ثقافة ومجتمع

حين سرقَ السوقُ سيجارَ غيفارا

العميد الركن الدكتور بهاء حلال

لم يكنْ غيفارا يَحملُ السيجارَ ترفًا،
كانَ يحملُ في يديه دخانَ الجبالِ والرجالْ

وكانَ وجهُهُ للفلاحينَ قبلةً،
وكانَ قلبُهُ ضدَّ عروشِ الذهبِ والمالْ.

فلا تَسألوا السيجارَ: لِمَن أنتَ؟
فالسؤالُ أعمقُ من شكلِ الهلالْ

لقد كانَ في فمِ ثائرٍ صادقٍ،
فاستعارَهُ السوقُ… ثمَّ باعَهُ للأغنياءِ في كلِّ حالْ.

يا غيفارا، ما سرقوا منكَ بندقيةً،
ولا سرقوا الأرضَ التي مشيتَ عليها في النضالْ.

سرقوا الصورةَ،
ثمَّ علّقوها في واجهاتِ المتاجرِ،
ليبيعوا للناسِ ثورةً… داخلَ علبةٍ من الخيالْ.

أنتَ أردتَ أن يكونَ الإنسانُ غايةً،
وهم جعلوا الإنسانَ رقمًا في دفاترِ رأسِ المالْ.

وأنتَ أشعلتَ السيجارَ بينَ رفاقِكَ،
فأشعلَ السوقُ حولَهُ هالةً من الذهبِ والجمالْ..

يا للمفارقةِ!
ثائرٌ حاربَ امتلاكَ العالمِ،
فامتلكَ العالمُ صورتَهُ… وباعَها بالأموالْ.

وصارَ وجهُ الفقراءَ
معلّقًا على قمصانِ الأغنياءِ،
وصارتْ الثورةُ نفسها… منتجًا على رفوفِ الاستهلاكِ والجدالْ..

لم يخنْ غيفارا فكرتَهُ،
لكنَّ العالمَ خانَ معنى صورتهِ حينَ حوّلَ الرمزَ إلى سلعةٍ تُنالْ.

فليسَ السيجارُ رأسماليًّا لأنَّهُ في فمِه،
بل لأنَّ السوقَ سرقَ دلالتَهُ،
وألبسَهُ ثوبَ الثروةِ… ثمَّ أعلنَهُ شعارًا للمالْ.
وهنا تكمنُ الخديعةُ الكبرى:
أن تسرقَ الرأسماليةُ رمزَ خصمِها،
ثمَّ تجعلَ من سرقتِهِ دليلًا على انتصارِها في النزالْ.

فتبيعُ صورةَ الرجلِ الذي تمرّدَ على السوقِ،
في السوقِ نفسهِ،
وتضحكُ… حينَ يشتري الناسُ الثورةَ من أصحابِ رأسِ المالْ..

فيا أيُّها السيجارُ،
لا تخجلْ من شفتيكَ القديمتينِ،
فقد كنتَ شاهدًا على زمنٍ لا يزالُ فيهِ للفقراء حلمٌ،
وللثائرِ سؤالْ..

أما الذينَ سرقوكَ من فمِ غيفارا,
فلم يفهموا أنَّ النارَ التي فيك
ليستْ نارَ الترفِ…
بل نارُ رجلٍ أرادَ أن يجعلَ للإنسانِ وطنًا،
قبلَ أن يجعلَ للثروةِ وطنًا… وللذهبِ عرشًا… وللسوقِ جلالْ.

غيفارا لم يكنْ تناقضًا في الصورة،
بل كانتِ الصورةُ فضيحةَ هذا العالمِ حينَ يختزلُ الفكرةَ في تمثالْ..

هو حملَ السيجارَ كما حملَ قضيّتَهُ،
أما السوقُ فحملَ السيجارَ وحدَهُ،
وتركَ القضيةَ في الطريقِ…
ثمَّ مضى يبيعُ للناسِ دخانًا،
ويُسمّي الدخانَ انتصارًا…
ويُسمّي الصمتَ سلامًا…
ويُسمّي الثروةَ كمالْ..

لهذا،
حينَ ترونَ غيفارا وفي فمهِ سيجارٌ،
لا تبحثوا عن تناقضٍ في الرجلِ…
ابحثوا عن سرقةِ الرمزِ في هذا العالمِ المهووسِ بالمالْ..

فقد يكونُ أبلغُ ما في الصورةِ
أنَّ الثائرَ ظلَّ صادقًا،
لكنَّ الرأسماليةَ كانت أذكى منهُ…
فلم تقتلْ صورتهُ،
بل جعلتها سلعةً،
ثمَّ باعتْ للناسِ ثورتَهُ…
بعدَ أن نزعتْ منها السؤالْ…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى