
هل يمكن لشرارة إحتجاج إقتصادي أن تتحول إلى زوبعة سياسية تهدد إستقرار منطقة بأسرها؟ في إيران بدأت الإجابة على هذا السؤال تتجلى على أرض الواقع، حيث خرج المواطنون إلى الشوارع في موجة غضب شديدة. التضخم يقارب 42% وأسعار الغذاء تجاوزت 70% والسلع الأساسية إرتفعت أحياناً أكثر من 110% وما كان في البداية إحتجاجات إقتصادية، تحول سريعاً إلى رفض سياسي شامل للنظام الحاكم. شعارات ضد القيادة الإيرانية، دعم رموز العائلة الملكية السابقة بقيادة رضا بهلوي، وجوه مكتومة بين حنايا المدن. في إيلام وكرمنشاه وعبادان، عملت مجموعات صغيرة، مدربة ومدعومة من إستخبارات إسرائيلية وأجنبية، على تحويل الغضب الشعبي إلى فوضى، لكن هل كان للشعب أن يستجيب لتلك المحاولات؟ المشروع نوعاً ما فشل والفوضى التي أرادها الخارج لم تجد صدى بين المواطنين فالشوارع شهدت خلال اليومين أو الثلاثة الماضية تراجعاً كبيراً في عدد المشاركين وأعمال الشغب والتجمعات أصبحت محدودة مع وجود مجموعات صغيرة مدربة عنيفاً، لكنها بلا دعم شعبي واسع. ما يجعلنا نتساءل: من يقود هذه اللعبة ومن يدفع ثمنها حقاً؟ في ظل هذا المشهد الداخلي تدخلت الدبلوماسية بشكل متسارع. قطر دولة عربية بين مياه الخليج، تتحرك كوسيط حذر بين عملاقين: طهران وواشنطن. الإتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ليس مجرد مكالمة عابرة، بل رسالة: “نحن ملتزمون بالحوار لكننا لسنا دولة بلا حدود”. ومن بيروت، قال عراقجي بلهجة توحي بالتصميم: “أمريكا وإسرائيل إختبرتا الهجوم على إيران ومُنيت إستراتيجيتهما بالفشل الذريع.. لن نرغب بالحرب، ولكننا جاهزون لها وجاهزون أيضاً للتفاوض”. هنا، سؤال آخر يطفو على السطح: هل يمكن للتهدئة أن تستمر وسط هذا الغليان الداخلي والضغوط الدولية؟ وفي الوقت نفسه، سجلت إيران خطوات صارمة على صعيد الأمن القومي ضد التجسس والعملاء الأجانب، بإعدام علي أردستاني المتهم بالتجسس لصالح الموساد الإسرائيلي. رجل إستقطبه الموساد عبر الفضاء الإفتراضي، جمع صوراً ومعلومات دقيقة عن مواقع حساسة داخل البلاد، وتلقى مكافآت مالية مقابل كل مهمة. هل كان هذا الجاسوس مجرد فرد، أم أنه رأس جبل جليدي يكشف هشاشة الأمان الداخلي؟ أما في كردستان الإيرانية، فالإضرابات تتسع يوماً بعد يوم، من عيلام إلى أورميه، ومن مهاباد إلى سنندج، داعمة الإحتجاجات الوطنية ضد سياسات القمع، ومطالبة بإستعادة الحقوق والحريات. فيما أربعة سجناء أكراد أعلنوا بدء إضرابهم سجني يزد وأوين وكأنهم يقولون: “حتى خلف القضبان، صوتنا لن يُخمد”.
فبين التهديد الذي تطلقه إسرائيل لضرب إيران على ضوء تطوير برنامجها النووي والصاروخي بعد الحصول على “الضوء الأخضر” من أمريكا إثر إجتماع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا وبين تدخلها حتى بالشؤون الإيرانية الداخلية، تواجه إسرائيل نفسها كابوساً متعدد الجبهات فهي غير قادرة على حماية الإسرائيليين بمعنى غير قادرة على خوض أي حرب، حيث تعاني من فجوة خطيرة في حماية “المدنيين” بعد حرب غزة ولبنان، فملايين الإسرائيليين بلا ملاجئ مناسبة، المدارس غير محمية، ومئات الآلاف من الطلاب يواجهون خطر التعليم المتقطع. أليس هذا إنعكاساً صارخاً لفجوة بين القوة العسكرية والإستعداد المدني؟ من هنا، بدأ الجيش الإسرائيلي بإعادة رسم إستراتيجياته. إيال زامير رئيس الأركان الإسرائيلي، أعلن أن لن يكون هناك سياسة إحتواء بعد اليوم، مؤكداً أن إسرائيل لن تسمح للمنظمات الإرهابية أو الجهات الوكيلة بترسيخ وجودها على الحدود، فإذن تم إجراء تغييرات على مستوى الجاهزية والأوامر في الجيش الإسرائيلي بحسب زامير كما جرى التعامل مع ثغرات عملياتية. والشراكة بين الجيش الإسرائيلي والسلطات المحلية والإسرائليين كما وصفها اللواء شاي كليبر، هي “السبيل لإنقاذ الأرواح”، لكن السؤال يبقى: هل هذه الشراكة كافية أمام غضب متعدد المصادر من إيران، لبنان، غزة، واليمن؟
في اليمن، تراقب تل أبيب تحركات الحوثيين الذين يدرّبون على إقتحام المواقع الإسرائيلية وإحتجاز الأسرى والتوغل في مدن سياحية، وهذا ليس مشهداً ساقطاً من الأحلام بل هو كابوس يطارد إسرائيل حيث تتعامل معه بجدية متصاعدة وسط قلق بالغ من سيناريو غير مسبوق دفع القيادة السياسة والعسكرية إلى إجتماع أمني طويل إمتد حتى ساعات الليل، بينما في لبنان وغزة وإيران، يزداد القلق من تصعيد محتمل متعدد الجهات. والإستخبارات الإسرائيلية تعمل على بناء بنوك أهداف متزامنة، ولكن هل يمكن لإسرائيل التحكم في حرب بلا جبهة واحدة، بلا توقيت معلن، ومع تحرك التهديدات كلها في آن واحد؟ أكيد كلا.




