صحافة وآراء

تصريح الرئيس عون وفق الأخلاق الترامبية!

مارلين موسى

في بلدٍ يُقاس فيه الخراب بالكيل، وتُحصى فيه الشهادة بالأسماء لا بالأرقام، ويُصبح الدمار خبراً يومياً لا يثير الدهشة، يطل علينا رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون بتصريح لا يمكن وضعه إلا في خانة التملق الصريح، حين يقول متباهياً: “في عهدي لم تُطلق رصاصة واحدة من لبنان”!. أيُّ عهدٍ هذا؟ وأيُّ لبنان يتحدّث عنه فخامته؟ وأيُّ واقعٍ يراه من خلف الجدران السميكة بينما الناس تُدفن تحت الركام؟

منذ متى صار الصمت بطولة؟ ومنذ متى تحوّل الإمتناع عن الدفاع عن النفس إلى إنجاز يُرفع كوسام على صدر العهد؟ هل المطلوب من اللبنانيين أن يصفقوا لأنهم قُتلوا بصمت؟ أن يشكروا الدولة لأنها لم تُزعج “إسرائيل”؟ أن يفتخروا بأن سماءهم مستباحة وأرضهم تقصف بشكل شبه يومي ولكن! من دون رصاصة واحدة من جهتهم؟

فخامة الرئيس، هل تفضّلت بعدّ الرصاص الذي اُطلق على لبنان؟ هل أحصيت الصواريخ التي سقطت على الجنوب؟ هل مررت على القرى التي مُسحت عن الخريطة؟ على البيوت التي تحوّلت إلى حجارة سوداء؟ على العائلات التي شُرّدت من بيوتها، نامت في المدارس والمساجد والسيارات؟ على الأطفال الذين تعلّموا صوت الطائرات قبل الحروف؟ على الأمهات اللواتي دفنّ أبناءهن بلا عدالة وبلا حتى موقف رسمي يليق بالدم؟

تقول إن رصاصة لم تُطلق من لبنان، لكنك لم تقل لنا كم رصاصة اخترقت صدور اللبنانيين. لم تقل لنا كم مرة انتُهكت السيادة التي أقسمت على حمايتها. لم تقل لنا كم مرة داس العدو كرامة هذا البلد، فيما الدولة تكتفي بالمراقبة وبيانات الشجب الباهتة أو الصمت المطبق.

الأخطر في تصريحك ليس فقط مضمونه، بل نبرته. نبرة التباهي بالعجز، نبرة المجاهرة بالخذلان، كأنك تقول للبنانيين: هذا أقصى ما أستطيع فعله، وهذا أقصى ما تستحقونه. كأن الصمت سياسة، والإنحناء خيار، والذل حكمة، وحين يصبح العجز خطاباً رسمياً، فهذه ليست زلّة لسان، بل إعلان نهج. نهج يقول إن الدولة قررت أن تكون متفرّجاً، أن تحصي الضربات لا أن تردّ عليها، أن تتعايش مع العدوان بدل مواجهته، وأن تُقنع شعبها بأن الكرامة عبء، وأن الدفاع عن النفس تهمة.

تتحدّث عن سلاح غير شرعي وعن تنظيف الجنوب منه وكأن الجنوب كان خطيئة، لا خط الدفاع الأول عن هذا البلد. تتناسَى – أو تتجاهل – أن هذا السلاح، الذي تُقدّمه اليوم كخطر، هو نفسه الذي وقف يوماً بين لبنان والسقوط الكامل، بين الإحتلال والقصر، بين الإذلال المطلق وبقايا السيادة. هذا السلاح لم يُشهر يوماً على شرف الوطن، بل شُهر حين غابت الدولة، وتخاذل العرب، وصمت العالم، وبقي الناس وحدهم في مواجهة النار.

فهل يُكافأ من حمى الأرض بالتجريم؟ وهل يُكافأ من صمت على القتل بالتباهي؟ أي منطق هذا؟ وأي أخلاق سياسية تُدار بها الدولة؟

المسخرة، فخامة الرئيس، ليست في الرصاصة التي لم تُطلق. المسخرة في وطن يُقصف ولا يرد، في شهداء بلا موقف، في دمار بلا كرامة، في عائلات مشرّدة بلا حماية، في خطاب رسمي يتحدّث عن الإنجازات فيما الناس تبحث عن سقف ودفء وأمان. المسخرة في أن يتحوّل الألم إلى تفصيل، والدم إلى رقم، والصمت إلى فضيلة، المهزلة فخامتك بأن تنام في قصرك دون شعبك.

تقول إنك لم تُطلق رصاصة واحدة، لكنك أطلقت جملة واحدة كانت كافية لتصيب ما تبقّى من ثقة اللبنانيين في الصميم. أطلقتها على الوعي، على الذاكرة، على الكرامة. جملة تقول بوضوح إن هذا العهد لا يرى في العدوان مشكلة، بل يرى في الردّ عليه خطيئة.

وإن كان لا بد من قول كلمة أخيرة، فهي ليست سياسية بقدر ما هي أخلاقية: إذا بُليتم بالمعاصي فاستتروا. لا تُجاهروا بالخذلان. لا تتباهوا بالذل. لا تحوّلوا الصمت إلى عقيدة وطنية. لبنان لا يحتاج رئيسًا يعدّ الرصاصات التي لم تُطلق، بل يحتاج رئيسًا يعرف أن هناك لحظات يكون فيها الصمت خيانة، وأن الكرامة لا تُقاس بعدد البيانات، بل بقدرة الدولة على حماية شعبها، أو على الأقل احترام دمائه.

أما أن يُختصر عهدٌ كامل بجملة من هذا النوع، فذلك ليس إنجازًا، بل اعتراف رسمي بأن الدولة اختارت الوقوف على الهامش، تراقب، تصمت، وتطلب من شعبها أن يبتلع القهر… ثم يصفّق.

ولهذا، فخامة الرئيس، فإن التاريخ لا يُكتب بالتصريحات ولا تُخلّده عهود الصمت ولا تحفظه الجُمل المنمّقة. التاريخ يُكتب بالدم، ويُسجَّل بوجع الناس، ويُحاسَب عليه الضمير قبل المحاكم. والعهد الذي يتباهى بأنه لم يُطلق رصاصة واحدة، فيما الوطن يُقصف وأبناؤه يُقتلون ويُشرَّدون، هو عهد اختار السلام مع الذل لا مع الكرامة، واختار الصمت بدل الموقف، والحياد بدل الانتماء. لبنان لم يكن يومًا وطن الصامتين ولا أرض المنكسرين، ولا شعبًا يقبل أن يُذبح بهدوء كي لا يُزعج أحدًا. فإذا كان هذا هو تعريف الإنجاز في قاموس السلطة، فليعلم أصحاب القرار أن الشعب سيكتب تعريفه الخاص، يوم يسقط الصمت، ويُسمّى الخذلان باسمه الحقيقي، ويُسأل كل مسؤول: أين كنت حين كان الوطن يُستباح؟ عندها لن تنفع جملة، ولن تُجدي تبريرات، ولن يشفع لأحد أنه لم يُطلق رصاصة… لأنه أطلق ما هو أخطر: رصاصة في صدر الكرامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى