
في سبيل دعم تكاثر الأذكياء على حساب الأغبياء! صفحات سوداء من تاريخ تحسين النسل (الجزء الأول)
في مطلع القرن العشرين، لم تكن الأسئلة حول طبيعة الذكاء وحدوده مجرد فضول علمي، بل تحولت إلى أفكار كبرى شكّلت سياسات، ورسمت مصائر شعوب، وأثّرت في فهم الإنسان لذاته وللآخر. بين الوراثة والبيئة، وبين العلم والأيديولوجيا، نشأت نظريات حاولت تفسير التفوق والتخلف، بعضها اتخذ طابعاً علمياً ظاهرياً، بينما قاد بعضها الآخر إلى كوارث إنسانية كبرى. ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى جذور هذه الأفكار وفهم سياقاتها التاريخية والعلمية، بعيداً عن الأحكام المسبقة وسوء الاستخدام. لذلك نضع بين أيديكم هذا الحوار من برنامج “رحلة في الذاكرة” الذي يُبث على قناة روسيا اليوم (RT)، والذي يستضيف الدكتور فلاديمير فريدمان، كبير الباحثين في كلية علم الأحياء بجامعو موسكو الحكومية، في نقاش يتناول طبيعة الذكاء، وحدود الوراثة، والمسار الذي اتخذته أفكار تحسين النسل وتأثيرها على التاريخ الإنساني.
نتناول اليوم موضوعاً مثيراً للإهتمام. وهو ما طبيعة الذكاء؟ وهل تنتقل بالوراثة أساساً صفات تتعلق بقدرات الإنسان الذهنية كالذكاء أو العكس، العته أو البله أو التخلف العقلي؟ هناك أفكار ترددت على تخم القرنين التاسع عشر والعشرين تركت لدي انطباعاً قوياً. مفادها إن الذكاء أو العته أو أي صفة من صفات الإنسان المتعلقة بذهنه تنتقل من الأب إلى الإبن تماماً مثلماً ينتقل تغضّن البازلاء من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق. طبعاً المقصود إسقاط إكتشافات “غريغور مندل” على الإنسان. ومن المثير للإهتمام أن “فرانسيس غالتون” الذي كان رائد تأسيس ما عرف بعلم تحسين النسل ورافق نشأته منذ البداية هو ابن عم شارلز داروين عملياً من الدرجة الثانية. حبذا لو أوضحت لنا كيف ظهرت الفكرة التي تقول إنه بالإمكان إسقاط إكتشافات مندل على الإنسان؟
الوراثة هي الإنتقال المستقر للصفات إلى الأجيال اللاحقة. والذين كانوا يستقصون إحتمالية الوراثة أو قابلية التوريث لم يكونوا آنذاك يعرفون حتماً إن كانت هناك فعلا جينات تؤثر على هذه السمة أو تلك، بالإضافة إلى ذلك فإن التأثير لا يعني التحديد. الباحثون كانوا يلتقطون أي سمة ويتمسكون بها ويدرسونها، ثم يتضح أنها تطورت تحت تأثير خارجي ما. فالجمعية الأمريكية لتحسين النسل درست مرض الحصاف “البلاغرة” من بين السمات التي كانت تعد وراثية. درس العلماء إنتشار هذا المرض في عائلة واحدة بتتبع شجرة النسب بواسطة علم الأنساب. بدا الأمر وكأن كل شيء دُرس بحسب الأصول العلمية. بينما يرتبط مرض البلاغرة في الواقع بنقص حمض “نيكوتينيك-النياسين”. وبالفعل كان يظهر عند عدد كبير من أفراد عائلة واحدة. وهذا كله خلق تصوراً عن مرض وراثي خلقي في عائلات فقيرة من البيض غالباً، أي ما كان يسمى في أمريكا بالقمامة البيضاء. لم يكن موقف إختصاصِي تحسين النسل الأمريكيين من الفقراء البيض أفضل من موقفهم تجاه الأفارقة الأمريكيين. وتبعاً لذلك فإن البلاغرة بحسب تصوّر إختصاصي تحسين النسل كانت مرضاً وراثياً. وأحد تلك السمات الوراثية التي تبين الفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء. وطبعاً نعرف اليوم أن كل هذا مجرد هراء. ثم مثلاً كان مرض “كورو” يعد مرضاً وراثياً وهو نوع من إلتهابات الدماغ الإسفنجية. وكانت تعاني منه قبيلة فوري في غينيا الجديدة. وساد هذا الإعتقاد لفترة طويلة قبل أن يتضح أنه مرض ينتمي لمجموعة الأمراض البريونية وهو نوع من إلتهاب الدماغ الإسفنجي. كان من عادات قبيلة فوري أن يأكلوا أدمغة أفرادهم الميتين. وذلك لإعتقادهم أنهم بذلك يعتقون روح الميت. ولذا على هذا النحو تحديداً كان المرض ينتقل وليس بالوراثة. أي إذا لاحظنا مباشرة إنتقالاً ثابتاً لأعراض ما إلى الأجيال اللاحقة فهذا ليس كافيا للجزم في مسألة العامل الوراثي ولإطلاق أحكام قاطعة في المسألة. فهذا لا يساعد على فهم إن كانت السمات تنتقل من الأب إلى الإبن بواسطة الجينات أو أن هناك عوامل أخرى. فلا بد من إجراء بحث بمنتهى الدقة. والآن بخصوص مسألة الذكاء. عندما يستخدم علماء الوراثة طرائق الوراثة الإحصائية ويحسبون قابلية التوريث بطريقة عددية فهذا كما يبدو لي لا يعطي النتيجة المتوخاة. فلرفع ذكاء الأمة لا أحد يقدم الآن على تلقيح النساء إصطناعياً من حاملي جوائز نوبل. وأعتذر لهذه المقارنة. مع أن إقتراحات كهذه إقترحت. يجري الآن تأسيس مدارس جديدة بهدف الوصول إلى نتائج أفضل في منظومة التعليم. ومع ذلك برزت واقعياً ذات حين مهمة دراسة ذكاء الأمة ورفع ذكاء الأمة. ومن اللافت أن هذه المهمة طرحها لأول مرة في بلدنا وعمل على حلها عالما الوراثة وتحسين النسل، “نيقولاي كولتسوف” و”يوري فليبتشينكو”. فماذا فعل هذان العالمان؟ لقد أجريا بحثاً عن معدل تكاثر فئة المثقفين. فإكتشفا وجود علاقة عكسية بين الإنتاجية العلمية والإنتاجية البيولوجية. أي علاقة عكسية بين مستوى الذكاء وعدد الأطفال في المجموعات البشرية كافة. منذ القرن التاسع عشر وفي المجتمعات المتطورة كان ذلك جلياً تماماً وقاعدة عامة. أي كلما إزدادت منجزات الذكاء قل عدد الأولاد. فما هي النتيجة التي إستخلصها العالمان؟ وماذا إقترحا عملياً؟ لقد إقترحا إزالة كل ما يقف عائقاً أمام التعليم. أي إزالة العوائق الطبقية والعوائق أمام الإناث وأمام الأقليات القومية. ما يعني بذل أقصى ما يمكن لكي يتمكن كل إنسان من الحصول على نصيبه من التعليم في المدارس العمومية. حيث لن يكون تمييز بين التلاميذ بناءاً على إختبارات الذكاء كتلك التي كانت متبعة في الغرب. وللمقارنة أشير إلى أن علماء تحسين النسل الغربيين الذين فكروا بنفس المسألة إقترحوا عزل التلاميذ أبناء النخبة عن التلاميذ أبناء فئات السكان الدنيا. والعمل بشتى الوسائل على تشجيع تكاثر النخبة. أي إن فكرة رفع ذكاء الأمة قد طبقت بصورة مختلفة تماماً في بلدنا وفي الغرب. كانت تطبيقها عندنا تقدمياً لإن إزالة جميع العوائق في مجال التعليم تحديداً مكنت البلد الذي كان الأكثر تخلفاً في روسيا مكنته من أن يصل في ستينيات القرن العشرين إلى مستوى التنافس الندي في مجال التقدم العلمي التقني مع البلد الأغنى في العالم صاحب أكبر عدد من الكوادر العلمية وذلك رغم تحمل الإتحاد السوفيتي العبء الأكبر في الحرب العالمية الثانية. أما العلماء الغربيون فعلى العكس من ذلك عملوا على حماية النخبة من المنافسة المحتملة.
ولكن من المعروف أن الهوس بمسألة تحسين النسل إمتد لفترة لا بأس بها على وجه التقريب منذ العام 1890 إلى العام 1920 وحتى بعد ذلك، وكانت هذه الأفكار رائجة ما فيه الكفاية وعلى أساس إتجاهات تحسين النسل بنيت بهذا الشكل آنذاك سياسة الهجرة في الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال هذه الفترة وجراء التصورات الخاطئة عن وراثة العته وسوى ذلك حرم عدد هائل من الناس من فرص الهجرة إلى أمريكا، هل حدثتنا عن هذه الفترة فالمسألة مثيرة جداً للإهتمام.
في الواقع مات عدد كبير من البشر جراء هذه الأخطاء والأحكام المسبقة المتحيزة ويتحمل مسؤولية هلاكهم أيضاً نشطاء حركة مناهضة الهجرة الذين سعوا زمناً طويلاً إلى إقرار قانون الهجرة في العام 1924 ولكن مسؤولية إختصاصي تحسين النسل لا تقل عن ذلك، فقد قدموا لنشطاء تلك الحركة المبررات العلمية المزعومة لمثل هذا الإسطفاء. حول هذا الموضوع هناك كتب مثيرة للإهتمام جداً تستحق أن يطلع عليها من يريد التعمق في فهم هذه المسألة منها كتاب مؤرخ علم الوراثة البارز “فاسيلي بابكوف” وعنوان كتابه فجر علم الوراثة البشرية، حركة تحسين النسل الروسية، وبدايات علم الوراثة البشرية وكذلك هناك كتاب “شتيفان كول” باللغة الإنجليزية The Nazi Connections. الخلاصة، الفهم الأمريكي لمسألة الوراثة أثّر كثيراً على النازيين من حيث الآراء في المسألة العرقية ومن حيث الإقدام على قتل أناس كانوا يرون إنهم ليسوا بشراً بالمعنى الكامل.
سأقتبس بعد إذنك من مقالة لك في هذا الصدد مقطعاً مهما تقول: “الكونغرس شدد في العام 24 من القرن الماضي قواعد الهجرة إذ أقر قانون الأصول القومية الذي منعت بموجبه القوميات غير المرغوب فيها من دخول البلد”، ثم تضيف “إن الهتلريين بسبب هذا القانون قتلوا أغلبية اليهود الذين كان يمكن أن ينجو لو منحوا حق الهجرة في الولايات المتحدة”، ويتحمل المسؤولية على سبيل المثال هاري لافلين، وكان أحد دعاة تحسين النسل الأكثر عنصرية وعداء للسامية في بداية القرن العشرين. تقول إن أدولف هتلر أثناء سجنه في العام 24 إطلع على الأعمال التي وضعها دعاة تحسين النسل الأمريكيون وسرعان ما ألّف بعد ذلك كتابه “كفاحي”، بعد ذلك ترصد في المقال إفتتان النازيين طويل الأمد بنشاط دعاة تحسين النسل الأمريكيين، وكيف طبق النازيون واقعياً ما لم يقبل الأمريكيون بتطبيقه. ومع ذلك بحسب مقالك فقد إستند النازيون إلى نظريات الأمريكيين العنصرية تحديداً وطبقوها بعزيمة وقسوة.
هنا لا بد من ملاحظة هناك عمل مثير للإهتمام جداً من تأليف “بوريس جوكوف” والذي يعد برأي واحد من خيرة مبسطي ومرويجي علم الأحياء العمل منشور في مجلة “المعرفة قوة” ويتحدث عن تحسين النسل كتيّار إدعى صفة العلم ولكنه لم يكن بمستوى التطلعات لإنه لم يتطابق مع المعايير المطلوبة، وظاهرة تحسين النسل شأنها شأن أي ظاهرة أخرى لها العديد من المصادر وتغذت إلى حد كبير على مخاوف الجماهير، وأقصد هنا الخوف من الإنقراض والخوف من تكاثر الأعراق الأدنى والأقل ذكاءاً الفائضة على حد الزعم. من الجدير بالذكر إن الكاتب الفرنسي “إميل زولا” الذي عرف بأرائه الإجتماعية التقدمية كتب رواية “الدكتور باسكال” وفيها عبر بوضوح شديد عن المخاوف التي ذكرناها تلك المتعلقة بتدهور ذكاء الفئات العليا نتيجة إختلاطها بالفئات الدنيا. كان هناك إتجاه فكري من قبيل النظافة العرقية من ناحية كانت أهوال الرأسمالية المبكرة تدفع إلى مساعدة الفقراء كل من يرغب بفعل شيء ما، ولكن ذلك إقتصر على بعض النشاطات المحدودة ومن ناحية أخرى سريعاً ما وجد هنا نشاطاء يريدون فكرة التعقيم جميع ذوي العاهات في المجتمع، وعندها سيكون كل شيء على ما يرام. هؤلاء النشطاء كانوا يقولون مثلاً أن نسبة وفيات الأطفال في روسيا القيصرية مرعبة ومع ذلك هذا شيء رائع لأنه إصطفاء طبيعي فمن يبقى حياً سيكون من البشر الخارقين وهذا طبعاً إدعاء، لا يأخذ في الإعتبار مسائل أخرى كثيرة. خلاصة القول إذا أردنا تعريف مفهوم تحسين النسل سنجد أنه حركة فكرية تهدف إلى تحسين الجنس البشري بواسطة الإصطفاء الإصطناعي، أي بتشجيع تكاثر الأفضل وفرض قيود على تكاثر الأسوأ أو حتى بالتخلص منه. عادة ما يوصف “فرانسيس جالتون” بإنه مؤسس هذه الإيديولوجيا، وهنا لا بد من توضيح مسألة هامة فقد قال “فريدريك إنجلز” ذات مرة إذا ظهرت عند المجتمع حاجة تقنية ما، فإن المجتمع سوف يدفع لتحقيق تلك الحاجة بشكل أفضل مما تفعله عشر جامعات، وهناك أمثلة على نظريات ثورية طورها في آن واحد أناسهم مختلفون وتوصلوا إليها بشكل متزامن مثلا توصل “تشارلز داروين” و”ألفريد والاس” إلى إستنتاجات متطابقة بشأن نظرية التطور ولم يكن أحدهما يعلم بأعمال الآخر. ومن هنا فإن لظاهرة تحسين النسل مؤسس روسي أيضاً وهو الطبيب البروفيسور فاسيلي فلورينسكي واللافت أنه نشرعمله بهذا الخصوص بالتزامن مع غالتون نفسه حينها نشر فلورينسكي بحثاً بعنوان “تحسين وتدهور الجنس البشري” نشره في العام 1865 في الفترة التي ظهرت فيها مقالة غالتون بعنوان “الموهبة الوراثية والطباع الشخصية”. ولحسن الحظ طوى النسيان هذه الأعمال.
ولكن في روسيا لم تكن هناك مشكلة كتلك التي كانت في أمريكا، أقصد إن الإمبراطورية الروسية لم يكن فيها عبيد من أعراق أخرى، تم تحريرهم ومشكلة الإختلاط مع العرق الأسود إلى ما هنالك. إذن المخاوف في أمريكا كانت مفهومة إلى حد ما إن تحدثنا طبعا بمنطق ذاك الزمن.
تتغذى ظاهرة تحسين النسل بأفكار يمكن وصفها بالعنصرية الاجتماعية وهذه المشكلة واحدة عند الجميع. العنصرية الإجتماعية هي وجهة نظر أناس من النخب المتعلمة يرون أنفسهم أرفع منزلة من بسطاء الناس وينظرون إليهم كمجموعة غامضة خطيرة تشكل تهديداً لهم، لذا يحاول هؤلاء الإنعزال عن العامة بشكل ما واضح وفي الواقع تجدر الإشارة إلى أنني إقتبست في مقالة لي من كتاب رائع لكارل زيمر وعنوانه “هي تضحك مثل أمها” قوى الوراثة وإنحرافاتها وإمكانياتها. يتضمن الكتاب وصفاً موفقاً لتاريخ علم الإنسان الأنثروبولوجيا وللممارسة الطبية وتحسين النسل، وقد جاء هذا الوصف مدعماً بكثير من التفاصيل الصريحة. ويوضح زيمر في الكتاب إن تجربة روسيا في هذا المجال ليست إستثناء للإسف، ففي رواية الكاتب الروسي الكبير الحاصل على جائزة نوبل في الأدب إيفان بونين “الأيام اللعينة”، في هذه الرواية مثلاً سترى تعبيراً عن عنصرية حقيقية في الموقف من الشعب البسيط الذي إنتفض دعماً للثورة بونين، كان يعد نفسه أوروبياً أبيض وقال عن الثوريين إنهم مغول وشعوب دنيا. وللمؤلف البولندي ماتشي جورني كتاب رائع بعنوان “حرب الأساتذة العظمى”، يبين في هذا الكتاب كيف إستطاعت أفكار بعض المتحمسين من فئة نخبة أن تستحوذ على جماهير الفئة المتعلمة، وكيف صار هؤلاء المتحمسون يطبقونها لدعم ما زعم أنه وطنية وقومية. وطبعا لذلك كان سكان البلد المعني في هذه الحالة يعدون أوروبيين بيضاً أي الأفضل منزلة. بدأ الفرنسيون بطرح هذه الأفكار عندما خسروا أمام الألمان في الحرب الفرنسية البروسية أنذاك قاتل الألمان من أجل توحيد ألمانيا أما الفرنسيون فحاولوا عرقلة ذلك. كان علماء الأنثروبولوجيا الفرنسيون يصفون الألمان البروسيين بإنهم إسلافيون تارة ومغول تارة أخرى، أي كانوا يعتبرونهم أبناء أمم دنيا. أما الألمان الجنوبيون البوفريون الذين كانوا يميلون نحو فرنسا فقد وصفوهم بالجيرمان الحقيقيين، بالآريين الحقيقيين أي أن هذا التقسيم كان يبرز دائماً مع كل نزاع من هذا القبيل. فخلال الحرب الأهلية الفنلندية، حارب الحرس الفنلندي الأحمر ضد الحرس الفنلندي الأبيض، وحارب إلى جانب الحرس الأبيض قسم مهم من سكان فنلندا الناطقين بالسويدية المنتمين إلى النخبة ومنهم الجنرال مانرهايم لذا ترسخت صورة إمتياز الحرس الفنلندي الأبيض في نظر الشخص العادي الذي لا يتمتع بقسط وافٍ من التعليم. ولكن أي مقاربة عقلانية وعلمية حقاً لمثل هذا الخطاب من شأنها أن تبين بطلان إنتماء هؤلاء الأشخاص إلى النخبة.
إذن لننتقل الآن إلى الحديث عن أحد أشهر الكتب في مسألة تحسين النسل وهو “عائلة كاليكاك دراسة في وراثة البله والضعف الإدراكي” لمؤلفه عالم النفس الأمريكي هنري غودارد، بصراحة إطلعت على هذا الكتاب وتكمن المسألة في إن أي شخص غير ملم بهذا الموضوع قد يستنتج بعد قراءته أن هذا العمل يصف حالة معينة بكل دقة. يعني يكوّن فيها أب واحد فرعان للذرية من زوجتين، إحدى الذريتين من إمرأة بسيطة مختلة عقلياً من عائلة فقيرة، وذرية الأخرى الثانية من إمرأة من عائلة نبيلة أرستقراطية، جميع الأطفال الذين ولدوا من الزوجة الأولى، كانوا غير موفقين يعانون إنحرفات عقلية تخلفاً ذهنياً إلى ما هنالك، أما أبناء الزوجة الثانية فجميعهم فالحون أغنياء موفقون. مثل هذه المعلومة ستخلق إنطباعاً قوياً عند أي شخص سطحي المعرفة لا يفقه شيئا في مسألة الوراثة وأنا لا أستغرب لماذا رأى النازيون في هذا العمل عوناً قوياً لهم في تجسيد أفكارهم فأخذوا يطبعونه وينشرونه ويروجون له. والسؤال، ما هو الخلل الأساسي في هذا العمل؟ ما هو الخطأ العلمي فيه؟، فهو لم يكن تزويراً متعمداً صحيح؟
كل المؤلفين الذين حاولوا تبسيط وترويج مثل هذه الأفكار بداية من فرانسيس غالتون كانوا عملياً نشطاء متطوعين أكثر من كونهم علماء. بدأوا بتبسيط أرائهم ونشرها بين الجماهير حتى قبل أن يختبروا مدى صحتها أي كما في مسألة قياس جماجم الأشخاص الذين ينتمون لأعراق مختلفة.
ولكنهم قاموا بإختبارات وكانوا مقتنعين بنزاهتها يعني أعدوا إختبارات ذكاء وقاموا بالإحصاءات. وهذا ما حدث أيضاً وأكدوا أن الذكاء عند الأفارقة الأمريكيين البالغين يعادل ذكاء طفل أبيض بعمر 11 سنة وإستندوا في ذلك لإختبارات ذكاء كانت تعد موثوقة أنذاك.
الخطأ طبيعة متأصلة في الإنسان كل إنسان خطأ. وهناك علماء وحتى علماء مرموقون يميلون إلى تصديق معطيات مشبوهة وذلك لدعم النظرية التي يعتمدونها كأساس ونقطة إرتكاز حتى إن مقالة نشرت في مجلة ساينس العام 1961 عن حب العلماء الأعمى لنظرياتهم الخاصة مثلاً ظل بعض العلماء فترة طويلة لا يصدقون أن الشمبانزي يمكنها أن تعانق وتواسي الأفراد الذين يتعرضون للإضطهاد من قبل المهيمن في القطيع وعندما كان عالم الرئيسيات الهولندي فرانس دي فال يقترح على أمثال هؤلاء العلماء أن يشاهدوا كيف تقوم الشمبانزي بذلك كانوا يرفضون المشاهدة لم يرغبوا في أن تضحض قناعاتهم. ومن هنا لم يقدم دعاة تحسين النسل على إعادة إختبار نظرياتهم والتحقق من صحتها وتحولت نظرياتهم إلى نزعات دارجة في المجتمع. وكان دعاة تحسين النسل يقصرون ويكيفون نظرياتهم لكي تتناسب مع هذه النزعات أي في كل مرة عند إختبار مستقل لعلم الوراثة الأمريكي، كان الممولون يهتمون بمعرفة إن كانت الأموال تنفق على علم حقيقي أم لا وكما ذكرنا هذا ما إهتم به مثلاً خبراء مؤسسة كارنيغي والذين موّلوا أعمال مختلفة في مجال البيولوجيا العرقية. وكان يتضح في كثير من الأحيان أن الأموال لا تنفق أحياناً على علم حقيقي. ومع ذلك كانت تظهر نظريات زائفة باطلة حتى أنها ظلت رائجة لمدة طويلة،
ولكن ألم يتخلى الأمريكيون تماماً عن مسألة تحسين النسل في العام 1939؟
كلا، فحول هذه المسألة لم توضع النقاط على الحروف حتى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. الحد الفاصل مختلف بعض الشيء فقد ظهرت نظريات تحسين النسل عندما لم يكن العلماء قادرين بعد على تحديد ما الذي يؤثر على سلوك الإنسان. أهو الوسط المحيط أم الوراثة الجينية؟ وفي الواقع حتى قوانين مندل لم تشكل آنذاك قدراً كبيراً من الأهمية لدعاة تحسين النسل وكارل بيرسون أحد أبرز منظري دعاة تحسين النسل لم يكن من مؤيدين نظرية مندل الوراثية، ومع ذلك كان عنصرياً معادياً للسامية. وهذا لم يمنعه بأي شكل من الأشكال عن العمل وفق هذه الآراء، ولكن كان هناك علماء تحسين نسل آخرون أجروا في إطار برنامج تحسين النسل أبحاثهم المتعلقة بالظروف الإجتماعية على قدم المساواة مع دراستهم عامل الوراثة وتأثيره على صفات الإنسان. وهذه المقاربة إقترحها أيضاً كلاسيكيّو تحسين النسل من أمثال جون هولدين وهرمان مولر وبالفعل حدث ذلك في عام تسعة وثلاثين أثناء مؤتمر علم الوراثة في إدينبرا الذي كان من المفترض أن يترأسه نيقولاي فافيلوف ولكن للأسف لم يسمح له بالسفر إلى هناك، وكان ذلك خطأ آخر إرتكبه بلدنا. تجدر الإشارة إلى إن رئاسة علم سوفيتي لهذا المؤتمر والتمثيل الواسع للعلماء اليساريين في ظروف بداية الحرب العالمية الثانية وفي ظل تقارير الوفد الألماني العنصرية، كان من المحتمل أن تغير مسار المؤتمر، على أي حال أقر هناك بيان علماء الوراثة والذي جاء فيه بدقة ووضوح ما يلي: قبل الحديث عن أي تحسين بيولوجي للسكان عن طريق الإسطفاء أو الحد من التكاثر يجب أولا تحقيق المساواة الإجتماعية في تلك المجتمعات التي لا وجود فيها لهذه المساواة”. أي إن العلماء توصلوا إلى إستنتاج بضرورة الإنطلاق دائماً من المساواة الاجتماعية وهذا يدل على شيء في غاية الأهمية. فليس الأهم في سيرة حياة منظر تحسين النسل فرانسيس غالتون هو كونه من أقارب داروين لا بل الأكثر أهمية أنه كان من ذرية تاجر عبيد، وزيمر في كتابه يصف ذلك وصفاً جيداً والأهم أيضا هو أن فرانسيس غالتون خيب آمال عائلته فقد أرادت تلك العائلة أن تراه طفلاً معجزة عبقرياً نابغاً، وهو أيضاً كان يرى نفسه كذلك لكنه كان باحثاً عادياً تماماً، ولولا المال الوفير لما أتى بشيء يذكر. أعتقد أن عقدة النقص المتحكمة به منذ الطفولة هي التي كانت وراء تطوير علم تحسين النسل، على الأقل لهذا السبب تحديداً قال غالتون ليست الأحياء الفقيرة هي من تنجب البلهاء بل البلهاء يلجؤون إلى الأحياء الفقيرة علماً بإن الأمثلة التاريخية تقول ما يلي ما إن تزال العوائق الإجتماعية كافة حتى يشعر أولئك الذين كانوا يعدون سابقاً متخلفين عقلياً ومضطربين أخلاقياً بارتقاء ذهني على الفور وينجحوا في الدراسة بالرغم من العنصرية وكراهية الغريب، هذا ينطبق على الناس من جميع الفئات الاجتماعية والقوميات الذين كانوا في أوقات مختلفة يعدون من طبقات أدنى.




