دولي

بعد كاراكاس… هل تفتح واشنطن ملف هافانا المغلق منذ ستة عقود؟

ماتريوشكا نيوز

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المنتشي بإعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في غرفة نومه، يفرض سؤالاً مباشراً: هل سيكتفي؟ هل شبع نفطاً وظهوراً وإستعراضاً يُغذّي نرجسيته السياسية؟ كثير من التقديرات والتحليلات تقدّم إجابة واحدة وهي “لا”. وبالتالي يصبح السؤال الحقيقي: من التالي؟ كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية؟ السيد علي خامنئي المرشد الأعلى لإيران؟ أم الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو؟ والجواب هنا: لا هذا ولا ذاك، ولا ذاك أيضاً الآن لأن الرئيس ترامب عملياً حدّد وجهته المقبلة: كوبا. وهذا ليس تحليلاً أو إستنتاجاً، بل قراءة مباشرة للوقائع. الرئيس ترامب نفسه خرج بنبرة إنتصار واضحة بعد إعتقال الرئيس مادورو، ليقول إن عدداً كبيراً من الكوبيين لقوا حتفهم خلال العملية الهجومية الأمريكية على فنزويلا، وسأل مستنكراً: هل كنتم تعلمون ذلك؟ لقد كانوا يحمونه. وكوبا تاريخياً، إعتمدت بدرجة كبيرة على فنزويلا، ومن هذا الإعتماد جنت أمولاً ونفوذاً لكن الأمور اليوم لا تجري على ما يرام. فليس الرئيس ترامب وحده من يقول ذلك، فوزير خارجيته ماركو روبيو، يصرّح بوضوح أن ما جرى يأتي في سياق مساعي واشنطن لإستعادة نفوذها في النصف الغربي من الكرة الأرضية. ولو كنتُ مسؤولاً في الحكومة الكوبية لكان القلق مبرّراً تماماً. فالولايات المتحدة الأمريكية لا تنطلق فقط من حقيقة إن قتلى عملية إعتقال الرئيس نيكولاس مادورو لم يكونوا فنزويليين، بل كوبيين. هؤلاء شكّلوا العمود الفقري لفرق الحماية الخاصة التي وفّرتها هافانا للرئيس مادورو، ضمن منظومة دعم أمني وإستخباراتي كوبي متكامل للنظام الفنزويلي. لأن كوبا لم تكن حليفاً سياسياً فقط بل شريكاً أمنياً مباشراً، عبر ضباط إستخبارات ومستشارين أمنيين، وعناصر حماية لصيقة بالدائرة الضيقة للرئيس. ووجود هؤلاء في قلب القصر الرئاسي يعني إن العملية الأمريكية لم تصطدم بحرس فنزويلي، بل بمنظومة أمنية كوبية بُنيت على مدى سنوات خصيصاً لحماية الرئيس مادورو من سيناريو كهذا. ومع ذلك، سقطت هذه المنظومة خلال ساعات، وهنا تكمن الرسالة الأخطر. فالعملية لم تُسقط الرئيس مادورو فقط، بل كسرت عملياً الذراع الأمنية الكوبية خارج حدودها وسقوط عناصر كوبية في إشتباك مباشر مع قوة أمريكية نخبوية يضع هافانا أمام موقع جديد، إن الدعم الأمني الخارجي لم يعد خط دفاع، بل تحوّل إلى نقطة إشتباك مباشر مع واشنطن وهذا ما يجعل كوبا اليوم في موقع مختلف تماماً. لم تعد مجرد مراقب لما جرى في كاراكاس، بل طرفاً خسر رجالاً وخسر نفوذاً وتلقى إنذاراً عملياً لا خطابياً. ومن هنا يبدأ القلق الحقيقي في هافانا لأن ما جرى مع حلفائها سوف لا يبقى خارج حدودها. ولأن الرسالة الأمريكية الأولى لم تكن موجهة إلى كاراكاس وحدها، بل وصلت بوضوح إلى هافانا وبالتالي يصبح من الضروري طرح سيناريو إفتراضي لما يحضّره الرئيس ترامب لكوبا، وتحديداً لرئيسها ميغيل دياز-كانيل وهو سيناريو يستند بطبيعة الحال، إلى ما جرى في فنزويلا، وإلى خصوصية الحالة الكوبية.

وقبل كل شيء، لا بد من التأكيد إن أي سيناريو محتمل سيكون أكثر تعقيداً لأن كوبا ليست فنزويلا. الجزيرة أصغر، والطوق الأمني أكثر إحكاماً والخبرة الإستخباراتية الكوبية أعمق بحكم تاريخ الصراع الطويل مع واشنطن. كما إن البيئة الأمنية في كوبا بُنيت على هاجس الإختراق لحماية قيادة متعددة الطبقات، ضمن مركزية أمنية شديدة الإنضباط. وإذا ما تحدّثنا عن بوابة التنفيذ المحتملة، فإن أي سيناريو مشابه سيُقتبس من التجربة الفنزويلية أي إن الأمر لن يبدأ بالقوة بل بالمعلومة والإختراق الداخلي، وتجنيد جواسيس وتأمين تعاون صامت أو إنقسام داخل النخبة الحاكمة. ومن دون ذلك يصبح الخيار العسكري عالي الكلفة سياسياً وأمنياً وعسكرياً وإقتصادياً. أما شكل العملية فلن يكون إنزالاً واسعاً أو مواجهة مفتوحة بل عملية محدودة الهدف. وهنا يبرز إحتمالان أساسيان: إما اعتقال رأس القيادة في لحظة إنتقال أو تنقّل، والحديث هنا عن الرئيس ميغيل دياز-كانيل، أو شلّ القيادة عبر ضربة إستخباراتية أمنية مركّزة. ومن المؤكد إن أي عمل سيكون ليلياً سريعاً وبسقف زمني قصير جداً بعد قطع الإتصالات، وتنفيذ تمويه عبر قصف محدود. وبالطبع، هناك موانع جدّية للتنفيذ أبرزها الكلفة الرمزية العالية، والتحسّب لردود الفعل الدولية، خاصة مع تنامي غضب حلفاء دول أمريكا اللاتينية، أي روسيا والصين، ما يعني إحتمال تحوّل العملية إلى مواجهة إقليمية. وفي المقابل، يمكن القول إن ما قد يسرّع هذا السيناريو هو عامل واحد: أن تُصنّف كوبا كجزء مباشر من شبكة تهديد للنفوذ الأمريكي لا كحالة تاريخية معزولة.

والخلاصة هنا واضحة: السيناريو ممكن نظرياً معقّد عملياً وخطير سياسياً، ومن هنا يصبح فهم الخلفية التاريخية أمراً ضرورياً، فما بين واشنطن وهافانا ليس خلافاً عابراً بل صراع مؤجّل. وإدارة الرئيس ترامب لا تنظر إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كحالة منفردة، بل كنقطة إرتكاز لشبكة إقليمية معادية للنفوذ الأمريكي. فالعقيدة الأمريكية واضحة، من دعم الرئيس مادورو وضع نفسه في خانة المواجهة. فلا تسويات طويلة ولا صبر إستراتيجي، بل ضغط مباشر إقتصادي وأمني وسياسي والرئيس ترامب يتعامل مع الحلفاء قبل الخصوم، ويضرب الحلقة التي تمنح النظام القدرة على الصمود. وهنا تبرز كوبا لا كدولة بعيدة، بل كعقل داعم ومشغّل وضامن لبقاء الرئيس مادورو سنوات طويلة، فكوبا ليست هدفاً عادياً بل هدفاً سياسياً ورمزياً أكبر لأنها ليست نظاماً فقط بل رمزاً تاريخياً للتحدي. جزيرة صغيرة صمدت أمام واشنطن أكثر من ستة عقود، ونجحت في البقاء رغم الحصار ومحاولات العزل والإسقاط، لهذا تمثّل كوبا عقدة قديمة في السياسة الأمريكية فهي قريبة جغرافياً وثقيلة رمزياً ومؤثرة إقليمياً رغم محدودية قدراتها. فيمكن ضرب فنزويلا دون تغيير الرواية، لكن كوبا تغيّرها. وأي تحرّك أمريكي مباشر تجاه هافانا لا يُقرأ كقرار تكتيكي بل كإعادة فتح ملف تاريخي لم يُغلق منذ الحرب الباردة لهذا تُعد كوبا هدفاً أكبر من فنزويلا ليس لأنها أقوى، بل لأنها الأقدم والأكثر رمزية والأكثر إحراجاً لأي إدارة أمريكية تريد القول إن زمن النفوذ الأحادي في النصف الغربي قد عاد فما يجري اليوم لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الصدام بين واشنطن وهافانا. الجميع يتذكر الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو الذي صمد خمسة وأربعين عاماً أمام الولايات المتحدة الأمريكية وأمام الحصار الإقتصادي الذي فرضته على بلاده، وإستمر نظامه حتى بعد أفول ثم سقوط الأنظمة الشيوعية في الإتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، وبينما كانت الأنظمة الشيوعية تسقط حول العالم، نجح الزعيم الكوبي فيدل كاسترو في الحفاظ على الأعلام الحمراء ترفرف على أبواب عدوه الأكبر الولايات المتحدة الأمريكية، وتعرض لمحاولات كثيرة من الإغتيالات والقتل ومن التدخلات الأمريكية وتحوَل الرجل إلى مثال أمام بلدان وقيادات أخرى في أمريكا اللاتينية وغيرها. والرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز أبرز مثال على إقتفاء أثر كاسترو في سياسة المواجهة والتحدي. الجميع يعلم أن التوتر لم يبدأ مع الرئيس مادورو ولا مع إدارة الرئيس ترامب، بل منذ إنتصار الثورة الكوبية عام 1959. منذ تلك اللحظة، تحوّلت كوبا إلى إستثناء في النصف الغربي: نظام معادٍ على بعد كيلومترات قليلة من السواحل الأمريكية ورمز مباشر لتحدي النفوذ الأمريكي في منطقته التقليدية. وجاءت الذروة في العام 1961 مع عملية خليج الخنازير، المحاولة الأمريكية الفاشلة لإسقاط النظام الجديد، والتي إنتهت بهزيمة سياسية وعسكرية تركت جرحاً إستراتيجياً لم يُغلق حتى اليوم. وبعد خليج الخنازير تغيّر كل شيء في كوبا، العقيدة الأمنية بات هاجسها الأول منع الإختراق. بُنيت أجهزة إستخبارات قوية، وتحوَلت الدولة إلى كيان أمني شديد الحساسية تجاه أي تحرك أمريكي، ثم جاءت أزمة الصواريخ في العام 1962، لتتحوّل كوبا إلى نقطة تماس نووي عالمي. ومنذ ذلك الحين، لم تعد الجزيرة مجرد دولة، بل ملفاً إستراتيجياً دائماً في واشنطن. ورغم إن الحصار والعزلة ومحاولات الإحتواء إستمرت لعقود، فإن الهدف لم يتغير بعد وهو إعادة كوبا إلى الفلك الأمريكي أو على الأقل تحييدها. لذلك، فإن أي حديث اليوم عن سيناريو أمني أو عسكري في كوبا لا يُقرأ كحدث جديد، بل كإمتداد لصراع قديم لم يُحسم. نعم، كانت فنزويلا ساحة لكن كوبا هي العقدة. والفرق إن كوبا ليست نظاماً فقط بل ذاكرة صدام، وملفاً لم يُغلق منذ أكثر من ستين عاماً!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى