صحافة وآراء

عشية لقاء نتنياهو والرئيس ترامب، “المطبخ القذر” يزيد بهارات طبخة الشرق الأوسط

ريم حسن خليل

خلال عشية اللقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، انكشّفت صورة مترابطة لأحداث سياسية وأمنية تمتد من سورية والعراق ثم لبنان، إلى إيران، وصولاً إلى القرن الإفريقي. هذه الوقائع مترابطة من حيث التوقيت والتسلسل والأهداف حتى يمكن القول أنها إعادة صياغة لمشروع قديم يتجدد لتشكيل الشرق الأوسط الجديد وأحياناً يسمى الكبير وفق الخطة التي سبق أن أعلنت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا رايس في العام 2006 وتهدف واقعياً إلى تفكيك الدول من الداخل عبر تنشيط الصراع مع الأقليات، بدل الدولة الوطنية الجامعة، ودفع المجتمعات نحو صدامات داخلية تُدار وتُستثمر خارجياً حسب متطلبات المرحلة المعنية.

الأقليات كبديل عن الدولة بعد سقوط الأنظمة

كل دولة يتم فيها إسقاط النظام، تسارع القوى الغربية لإعادة إنتاج السلطة بتشكيلة تعتمد الأقليات بالدرجة الرئيسية. هذا ما جرى في العراق بعد الغزو الأميركي في العام 2003، حين صُدّر إلى الحكم لوبي مذهبي سياسي عُرف بـ “شيعة لندن”، حكم العراق بمباركة ودعم أميركي مباشر بعد أن جلبوه معهم على ظهر دباباتهم، فيما جرى تهميش بقية قطاعات الشعب لصالح نظام محاصصة مقصود أنهك الدولة والمجتمع على حد سواء.

إذا أمعنا النظر وحاولنا أن نقرأ ما وراء السطور لوجدنا أن هذا السيناريو، يتكرّر اليوم نفسه في سورية، ستون عاماً من حكم كان يعتمد بشكل رئيس وخاصة في الجيش على الطائفة العلوية إنتهت، لكن الخطاب السائد يوحي وكأن سقوط هذا الحكم سيجر وراءه بشكل حتمي الصراع  مع الإسلام ربما في محاولة للإيحاء باستحالة  قيام دولة من دون رئيس علوي، طبعاً نبض الشارع اليوم يدحض مثل هذه التصورات لكنه يزيد من مخاطر التصادم والحرب الأهلية، وهنا تتكشف مشاريع حكم الأقاليم لنفسها واللامركزية، والصورة بدأت تتبلور، المطالبة بإقليم علوي، وإقليم درزي، وآخر كردي، وكأن سورية لم تكن يوماً دولة واحدة ذات هوية وطنية جامعة، ولكن لا بد من الإعتراف بأن بعض الأخطاء، هذا في أحسن الأحوال أو المشاريع المشبوهة دفعت إلى إفتعال مجازر دامية أعطت بعض المصداقية لمكونات بات يطرح معظمها ضرورة الخلاص نهائياً والإنفصال أو اللامركزية في أقل تقدير بمعنى هذا ثمن الدم!

أزلام النظام السابق “الفلول” وإشعال الصدامات

طبعاً لا يجب أن نغمض أعيننا عن الدور القذر الذي لعبته وتلعبه فلول النظام السوري السابق الذين ما زالوا كما تشير الأحداث فاعلين في المشهد. ويقول ذوو الخبرة والإطلاع أن هؤلاء يعطون أوامر مباشرة لجماعات من العلويين بالتحرك في الشارع، ويعملون على تغذية الصدامات وإرتكاب المجازر لدفع الطائفة نحو الخوف الوجودي لكي يتم بشكل عفوي في إطار الدفاع عن النفس إختيار الإنفصال. مراكز هذا النشاط معروفة، تمتد من مار الياس في بيروت إلى زحلة، وصولاً إلى دبي بكل إشكالاتها وتعقيداتها في المنطقة ككل، حتى إضطرت السعودية إلى توجيه إنذار للإمارات لمغادرة قواتها اليمن الجنوبي خلال أربع وعشرين ساعة، عموماً يقيم هناك المدعو كمال الحسن، أحد وجوه النظام السابق، والذي يلقبه البعض “بالسمسار” الذي يستلم الأموال بدفعات كبيرة ليمول ويدعم معظم هذه التحركات لإشعال الفوضى وتوجيه أبناء طائفته إلى التهلكة. ناهيك عن بقية الأزلام الذين فقدوا إمتيازاتهم مثل رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد الفار. فمن دخل القرى وبدأ القتل وأشعل المواجهات ليس الشارع العادي، بل أدوات تُحرّك بقرار سياسي واضح بغض النظر عن إنتمائها الطائفي، والهدف هو دفع البلاد إلى الإحتراب الداخلي.

من الخوف إلى الإستنجاد بإسرائيل

تحت ضغط رعب نافورة الدم، بدأت شرائح من الطائفة العلوية تنظر إلى إسرائيل كـ “منقذٍ” بعد أن مورست “ليس عبثا” عمليات قتل وسلب وحرق أملاك كان واضحاً لأي شخص أنها جرت عن قصد في هذا الظرف الحساس، المشهد نفسه تكرّر داخل الأوساط الدرزية والكردية. وعلى هذه الشاكلة يرهص كل ذلك لتبلور ما يمكن تسميته بنادي الأقليات: دروز، علويون، وأكراد، مسيحيون، يتم العمل الخفي لربطهم بمسار سياسي واحد نحو التمزق.

إسرائيل دخلت على هذا الخط بقوة، لكن عبر قنوات غير علنية، فمن خلال قوات سورية الديمقراطية (قسد)، التي تحوّلت إلى قناة عبور للتمويل والدعم السياسي واللوجستي، تبين أن هذا التمويل لا يُقدّم تحت عنوان عسكري لمقاومة داعش مثلاً، بل بات يُسوَّق كدعم للأقليات وحمايتها، فيما الهدف الفعلي هو خلق إصطفافات جديدة، ودفع هذه المكونات نحو فك الإرتباط مع الدولة السورية ومع بعضها والإنخراط في مشروع إقليمي تقوده إسرائيل لتفكيك دولنا.

قسد، بهذا الدور، لم تعد مجرد قوة محلية، بل أداة وسيطة تُستخدم لتمرير المال وبناء العلاقات وتهيئة الأرضية السياسية والنفسية لفكرة الأقاليم والإنفصال كما حصل مع أرض الصومال ولاحقاً سيحصل مع ما سيُعرف بدولة جنوب اليمن.

المطبخ واحد.. والطبّاخ أميركا

المطبخ الذي تُحضّر فيه هذه السيناريوهات واحد. المكونات متعددة، لكن الطاهي الرئيسي هو الولايات المتحدة الأمريكية، ففي إستراتيجية الرئيس ترامب للسنوات المقبلة، الشرق الأوسط لم يعد أولوية مباشرة لواشنطن، لذلك جرى تسليم إدارة الإقليم لإسرائيل، مع تفويض مفتوح للتصرف حتى أن ترامب أعلن بكل بساطة أنه منح الجولان لإسرائيل وكأنها من أملاكه، إسرائيل اليوم ليست مجرد لاعب إقليمي، بل تلعب دورها كذراعٍ تنفيذية لمشروع أميركي أوسع، تتحرك فيه مستخدمة مخالباً محلية، وفي مقدمتها قسد ثم قسم من الدروز والعلويين، لإعادة رسم الخريطة السياسية والإجتماعية للمنطقة. مع التنويه بأننا حين نذكر العلويين والدروز والأكراد فإن ذلك لا يدخل في باب التعميم بل التخصيص، فهناك كثيرون من هذه المجموعات والطوائف القومية لها مواقفها المشرفة.

الطائفية سلاح التفتيت وخرطوشته الأقلية

النزعة الطائفية موجودة عند الجميع، لكنها تُغذّى وتُستثمر بشكل منهجي. الهدف ليس حماية الأقليات، بل ضرب فكرة القومية والدولة الوطنية، من خلال إبراز الهويات الحزبية والطائفية على حساب أي مشروع جامع وحدوي، بل بات يشاع للأسف بأن وحدة المجتمع تعني إلغاء الأقليات، وهذا خطاً مدروس في الدوائر الغربية المشبوهة لدفع مشاعر الإنفصال للتنامي خوفاً على الكُنه والمصير. 

ما يجري في الساحل والسويداء من إنفجار في الشارع، يتقاطع مع ما يحدث في إيران، حيث تشهد البلاد إنفجاراً إجتماعياً واسعاً نتيجة تردّي الأوضاع المعيشية، وإنهيار العملة الوطنية، وتآكل القدرة الشرائية، ما أدى إلى تصدّع مفهوم الوطنية الجامعة وصعود الهويات الضيقة كبديل عن الدولة العاجزة. في الساحل السوري، ترى بعض الآراء أن الشيخ غزال غزال إشتهر كزعيم مؤخراً مرجحين أن له دوراً يتلخص بدفع الشعب إلى التصادم بل يرى بعضهم أنه قد يكون عميلاً كونه يحمل البكالوريوس في الشريعة الإسلامية من الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن، ويرون أنه كُلف ليتحدث باسم الطائفة العلوية، وكذلك هناك آراء متباينة حول من يُعتبر نظيره، حكمت الهجري مثيلاً في التوجه نحو الإنفصال حيث يسانده من خلف الحدود شريكه موفق طريف في إسرائيل، دون أن ننسى أن هناك ممارسات قاسية دامية فتحت الباب على مثل هذه النتائج رغم كونها مرفوضة تاريخياً وشعبياً، وهذه الآراء التي تملك حق التعبير عن نفسها تختتم موجة التساؤلات التشككية بالنظر إلى عملاء الداخل في إيران، حسب وصفهم الحاد الذي ربما لهم مبرراته، فيعتبرون أن تنظيم مجاهدي خلق يدفع البلاد إلى التناحر وبالتالي للتهلكة إلى جانب بعض العصابات الأحوازية من أوروبا وأمريكا.

التوقيت ليس بريئاً أبداً

التوقيت ليس بريئاً، ولا يمكن حصره بالولايات المتحدة الأمريكية وحدها. ما يجري بشكل متزامن في إيران وسورية وغداً في العراق يؤكد أننا أمام مشهد إقليمي واحد يُدار على نسق واحد وبإيقاع ثابت. عشية لقاء نتنياهو وترامب، ينفجر الشارع في إيران نتيجة تردي الأوضاع المعيشية وإنهيار العملة، فيما تُدفع الساحة السورية نحو صدامات طائفية وتطفو على السطح مشكلة الأقليات، وتُعاد هندسة السلطة في العراق بانتخاب شخصية أمريكية الهوى والتوجه، مدعومة بقوة من قبل الإمارات لرئاسة البرلمان، وغداً سيُنتخب رئيس جمهورية تباركه اسرائيل، هذا التزامن لا يمكن قراءته كصدفة، بل كجزء من لحظة إقليمية يُراد بها دفع الدول المُتعبة إقتصادياً والمنهكة إجتماعياً نحو التفكك الداخلي، بحيث تتقاطع الضغوط الإقتصادية في إيران، مع التفجير الطائفي في سورية، وإعادة ضبط التوازنات السياسية في العراق، ضمن مسار واحد يخدم إعادة ترتيب المنطقة ككل.

الخلاصة

في المحصلة، ما يُدفع إليه المشهد السوري اليوم، كما غيره في المنطقة، ليس حماية الأقليات ولا صون حقوقها، بل جرّها قسراً إلى صراعات تتجاوزها وتُستخدم فيها كأدوات ضغط وتفكيك. تحويل الهويات الدينية والقومية إلى مشاريع سياسية منفصلة، وربطها بصراعات إقليمية ودولية، لا ينتج أمناً ولا كرامة، بل يفتح الباب أمام حروب طويلة تُستنزف فيها المجتمعات وتُمحى فيها فكرة الدولة الوطنية الجامعة. التجارب القريبة أثبتت أن تعطيل الحلول السياسية، ومهاجمة أي مسار يخفف منسوب العنف ويعيد الصراع إلى طاولة السياسة، لا يخدم إلا مشاريع التفتيت والتطرف. وحدها العودة إلى منطق الدولة، والحل السوري–السوري، ورفض الاستثمار الخارجي في الخوف والدم، يمكن أن تشكّل مخرجاً حقيقياً من هذا “المطبخ القذر” الذي يُعاد فيه تدوير أزمات المنطقة على حساب شعوبها.

ما يجري في المنطقة ليس دفاعاً عن أقليات، بل هو إستثمارٌ خسيس رخيص فيها. وليس فوضى خلاقة كما يصفها الغرب، بل وليست حتى عشوائية، بل هي مشروع ماكر مدروس بدقة لتفكيك الدول من الداخل. الشرق الأوسط يُعاد تشكيله اليوم في مطبخ واحد، وبأدوات محلية تُدفع إلى الواجهة تحت عناوين الحماية والحقوق، فيما الهدف الحقيقي هو التفتيت والسيطرة، فقد رفع الموساد الإسرائيلي شعار “تنظيف الشرق الأوسخ” فهل من متعظ؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    عزيزتي ريم يوما بعد يوم تراني اتتبع المقالات التي تخطها أناملك و تحاولين فيها أن تختصري الاوضاع في العالم، ان ما يحدث اليوم ليس يتيمًا في احداث التاريخ. قد يكون هذا في زماننا قمة في التردي ولكن له من الاحداث ما شابهه في منطقتنا و العالم. ان الحياة تستحق الكفاح و النضال و حتى البذل و التضحيات. ليس كل ما يحدث هو نقطة سوداء في حاضرنا فحتى لو بدى المشهد مظلمًا لا بد من ان تخرج شرارات النار تحت رماد الجراح و تشتعل من جديد. ان ما علينا فعله هو ان نحفظ قلوبنا من ان تضيع في خضم الآلام، ذلك لأن الغد سيشرق بان الله.
    تألقي يا كاتبتنا الشابة بين الحروف و اشرقي عليها لكي تستريح في صفحات الكتب.
    موفقة دائما باذن الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى