازين الإقليم برمّتها.
وعلى المقلب الآخر، فإنّ قدرة إيران على الصمود في المعركة وخلق توازن في الألم والضرر مع أميركا و”إسرائيل”، سواء بتهديد مصالحهم وقواعدهم ومدنهم في المنطقة، أو من خلال فرض معادلات دولية عبر تهديد الممرات المائية في مضيق هرمز وباب المندب، وما يترتب عن ذلك من ضغط على سوق التجارة الدولية واستقرار أسعار الطاقة، والذي سيشكّل ضغطاً دولياً على واشنطن و”إسرائيل” يطالبهم بوضع حدّ للحرب، وبالتالي قد يُرغَمون على الخروج منها بتسوية شكلية مع إيران، تفضي إلى فوز استراتيجي لإيران بوصفها الدولة الأولى التي صمدت في وجه الاستكبار الأميركي والتهوّر الإسرائيلي في العالم كله، وهذا ما سيعزز حضورها ونفوذها الإقليمي بشكل غير مباشر عبر شبكة من الحلفاء غير الدولاتيين؛ وهذا، في المنظور العربي، يُعدّ “تهديد نفوذ” للبنية السياسية والاجتماعية والديموغرافية العربية.
وبالعودة إلى السؤال البنيوي والتفريق بين قلق الوجود وقلق النفوذ، لا شك بأنّ العرب أدركوا من خلال طبيعة المعركة الدائرة وانكشاف نوايا أميركا و”إسرائيل” بالدفاع فقط عن مصالحهما، أنّ لكلّ قلق خصوصية، ولكلّ خصوصية أدوات في التعاطي والمعالجة.
فإنّ صبر دول الخليج على الضربات الإيرانية الموجّهة ضدّ مصالح أميركا في الخليج، وعدم الانجرار إلى الردّ والتورّط في معركة إقليمية، يدلّ على أنّ هناك صحوةً وإدراكاً في قرارة نفس العرب لطبيعة الصراع في المنطقة وفهم أعمق لجذوره.
فاليوم بات العرب ينظرون إلى إيران على أنها قوة إقليمية تقليدية وجارة، وسليلة إرث حضاري طويل، وباتوا يدركون أنّ سلوكها في الإقليم متأتٍ من اعتباريْن: الأول مرتبط بالمكانة والتاريخ والثقافة الهُوِيّاتية، وهذا يمكن تفسيره وفق “المدرسة البنائية” في فهم سلوك الدول، بالإضافة إلى الاعتبار الآخر، وهو يقع تحت تفسير النظرية “الواقعية الدفاعية” لكينث والتز التي تعتبر أنّ صون المصالح وحماية الأمن تأتي عبر امتلاك وسائل الدفاع الفاعلة.
ثم إنّ السلوك الإيراني بات يُفهم بأنه جزء من إدارة النفوذ في الإقليم، ويمكن تطويقه واحتواؤه نظرياً إذا ما عولجت الأسباب البنيوية للتوتر في الإقليم، وأبرز الأسباب هي وجود الأساطيل الأميركية وحلّ عادل لقضية فلسطين، بحيث انّ الحدّ من اندفاعة إيران الإقليمية يكون من خلال خفض التهديد والقلق الإقليمي ضدها، وإعادة قضية فلسطين إلى الحضن العربي على قاعدة نحن العرب (أمّ الصبي) وسحب ذريعة تصدير النفوذ الإقليمي الإيراني بحجة هذه القضية؛ فسحب هذا الخطاب يكون بمثابة تخميد لاندفاعة إيران في المنطقة، خصوصاً إذا تنبّه العرب إلى دورهم الإقليمي والتاريخي.
أما “إسرائيل”، فتمثّل حالة مختلفة من حيث النشأة والدور، إذ ترتبط ببنية صراعية وجودية مع العالم العربي، وتستند إلى تفوّق عسكري وتكنولوجي مدعوم من الغرب، فضلاً عن استمرار قضية فلسطين كجذر مفتوح للصراع، وهذا ما يجعل التحدي هنا لا يقتصر على السلوك، بل يمتدّ إلى اختلال بنيوي في ميزان القوة يصعب احتواؤه بالأدوات التقليدية.
وعليه، فإنّ القلق العربي ليس متساوياً في طبيعته، بل هو قلقان مختلفان: قلق من نفوذ يمكن بشروطٍ ضبطه واحتواؤه، وقلق من تفوّق قد يتحوّل إلى هيمنة إلغائية راسخة.
غير أنّ تلك المقاربة تقودنا إلى تعميق الفهم بأنّ العامل البنيوي الذي يشكّل لبّ التوتر والصراع الإقليمي لا يكمن في سلوك إيران و”إسرائيل” بحدّ ذاتهما، بقدر ما هو استمرار لقضية الصراع مع “إسرائيل” ولقضية فلسطين، التي سعت من خلالها إيران لكسب الشرعية والنفوذ الإقليمي، وفي المقابل شكّلت للغرب مدخلاً للتدخل وتوظيف الصراع بما يخدم مصالحه الاستراتيجية.
في ضوء ما سبق، يتضح أنّ تلك الدوامة من القلق تجعل الأزمات تتغذّى من بعضها، وتبقي الأمن القومي العربي دون أفق واضح.
وعليه، لا يمكن للعالم العربي أن يكتفي بردود الفعل أو بإدارة القلق، بل أصبح مطالباً بإعادة تعريف موقعه في هذه المعادلة عبر مسار مركّب يقوم على: تعزيز وبناء القدرات الذاتية، وتنويع الأدوات، وبناء شراكات دولية تكسر احتكار الغرب لعناصر القوة والتفوّق التكنولوجي ـ من خلال الانفتاح أكثر على الصين وروسيا ـ وبناء تكتلات إقليمية فعّالة قوامها مثلاً: السعودية والخليج، وباكستان، ومصر، وتركيا، وتقليص الاعتماد على القوى الخارجية، والعمل الجادّ نحو رفع لواء قضية فلسطين، بما يسحب أحد أهمّ مبرّرات التوتر ويعيد ضبط البيئة الاستراتيجية.
بناءً على ما تقدّم، نخلص إلى أنّ صمود إيران ونفوذها يمكن احتواؤه بسحب الذرائع البنيوية للتوتر في الإقليم، أما انتصار أميركا و”إسرائيل” فيستدعي التفكير جدياً في بناء منظومة ردع عربية تحفظ التوازن الاستراتيجي الإقليمي وتكسر الاختلال الحاصل.
وفي المحصّلة، تبقى المعضلة ليست في تعدّد مصادر التهديد، بل في العجز عن بناء قوة ذاتية قادرة على تحويل “القلق الاستراتيجي المزدوج” إلى توازن.




