
في أجواء إقليمية متشابكة ومشحونة بالتوتر، وصلت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى فلوريدا لتكون محطة مركزية في مسار التطورات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. الزيارة التي ستستمر خمسة أيام، لم تكن مجرد رحلة روتينية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل جاءت في ظل خلافات سياسية وتجاذبات دبلوماسية معقدة بين تل أبيب وواشنطن، وضمن مسار يركز على ملفات إستراتيجية أساسية تشمل قطاع غزة، لبنان، سورية، إيران، بالإضافة إلى دور تركيا الإقليمي وتأثيره على التوازنات في المنطقة. ووصل نتنياهو إلى منتجع مارالاغو في بالم بيتش يوم الأحد، في زيارة لم تكن مفاجئة بل مخطط لها لكسب رضا الرئيس ترامب مجدداً بعد أن تخلخلت إلى حد ما الثقة بينهما وبعد سلسلة إجتماعات تحضيرية مع كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية، على رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، مبعوث الرئيس ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر، بالإضافة إلى لقاء مع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث. هذه اللقاءات إستهدفت تنسيق المواقف قبل الإجتماع الرئيسي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي إنعقد يوم الاثنين وهو اللقاء الخامس بين الطرفين خلال العام 2025. الزيارة تأتي في وقت تتصاعد فيه التحديات الأمنية والسياسية، خصوصاً بعد الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، والتي إستمرت نحو عامين، مخلفة أكثر من 71 ألف شهيد فلسطيني، 171 ألف جريح، وتدمير نحو 90% من البنية التحتية للقطاع، بتكلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بحوالي 70 مليار دولار. على الرغم من توقيع إتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن المرحلة الثانية من الإتفاق لم تنفذ بعد، حيث قد رُهن الإنتقال إليها بتسلم إسرائيل لجثمان آخر أسير محتجز في غزة، فيما تستمر الفصائل الفلسطينية في البحث وسط الدمار الشامل. وفي المؤتمر الصحفي المشترك، كشف ترامب عن رغبته في دفع المرحلة الثانية من خطة غزة، والتي تتضمن إنشاء هيئة إشراف دولية وربما مشاركة تركيا ضمن قوة لحفظ الإستقرار. لكن تل أبيب أبدت تحفظات كبيرة على أي وجود تركي في القطاع، نظراً لما تراه إسرائيل تهديداً مباشراً لمصالحها الأمنية، ومخاوف من إحتكاك محتمل مع الجيش التركي في بيئة شديدة الحساسية، فقمة مارالاغو لم تُحقق إختراقاً حقيقياً بشأن الدور التركي في غزة، فيما كان واضحاً أن الدعم الأميركي لتركيا كان لفظياً أكثر منه عملياً، إذ لم يُفرض أي ضغط على نتنياهو لقبول دور أنقرة، مع الحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بالرغم من أن التحالف المتنامي بين ترامب وأردوغان يمنح تركيا هامش حركة سياسي أوسع في المنطقة، فالدور التركي يقتصر على إخراج أسلحة حماس دون تفكيكها فعلياً، وهو ما يعتبره نتنياهو مساساً بأهدافه الأمنية. ترامب شدد على أن نزع سلاح حركة حماس شرط أساسي لإتمام المرحلة الثانية من الإتفاق، وأعلن إن أمام حماس وقتاً قصيراً للإمتثال، مع تحذير واضح بأنها ستدفع الثمن في حال الإخلال بإلتزاماتها، وسط محاولات نتنياهو بالتشديد على إن غزة ما زالت ملئية بالسلاح حيث عرض على المسؤولين الأمريكيين أرقاماً تقول إن نحو 60 ألف بندقية من طراز كلاشينكوف لا تزال بحوزة حركة حماس في قطاع غزة” وهنا ترامب أعلن عزمه التحدث مع أردوغان بشأن دور تركيا، مؤكداً أن العلاقة بين أردوغان ونتنياهو “لن تشكل عقبة”، رغم التباين الواضح بين الموقف الأمريكي والإسرائيلي. وفي ملف إيران الذي ركض نتنياهو من أجله منذ البداية نحو الرئيس الأمريكي وكان الطبق الرئيسي في اللقاء، أبدى ترامب لهجة حازمة مؤكداً أنه سيؤيد ضرب المنشآت الصاروخية إذا إستمر برنامجها الباليستي، وأن أي تقدّم في برنامجها النووي يتطلب هجوماً فورياً. ونتنياهو سعى إلى إستصدار موافقة أمريكية على ضرب المنشآت الإيرانية أو الحصول على دعم كامل ضد طهران، لكن ترامب حافظ على موقفه كصانع سلام، مع تحذير واضح لطهران من مغبة تجاوز الخطوط الحمراء، وسرعان ما إنتقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التهديدات الأمريكية – الإسرائيلية بشأن شن هجوم جديد ضد بلاده، وأكد أن طهران سترد بقوة على أي إعتداء يطولها، لتحذر روسيا من تداعيات خطيرة جراء تهديدات إسرائيل لإيران معتبرة أنها تدل على السياسة غير المسؤولة التي لها تأثير ضار على النظام العالمي لعدم إنتشار الأسلحة النووية. وفي لبنان أشار ترامب إلى التحديات المتعلقة بحزب الله، مؤكداً أنه يتابع جهود لبنان لنزع سلاح الحزب الذي إعتبره يتصرف بشكل سيء بعد كلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي أكد مواصلة المواجهة وعدم قبوله بأي تسليم للسلاح في منطقة شمال الليطاني، في حين إعتبرت إسرائيل أن الوضع اللبناني هشاً في ظل مسألة حصر السلاح في يد الدولة، وما تريده إسرائيل من لبنان فعلياً يتجاوز بكثير مسألة “الوجود المسلح شمال وجنوب الليطاني”، فالهدف الحقيقي هو نزع وظيفة حزب الله بالكامل ورفض نتنياهو الوجود المسلح للحزب تحديداً في جنوب الليطاني يعني رفضه عودة سكان القرى الى الحافة الأمامية، ومنع ترميم القدرات في الجنوب والشمال وكل لبنان، وكل هذا يعني أن إسرائيل تريد لبنان منزوع القدرة على الردع مكشوفاً إستراتيجياً، وخاضعاً لتفوقها العسكري متمنياً التطبيع الذي يرفضه، وبمنح نتنياهو “الضوء الأخضر” لضرب إيران كما كان يريد يعني أن جبهة لبنان ستكون مؤجلة إلى موعد غير معروف، في ظل مواصلة إسرائيل هجماتها اليومية على البقاع والجنوب والتي يمكن أن تتكثف بشكل متصاعد من دون تصوير الأمر على أنه حرب مفتوحة معلنة. وفي سورية بحث الطرفان إحتمال التوصل إلى إتفاق أمني مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بهدف إعادة ضبط الحدود وضمان إستقرار محدد، دون السماح بوجود إرهابيين أو تهديدات مباشرة لأقليات سورية ودروز. ترامب الذي سبق وإلتقى بالشرع أبدى إحترامه له ووصفه بأنه “شخص قوي تحتاجه سورية”، في حين يواصل نتنياهو الربط بين هذا الملف ومصالح تل أبيب الأمنية. وأثارت الضغوط الأمريكية على تل أبيب بشأن السياسات في الضفة الغربية جدلاً داخلياً، حيث إعتبرت واشنطن أن التصعيد العنيف يعرقل تطبيق إتفاق غزة ويهدد توسيع إتفاقيات إبراهيم للتطبيع. وقد طالب ترامب نتنياهو بتقييد بناء المستوطنات، الحد من العنف الإستيطاني، وإعادة تحويل أموال المقاصة للسلطة الفلسطينية، مع إقرار ضرورات إصلاح السلطة الفلسطينية لتكون شريكاً في إعادة إعمار غزة. نتنياهو حاول أن يظهر بأنه الولد المطيع فأبدى إستعداده لتقديم تنازلات شكلية مع الإحتفاظ بالخطوط الحمراء الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، مع إستمرار الضغط لإبقاء الوضع على حاله، وتجنب حرب شاملة تهدد أمن إسرائيل. وعلى جبهات أخرى مثل اليمن، تابع الطرفان العمليات التي تنفذها جماعة الحوثي، مع إعتبارها محلية وغير موجهة بشكل مباشر من إيران، فيما تبدو الساحة العراقية مليئة بالتحديات المستقلة، التي لا يمكن حسمها بمقايضات مباشرة بين الملفات. وتركيا، عبر أردوغان تسعى للمشاركة في القوة الدولية في غزة، ليس بدافع إنساني فقط، بل ضمن إستراتيجية إقليمية أوسع تشمل حماية مصالحها في سورية ولبنان، وتحقيق توازن مع النفوذ الإسرائيلي. والدور التركي مرتبط بشبكة مصالح سياسية وجيوسياسية، حيث يسعى الرئيس أردوغان لترسيخ نفسه كلاعب محوري في أي تسوية مستقبلية للقطاع. ومع التقدم التدريجي نحو المرحلة الثانية، تظهر ثغرات جوهرية: غياب قوات دولية جاهزة، عدم وجود آلية قابلة لتنفيذ نزع سلاح حماس، وعدم رغبة إسرائيل في إعادة إعمار حقيقية للقطاع. الإدارة الأمريكية، تميل إلى تأجيل القرارات الكبرى وشراء الوقت، بينما تل أبيب تستخدم التصعيد كوسيلة لفرض إرادتها، وإظهار القدرة على الصلابة، مع الإحتفاظ بخيارات لاحقة للتوسع العسكري أو السياسي عند الحاجة. اللقاء بين نتنياهو وترامب، كان “أفضل” بين ستة إجتماعات سابقة من حيث المكاسب السياسية والأمنية لنتنياهو، خصوصاً فيما يتعلق بإيران والغلاف السياسي الداخلي. ومع ذلك، ظل التباين قائماً في ملفات حساسة مثل غزة والضفة الغربية، مع إستمرار الثغرات الجوهرية في تنفيذ المرحلة الثانية من إتفاق غزة. ترامب أبدى دعماً لإسرائيل، مؤكداً على العمل مع نتنياهو لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، لكنه شدد على شروط واضحة، مثل نزع سلاح حماس، مراقبة الوضع في الضفة الغربية، وضبط إيران وسورية. في الوقت ذاته، استمرّت المخاطر الإقليمية في التربص بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية، من لبنان إلى اليمن والعراق، مع تداخل ضغوط متوازية تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الأطراف المعنية. في المحصلة، زيارة نتنياهو إلى فلوريدا ليست مجرد لقاء ثنائي، بل محطة تكشف عن تعقيدات الملفات الإقليمية، التوازنات الهشة، وصعوبة تنفيذ إتفاقيات تتجاوز المصالح الضيقة إلى منظومة مصالح جيوسياسية إستراتيجية، حيث تلتقي فيها مصالح إسرائيل، الولايات المتحدة الأمريكية، تركيا، وإيران، وسط بيئة أمنية متقلبة تحكمها حسابات دقيقة ومناورات سياسية مستمرة.




