صحافة وآراء

مؤتمر ميونيخ للأمن في نسخته 62 – جعجعة بل طحن

د. أيمن أبو الشعر

  • ميرتس يعتبر أن الأوربيين هم الذين بالغوا في اعتمادهم المفرط على الولايات المتحدة، وماكرون يدعو إلى تكريس الاستقلال
  • زيلينسكي يخرج عن أصول اللياقة ويهاجم رئيس الحكومة المجرية أوربان: “بأنه لا يفكر سوى بتنمية كرشه بدل بناء جيشه”

انعقد أول مؤتمر للأمن في ميونيخ عام 1963 ودورته الحالية هي الثانية والستين، والتي بنيت عليها بعض الآمال، ولابد من الإشارة إلى أن هذا المؤتمر وكان ينعقد في إطار ضيق نسبيا، ويبحث شؤون الحرب الباردة ثم اتسع أفقيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية حيث بات منفتحا على دول من أوروبا الشرقية والوسطى، ناهيك عن الدول الفاعلة أمنيا في العالم كالصين والهند والبرازيل. وقد اخذ هذا المؤتمر أهمية إضافية على خلفية الصراعات في الشرق الأوسط وظهور تنظيمات إرهابية لعل أبرزها داعش ناهيك عن التوتر النووي مما وسع دائرة اهتماماته بشكل كبير، واتسع كذلك الحضور على أعلى المستويات.

واقع الأمن الدولي
انعقد مؤتمر ميونخ للأمن الثاني والستين في ظروف استثنائية حساسة وشهد ما يشبه التظاهرة الدولية التي أرادت ألمانيا من خلال حشد هذا العدد الهائل من المسؤولين لفت الأنظار إلى مدى جدية المخاطر الواقعية على مستوى العالم، بعد تحول الأزمة الأوكرانية إلى حرب حقيقية، ناهيك عن بداية تصدع ما يسمى بالشراكة عبر الأطلسي أي العلاقة بين اوروبا والولايات المتحدة وخاصة عبر الناتو، وبدأ الاهتمام جديا بمسائل عديدة حتى بإشكالات الأمن السيبراني… عموما يمكن تلخيص أجواء البيئة العالمية إبان انعقاد مؤتمر ميونيخ للأمن وفق هذه المحاور النوعية والتي يحمل بعضها طابعا استراتيجيا بالغ الحيوية:
1- ظهور تآكل واضح للنظام الدولي القائم على قواعد محددة، وفقدان الثقة بالقوانين الدولية التي من المفترض أن تصونها الأمم المتحدة
2- ازدياد مخاطر استخدام القوة في حل بعض المشاكل بين الدول
3- اتساع الأطروحات الشعبوية الحماسية وحتى غير العقلانية أحيانا وتهميشها لمجمل الالتزامات الدولية
4- عودة تناول أي مسألة شائكة في إطار طرفي نزاع، والانطلاق من مصالح طرفين يذكران بشكل أو بآخر بالصراع السابق بين المعسكرين الشرقي والغربي مع تراجع دور الأيديولوجيا وتزايد دور المصالح الجيوسياسية.
5- اتساع الهجرة نتيجة الصراعات
6- تزايد إشكالات الأمن السيبراني والذكاء الصناعي والطاقة والمناخ وغير ذلك من الإشكالات الصغيرة التي تتنامى وتغدو كبيرة

طموح المؤتمر
وانطلاقا من ضرورة معالجة هذا الواقع المتشظي طرحت أمام المؤتمر مهمات عديدة كبرى ومتوسطة وصغيرة يمكن بالتالي أن تندرج تحت مسميات الاستراتيجية والملحة والمأمولة، ويمكن توزيعها على العناوين التالية:
1- محاولة استعادة حيوية العلاقات عبر الأطلسي وحل أزمة الثقة المتزايدة بين أوروبا والولايات المتحدة
2- إعادة تقييم دور وحالة حلف شمال الأطلسي انطلاقا من الواقع المتجدد بما في ذلك الانتقادات الأمريكية
3- تحديد الموقف بشكل واضح من الحرب في أوكرانيا، واستمرارية الدعم الغربي خاصة مع ظهور أصوات ليست موافقة على الدعم الكامل وغير المشروط لأوكرانيا، وجدوى احتمالات التسوية والشروط الممكنة
4- توضيح المواقف تجاه العقوبات على روسيا ووسائل ردعها، ودراسة مخاطر التصعيد المباشر بين روسيا وأوروبا
5- حل الإشكالات الناشئة في مجمل التباينات والسياسات التجارية بين أوروبا والولايات المتحدة
6- تطوير الاستقلالية الأوربية بما في ذلك الأسلحة

وسعى هذا المؤتمر عموما إلى تكريس الحوار المتكافيء للوصول إلى تفاهم مبدأي يتمخض عنه مشروع يقره الجميع، من هنا حرصت ألمانيا البلد المضيف على دعوة قرابة 60 رئيس دولة وحكومة “باستثناء بوتن الذي لم توجه إليه الدعوة ولا لأحد من المسؤولين الروس حسب زاخاروفا الناطقة باسم الخارجية الروسية- وعدم حضور الرئيس ترامب”، وقد حضر أكثر من 100 وزير دفاع وخارجية بمن فيهم وزير خارجية الصين، وهناك بالطبع مؤشرات تستدعي الدراسة المتأنية حتى من خلال القراءة النفسية لتصريحات عدد من الزعماء الأوربيين التي تبدو وكأنها محاولة إقناع أنفسهم بأنه ليس في الإمكان أروع مما كان في تقييمهم لكلمة روبيو في هذا المؤتمر حيث حاول تهدئة الخواطر والتأكيد على التلاحم الأمريكي الأوروبي ما دفع برئيسة المفوضية الأوربية أورسولا فون دير لاين إلى القول بأنه حطاب رويس طمأنها كثيرا بقوله يريد أوروبا قوية، كما عبر وزير الخارجية الألمانية يوهان فاديفول عن إعجابه بكلمة نظيره الأمريكي وخاصة تركيزه على ما يمكن تحقيقه معا في المستقبل واعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن خطاب روبيو لاقى استحسانا على وجه العموم وشدد وزير الدفاع الإستوني هانو بيكفور على أن الخطاب كان مصدر ارتياح كونه أظهر أن أوربا والولايات المتحدة ما زالتا حليفتين…

ضعف الثقة هو الأوضح
والحقيقة أن أجواء ضعف الثقة كانت مهيمنة فحتى تصريحات المتفائلين حملت بعض الشكوك والتردد، فقد أضاف وزير الدفاع الاستوني أنه كما هو الحال في أي زواج قد تكون هناك بعض الصعوبات، ولكن يمكن تذليل الصعوبات، كما شدد وزير الخارجية الفرنسية بعد استحسانه مباشرة على أن تركيزه لا يزال منصبا على بناء أوروبا قوية ومستقلة بغض النظر عن الخطابات التي تلقى في هذا المؤتمر، وأكد حتى وزير الخارجية الألماني أيضا بعد استحسانه لكلمة روبيو أن العديد من الشكوك لا تزال قائمة، الجدير بالذكر أن الرئيس ترامب انتقد أكثر من مرة علنا الدول الأوربية لضعف مساهماتها في قدرات الناتو الدفاعية، ووصل إلى قرار بيع الأسلحة الموجهة إلى أوكرانيا بحيث تدفع أوروبا ثمنها، حتى أن صحيفة بوليتكو اعتبرت أن جوهر الرسالة التي أرسلتها واشنطن لأوروبا هو أن الولايات المتحدة ليست بحاجة لحلفاء ضعفاء، وأن النظام العالمي القديم لم يعد يستحق الحماية، بل إن صحيفة فايننشال تايمز أكدت أن أوروبا في الواقع لم تكن راضية عن خطاب ماركو روبيو في ميونيخ، وأنها ترى أن الخطاب كان موجها للداخل الأمريكي. وبهذا المعنى تغدو عبارات التطمين حول المصير الواحد مجرد فقاعات صابونية، خاصة أن عبارات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في المؤتمر السابق ما زالت ترن لقوتها في آذان الزعماء الأوربيين حين وجه انتقادات لاذعة لديمقراطيات القارة الأوربية، والتي شكلت صدمة كبيرة للأوربيين عامة، ناهيك عن التصرف العملي حيث لم يحضر روبيو الاجتماع المخصص لبحث المعضلة الأوكرانية، يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأوكراني توجه إلى الإساءة الشخصية لرئيس الوزراء الهنغاري حين قال في خطابه بهذا المؤتمر أن رئيس الحكومة المجرية لا يفكر سوى بتنمية كرشه بدل الاهتمام ببناء جيشه، وأوربان هذا حليف قوي للولايات المتحدة وصديق شخصي للرئيس ترامب.

أبرز ما يظهر
لعل أبرز ما يظهر في هذا المؤتمر هو وضوح التوجهات التي تطالب بتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، وحتى اعتبار ذلك خطأ كبيرا قام به الأوربيون أنفسهم ناهيك عن اتهام الولايات المتحدة بأنها تقوم حاليا بتدمير النظام العالمي الذي أنشأته بنفسها قبل ثمانين عاما، حسب رئيس مؤتمر ميونخ للأمن فوفغانغ إيشنغر ، وقال المستشار الألماني فريدريك ميرتس بأن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة خلال العقود الماضية جعل الأوربيين بهذه الحالة وأن الحليف الحقيقي يأخذ التزاماته على محمل الجد وأوضح بأن أحدا لم يجبر الأوربيين على الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة الذي وجدنا في أنفسنا مؤخرا واصفا هذه الحالة بأنها وضع غير لائق صنعناه بأيدينا لكننا نترك هذه الحالة الآن خلفنا وأنه من الأفضل أن يكون ذلك اليوم لا فجا، وأعلن الرئيس الفرنسي ماكرون أن قوة أوروبا لا تعني قوة ألمانيا أو فرنسا على حدة بل هي قوة وحدة جميع الأوربيين في مواجهة التحديات المقبلة مشددا على أن الأوربيين يجب أن يصبحوا أكثر استقلالا وأن على الأوربيين أن يفكروا ويتصرفوا كأوربيين، ولا أدل على ذلك من أن قول مايكل بروستان رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية بأن مؤتمر ميونيخ للأمن سيشكل مفترق طرق حاسم في العلاقات عبر المحيط الأطلسي بين الولايات المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي، كل ذلك يؤكد وجود مفارقة كبيرة بين الطموح والواقع حتى أن معظم التصريحات المتفائلة تذكر بعبارة شكسبير أسمع جعجعة ولا أرى طحنا.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى