دولي

كيف يمكن لأميركا وإيران كسر الجمود النووي

تأتي هذه المادة في إطار إعادة نشر وتحليل مقال “كيف يمكن لأميركا وإيران كسر الجمود النووي” للكاتبين محمد جواد ظريف وأمير بارسا گرمسيري، والمنشور في مجلة Foreign Affairs (فورين أفيرز)، وذلك لما يحمله من أهمية فكرية وتحليلية في مقاربة ملف الأمن النووي والعلاقات الأميركية–الإيرانية، وتسليطه الضوء على مفاهيم نظرية وعملية تساعد في فهم ديناميات التصعيد والتهدئة في النظام الدولي المعاصر.


يعالج المقال مفهوم «الأمننة» في العلاقات الدولية، أي تحويل القضايا السياسية القابلة للإدارة إلى تهديدات وجودية تبرّر إجراءات استثنائية خارج نطاق السياسة الطبيعية. ويرى الكاتبان أن إيران تمثل مثالًا واضحًا على هذا المسار، إذ عملت الولايات المتحدة وإسرائيل، على مدى أكثر من عقدين، على تصوير إيران بوصفها الخطر الأكبر على النظام الدولي بدل التعامل معها كدولة ذات مصالح وأولويات مشروعة.

أدّت هذه المقاربة إلى سلسلة متواصلة من العقوبات، والتهديدات العسكرية، والعمليات الأمنية والعسكرية المباشرة، حتى خلال فترات التفاوض. ونتيجة لذلك، اضطرت إيران إلى تكريس مواردها للدفاع ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم، ليس بهدف فرض واقع جديد، بل لإثبات أنها لن تخضع للضغط. إلا أن هذه الردود استُخدمت لاحقًا لتأكيد الاتهامات المسبقة، ما أدى إلى حلقة مفرغة من الأمننة المتبادلة تشبه «معضلة الأمن»، لكنها تبدأ بالخطاب لا بالقدرات المادية.

الأمننة وتداعياتها الداخلية

يشرح المقال كيف انعكست هذه الحلقة على الداخل الإيراني، إذ ساهمت عقلية الحصار في تبني سياسات اجتماعية وأمنية أكثر تشددًا، مثل تقييد الفضاء الرقمي وتوسيع الرقابة. ورغم أن هذه الإجراءات لا تعالج جذور التحديات الداخلية—كالأزمة الاقتصادية، وتآكل الثقة، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع—فإنها تصبح شبه حتمية في ظل تهديد خارجي مزمن استمر منذ الحرب العراقية–الإيرانية وما تلاها من ضغوط أميركية وإسرائيلية.

كما يؤكد الكاتبان أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في إيران ليست منفصلة عن الحرب الاقتصادية الأميركية، التي أدت إلى انهيار العملة، وارتفاع التضخم، وانتشار الفساد المرتبط بالتحايل على العقوبات. ومع ذلك، جرى تسييس ملف حقوق الإنسان وتقديمه بصورة انتقائية، ما فاقم عملية الأمننة وقلّص هامش استقلالية إيران في النظام الدولي.

فشل الضغط وإمكانات الاختراق

يشدد المقال على أن سياسة الضغط لم تغيّر سلوك إيران، تمامًا كما أن السياسات الدفاعية الإيرانية لم تُبدّد تصورات التهديد. فالأمننة تعمل أساسًا في مجال التصورات الذهنية، ما يجعل الإجراءات الدفاعية—خصوصًا الخطاب الاستفزازي—تصب في مصلحة القوى الساعية إلى تصعيدها.

مع ذلك، يذكّر الكاتبان بأن إيران نجحت سابقًا في كسر هذه الحلقة عبر الدبلوماسية، خلال الفترة التي سبقت توقيع الاتفاق النووي عام 2015. وقد مثّل الاتفاق آنذاك تحولًا حقيقيًا في النظرة الدولية إلى إيران، وهو ما أقرّه مجلس الأمن في قراره 2231. وكان هذا الاختراق ثمرة شرعية داخلية قوية نتجت عن المشاركة الواسعة في انتخابات 2013، والتي منحت الحكومة تفويضًا واضحًا لاعتماد الحوار بدل المواجهة.

البداية من الداخل

يرى المقال أن كسر حلقة الأمننة يبدأ داخليًا، عبر بناء توافق وطني شامل يشمل القوى السياسية والمجتمع المدني والجمهور العام. ويمكن للحكومة الإيرانية تعزيز هذا المسار من خلال تشجيع قنوات التعبير عن الشكاوى، ومكافحة الفساد، وزيادة الشفافية، ما يعزز الثقة العامة ويقلّل الحاجة إلى سياسات داخلية مؤمّنة.

إعادة تعريف الدور الإقليمي

على الصعيد الخارجي، يدعو الكاتبان إلى إعادة صياغة الخطاب الإقليمي لإيران من منطق «الدولة القوية» إلى «المنطقة القوية»، عبر مبادرات لبناء الثقة والتعاون مع الجوار، خاصة في الخليج. كما يشددان على أن تحييد الجهات الأكثر استفادة من أمننة إيران—وفي مقدمتها القيادة الإسرائيلية—يمثل خطوة ضرورية، لا سيما في ظل التداعيات الأخلاقية والسياسية للحرب على غزة، التي فتحت نافذة لإعادة تقييم السرديات السائدة.

إدارة الخلاف مع الولايات المتحدة

يخلص المقال إلى أن إدارة الخلاف مع واشنطن باتت أمرًا لا مفر منه لكسر الحلقة، ليس بهدف تطبيع شامل، بل لمنع التصعيد. فهناك هدفان مشتركان يمكن البناء عليهما:
ألا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا، وألا تستخدم الولايات المتحدة الحرب أو الحصار ضدها.
وفي هذا السياق، يمكن التوصل إلى تفاهم نووي محدث يقوم على الشفافية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابل رفع العقوبات وضمانات أمنية، مع فتح المجال لاحقًا لمعالجة ملفات إقليمية أخرى.

يؤكد الكاتبان أن حلقة الأمننة ألحقت أضرارًا جسيمة بإيران والمنطقة والغرب من دون تحقيق أهدافها. وكسرها يتطلب إصلاحًا داخليًا، ودبلوماسية نشطة، وبناء ثقة متبادل، وتغييرًا في الخطاب السياسي. ويخلصان إلى أن تحرير إيران من الأمننة لا يخدم إيران وحدها، بل يمهّد لمرحلة أكثر استقرارًا وتنميةً وتوازنًا في الإقليم والنظام الدولي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى