
- تقديرات بأن أسعار النفط والذهب ستقفز إلى أرقام غير مسبوقة في حال استمرت الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز
موسكو تدين الهجوم
أحدث الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران ردود فعل استنكارية بنسب متفاوتة في مختلف أنحاء العالم، وذلك على الرغم من وجود حالات تأييد ضمني وعلني سواء من المعارضة الإيرانية في عدد من الدول الغربية، أو بعض الدول الأوربية التي بدا موقفها أقرب إلى التحفظ أو التعبير عن القلق والمناشدة بضبط النفس، في حين مضت بريطانيا إلى الإعلان عن السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها في المنطقة لقصف إيران، فيما أدانت إسبانيا هذا الهجوم الأمر الذي سيتوضح أكثر لدى تناولنا لردود الفعل الدولية.
وقد أدانت موسكو على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف الذي سارع إلى الاتصال بنظيره الإيراني عباس عراقجي، وعبر عن تعاطفه مع إيران مدينا الهجوم العسكري الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، واعتبره غير مبرر وانتهاكا لمبادئ وقواعد القانون الدولي، وقد أوضحت الخارجية الروسية في بيانها بهذا الخصوص أن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان مجددا مغامرة خطيرة تقرب المنطقة بشكل سريع من كارثة إنسانية واقتصادية، وربما شعاعية أيضا، وأن لدى المعتدين أهدافا واضحة معلنة تتلخص في القضاء على النظام الدستوري وإسقاط حكومة لا تخضع لإملاءات القوة والهيمنة حسب بيان الخارجية الروسية الذي دعا إلى وقف فوري للقصف الأمريكي والإسرائيلي على إيران والعودة إلى مسار التسوية السياسية والدبلوماسية، كما طالبت موسكو المجتمع الدولي بتقديم تقييم موضوعي سريع لهذه الأعمال التي تهدد استقرار المنطقة، وعبرت عن استعدادها للمساهمة في الجهود التي تسعى لإيجاد حلول سلمية تستند إلى القانون الدولي وتوازن المصالح. كما وجه نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دمتري مدفيديف انتقادا لاذعا للولايات المتحدة مقارنا بمفارقة التاريخ الحضاري بين الدولتين، حيث لا يتجاوز عمر الولايات المتحدة 250 عاما بينما يمتد تاريخ إيران أو الإمبراطورية الفارسية لأكثر من 2500 عام، وأوضح أن صانع السلام “يقصد ترامب الذي يطمح للحصول على جائزة نوبل للسلام” كشف عن وجهه الحقيقي مرة أخرى، وأن كل المفاوضات مع إيران ليست سوى عملية للتغطية على الأهداف الحقيقية.
ردود الفعل العربية
المعروف أن الدول العربية كانت تؤكد حرصها على السلم والاستقرار، وتدعو إلى عدم الإقدام على عمليات حربية ستؤثر حتما على مجمل الأوضاع في المنطقة، وخاصة على دول الخليج العربي، وتدعم بوضوح الحوار مع إيران، كونها تدرك أنها ستكون الضحية الأولى لانعكاسات هذه الحرب، خاصة أن فيها العديد من القواعد الأمريكية التي من البديهي أنها ستُستَهدف من قبل إيران كرد فعل على القصف الأمريكي لإيران.
ومع ذلك لاقى القصف الإيراني تنديدا من الدول العربية عموما خاصة أن بعض عمليات القصف طالت أهدافا مدنية وقد أوضح حسام زكي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية أن هذه الاستهدافات مرفوضة شكلا ومضونا خاصة أن مواقف هذه الدول معروفة برفضها للحرب ، كما تساءل لماذا تستهدف الدول العربية التي فيها قواعد أمريكية ولا تستهدف دولا أجنبية أيضا فيها قواعد عسكرية أمريكية، واعتبر أن هذه الهجمات على الدول العربية مؤسفة وأنها ناجمة عن وجود فراغ في القيادة السياسية الإيرانية بسبب الاغتيالات التي طالت القيادات الإيرانية، ولكنه شدد مع ذلك على أن الجامعة العربية أدانت الهجمات الإيرانية في بيان رسمي، مضيفا أن مثل هذه التصرفات قد تستدعي مواقف عدائية من الدول العربية تجاه إيران في حين كان يمكن أن يكون موقفها محايدا على أقل تقدير.
ردود الفعل الدولية
وكان بديهيا أن تظهر ردود فعل حساسة في معظم دول العالم، وخاصة تلك التي لها مصالح مباشرة في المنطقة عموما، ذاك ان قصف إيران سينعكس حتما على مجمل ظروف المنطقة، ومن أهم ردود الفعل إعلان الصين وباكستان إدانتهما لهذا الهجوم حيث اعتبر وانغ يي وزير الخارجية الصينية أن الهجوم على إيران غير مقبول إطلاقا، ودعا إلى وقف إطلاق النار فورا، واستئناف المحادثات والحيلولة دون اتساع رقعة هذه الأحداث، وحثت الخارجية الصينية رعاياها الموجودين في إسرائيل وإيران على المغادرة بأسرع وقت ممكن، وعبَّر وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحق عن تضامنه مع إيران في حوار هاتفي مع نظره الإيراني عباس عراقجي، وندد بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وطالب بالعودة إلى الدبلوماسية.
وتبدو انعكاسات هذا الهجوم على الدول الأوربية بشكل متباين، فقد عبَّرت معظم دول الاتحاد الأوروبي عن قلقها إزاء هذه الأحداث، ورغم الاحساس الضمني بالارتياح إلى انها حاولت إظهار الموضوعية حيث طالب الرئيس الفرنسي ماكرون إيران بالعودة إلى التفاوض بحسن نية لوقف برنامجها النووي والباليستي، “ولم يطالب بوقف العدوان أو الهجوم الأمريكي الإسرائيلي” ما يحمل في ثنايا دعوته أنه يُحمِّل إيران المسؤولية محذرا في الوقت نفسه من خطر ما أسماه الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عواقب خطيرة على السلم والأمن الدوليين، وعبرت رئيسة المفوضية الأوربية أورسولا فون دير لاين وكذلك رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن قلقهما الكبير وناشدا جميع الأطراف بالتحلي بأقصى درجات ضبط النفس وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي، أما برلين فقد أكدت الحكومة الأمانية على لسان كورنيلوس الناطق الرسمي باسمها أنها تتابع عن كثب التطورات في إيران، وتنسق مع شركائها الأوربيين دون أن تستخدم أية تعابير إدانة، بل أوضحت أنها تلقت إشعارا بالهجمات الإسرائيلية على إيران، ولم يخرج موقف اليونان جوهريا عن هذا الطابع.
أما لندن فقد كان الموقف البريطاني عمليا مؤيدا للهجوم، وطالبت الخارجية البريطانية مواطنيها في الخليج العربي بالاحتماء في أماكن إقاماتهم، وعدم التنقل، واتِّباع التعليمات المحلية، على أن رئيس الوزراء البريطاني ستارمر ذهب أبعد من ذلك من خلال إعلانه أنه منح الولايات المتحدة حق استخدام القواعد البريطانية في المنطقة، وذلك بهدف حماية حلفاء بريطانيا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أما إسبانيا فكان لها موقف مختلف تماما، حيث حذر وزير الخارجية الاسباني خوسيه مانويل الباريبس من عواقب هذه العملية، معتبرا أنها مخالفة للقانون الدولي، وقد تسفر عن تداعيات خطيرة خارج حدود المنطقة، منوها بأن إسبانيا ستطالب خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المنتظر بإدانة العملية العسكرية ضد إيران، وشدد على أن هذا الهجوم ينتهك ميثاق الأمم المتحدة، منوها في غضون ذلك بأن مدريد ستدين كذلك الهجمات التي يمكن أن تقوم بها إيران ضج الدول الصديقة والشريكة لإسبانيا.
وسائل الإعلام الروسية أبرزت الهجوم وانعكاساته
يمكن القول أن جميع وسائل الإعلام الروسية الرئيسية أفردت حيزا كبيرا من وقت بثها أو صفحاتها الورقية أو على شبكة الانترنيت لهذا الهجوم الذي اعتبرته حدثا نوعيا بالغ الخطورة، حيث خصصت القنوات التلفزيونية وحتى الإذاعات حيزا كبيرا من أثيرها إلى نقل أخبار القصف والقصف المقابل، وعقدت الندوات والمناقشات لمجمل حيثيات هذا الهجوم وكذلك فعلت وسائل الإعلام المطبوعة حيث ركز معظمها على وجود خديعة في طرح التحضير لحوار معمق والذي كان في الواقع تغطية للقيام بالهجوم بشكل مباغت، ورجحت بعض الصحف بأن هذه الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قد تنعكس سلبا على أوكرانيا في إطار حصولها على الأسلحة وخاصة في مجال الدفاع الجوي، فقد أوضحت صحيفة النيزافيسيمايا أن الحرب إن طالت في الشرق الأوسط فإنها ستستهلك كميات كبيرة من صواريخ الدفاع الجوي مما يقلص عددها لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي سينعكس ذلك على إمداد أوكرانيا بهذه الأسلحة، أما صحيفة الإزفيستيا فتحدثت عن انعكاسات هذه الحرب على المجال الاقتصادي وخاصة في مجال المعادن والنفط، حيث بدأ ارتفاع سعر الذهب مباشرة في اليوم التالي لبدء الأعمال القتالية بنسبة تزيد قليلا عن ثلاثة بالمئة في بورصة موسكو، ويرى الخبراء أن أسعار النفط ستقفز خلال الفترة القادمة حسب تطور العمليات القتالية وخاصة إن تم إغلاق مضيق هرمز عمليا لعدة أسابيع، حيث تشير بعض التقديرات إلى ارتفاعات بنسب تصل إلى 20 % أو 30% وربما أكثر، مع الإشارة إلى أن هذا الانعكاس سيؤثر على حلفاء الولايات المتحدة وإيران على حد سواء.




