دولي

مرض أمريكا المزمن: إيران

ماتريوشكا نيوز

في خضم إستمرار حرب الإبادة الإسرائيلية العنيفة على قطاع غزة، لا تقتصر التداعيات على الجبهات العسكرية أو المشهد الإنساني فحسب، بل تمتد بعمق إلى الداخل الإسرائيلي، حيث تتكشف ملامح أزمة شاملة تطال البنية الأكاديمية والسياسية والمؤسسية لتضع إسرائيل أمام منعطف تاريخي حرج، يتقاطع فيه الإنهيار المعرفي مع التآكل الديمقراطي، والإحتقان الإجتماعي، والعزلة الدولية المتصاعدة. فالأوساط الأكاديمية في البلاد تواجه أخطر أزماتها منذ تأسيس الدولة في ظل تراجع غير مسبوق في البحث العلمي، حتى بات المستوى نفسه على شفا الإنهيار. وتتداخل عدة عوامل في تعميق هذه الأزمة، أبرزها المقاطعة الدولية المتصاعدة للمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، وتراجع الإستثمارات الحكومية في البحث والتطوير وهجرة العقول إلى الخارج، إضافة إلى وقف أو تجميد مُنح بحثية دولية كانت تشكّل شرياناً حيوياً للجامعات ومراكز الدراسات. وتشهد إسرائيل إنخفاضاً مستمراً في إستثماراتها في البحث والتطوير الأكاديمي منذ أكثر من عقد. وبين عامي 2014 و2023 تراجعت هذه الإستثمارات بنسبة 4% في مقابل إرتفاع لافت بنسبة 20% في إستثمارات دول منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية (OECD) خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس فجوة متنامية بين إسرائيل ونظرائها الدوليين في هذا المجال الحيوي، فإسرائيل أصبحت دولة منبوذة في الأوساط الأكاديمية وقد ساهمت الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، والتي بلغت ذروتها مع العمليات العسكرية الواسعة ضد قطاع غزة، في تعميق هذا التراجع. وهذه المقاطعة الأكاديمية التي تأتي في إطار حملة أوسع لمقاطعة إسرائيل (BDS)، بدأت تؤتي ثمارها بوضوح. فقد أُلغيت عشرات المؤتمرات الدولية التي كان من المقرر عقدها داخل إسرائيل، وتراجعت بشكل ملحوظ دعوات العلماء الإسرائيليين للمشاركة في المؤتمرات والندوات الخارجية، وهو ما إنعكس بشكل خاص على باحثي العلوم الإنسانية والإجتماعية الذين باتوا شبه معزولين عن شبكات التعاون الدولي. إلى جانب ذلك، تصاعدت الضغوط النفسية والمعنوية على الباحثين الإسرائيليين لا سيما الشباب منهم، الذين أشار كثيرون إلى أنهم يواجهون صعوبات جسيمة في بناء مساراتهم المهنية وسط أجواء عدائية وإنعدام فرص التمويل والتبادل الأكاديمي. ويظهر أبرز أعراض هذه الأزمة في التراجع الملحوظ لعدد المنشورات العلمية الإسرائيلية في الدورات الدولية حيث يغادر باحثون بارزون البلاد بحثاً عن بيئات أكاديمية أقل توتراً وأكثر دعماً. هذا النزيف الفكري يهدد مستقبل البحث العلمي في وقت تعاني فيه الجامعات الإسرائيلية من صعوبة إستقطاب باحثين دوليين أو حتى الحفاظ على كفاءاتها المحلية.

في موازاة التدهور الأكاديمي، تتصاعد في الداخل الإسرائيلي تحذيرات من أزمة سياسية ودستورية عميقة. فإسرائيل تقف عند مفترق طرق خطير، حيث أن الإنتخابات المقبلة ستكون الأخيرة بصيغتها الديمقراطية المعروفة، فسلوك الحكومة الحالية لا يعكس أي خشية من خسارة السلطة بل يكشف إستخفافاً متعمداً بالرأي العام وسعياً لتقويض ثقة الناخبين بمن فيهم أنصار الإئتلاف نفسه وهذا السلوك لا يصدر عن قيادة تخطط للفوز في إنتخابات “نزيهة” بل عن سلطة تسعى لإعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية. وهناك مؤشرات تدل على الإنهيار الداخلي من بينها الهجمات المتواصلة على القضاء، وتسييس أجهزة الأمن والشرطة، وإضعاف المؤسسات الثقافية، وتصاعد خطاب التحريض والتهديد، في ظل غياب أي جهد حقيقي لحشد تأييد شعبي واسع، وهذا النهج يوحي بوجود نية مُبيتة لتخريب العملية الإنتخابية ذاتها، من خلال إقصاء مرشحين وأحزاب، بما يجعل الضرر اللاحق بـ “نزاهة الإنتخابات” يتفاقم كلما إقترب موعدها المقرر في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وعلى الصعيد السياسي أيضاً، يواجه حزب الإئتلاف الحكومي أزمة متفاقمة تهدّد بإنهاء عمره، في ظل تصاعد الخلافات حول قانون إعفاء المتدينين اليهود (الحريديم) من الخدمة العسكرية، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يقود معركة إحتواء داخل الائتلاف للحفاظ على حكومته حتى أقرب وقت ممكن من موعد الإنتخابات ما لم تجرِ إنتخابات مبكرة، وينشغل نتنياهو بدعم إيتمار بن غفير رغم الإعتراضات القانونية، بالتوازي مع الضغط على وزير المالية بتسلئيل سموتريتش للمضي قدماً في إعداد ميزانية العام 2026 في مسعى لإظهار قدر من الإستقرار الحكومي وسط تزايد التصدعات، إذ بات ملف إعفاء الحريديم العقدة الأساسية التي تهدد بإنهاء الحكومة ويخشى نتنياهو من أن يؤدي تمرير أي صيغة للقانون إلى إضعاف قاعدته الإنتخابية في حين يدرك الحريديم إن الذهاب إلى إنتخابات مبكرة سيضعهم في موقف تفاوضي أضعف، وإنعكس هذا التوتر ميدانياً حيث إندلعت إشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين من الحريديم أمام مكتب تجنيد في القدس ضمن موجة إحتجاجات متواصلة منذ قرار المحكمة العليا في العام 2024 إلزامهم بالخدمة العسكرية ووقف الدعم المالي للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها التجنيد، ويشكل الحريديم نحو 13% من سكان إسرائيل ويتمسكون برفضهم للخدمة العسكرية بدعوى تكريس حياتهم لدراسة التوراة وخشيتهم من الذوبان في المجتمع العلماني، وهو ما جعل قضيتهم واحدة من أكثر الملفات تفجيراً للخلافات داخل المجتمع الإسرائيلي.

وبينما تتصدع الجبهة الداخلية الإسرائيلية سياسياً وإجتماعياً تبقى غزة مركز الثقل الذي تتقاطع عنده كل الخيوط. فالحرب التي لم تتوقف رغم إتفاقات التهدئة المُعلنة التي ما زالت تُلقي بظلالها الثقيلة على كل قرار وعلى كل تفصيل، بدءاً من مصير المعابر وصولاً إلى مستقبل القطاع نفسه. المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أنهت إستعداداتها التقنية واللوجستية لإعادة فتح معبر رفح الحدودي مع مصر في الإتجاهين. خبر بدا للوهلة الأولى وكأنه إختراق في جدار الإغلاق، لكن تفاصيله سرعان ما كشفت عن واقع أكثر تعقيداً. المعبر المغلق بالكامل منذ مايو/أيار 2024 بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني خلال عملية رفح كان يُفترض أن يُفتح قريباً للسماح بالدخول والخروج. غير إن هذا القريب ظل معلقاً على شروط أمنية وسياسية صارمة، تُبقي القرار بيد القيادة الإسرائيلية وحدها. وعلى مدى العامين الماضيين، مُنع آلاف الفلسطينيين الذين غادروا غزة قبل إندلاع الحرب من العودة إلى القطاع. ووفق القرار السياسي الإسرائيلي، سيسمح بعودتهم فقط بعد خضوعهم لإجراءات تفتيش ورقابة أمنية مشددة، في مشهد يعكس فلسفة السيطرة لا منطق الإغاثة، وإن فتح المعبر سيتم تحت إشراف دقيق وبمشاركة قوات أوروبية موجودة بالفعل في إسرائيل يُفترض أن تلعب دوراً رئيسياً في مراقبة نشاط المعبر. وتشمل الخطة تفتيشاً إلكترونياً عن بُعد للفلسطينيين المغادرين إلى مصر، مقابل تفتيش جسدي صارم للعائدين، إضافة إلى إنشاء نقطة تفتيش جديدة داخل رفح، ولكن هذه المرة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، بذريعة الإعتبارات الأمنية، ورغم إن هذا الترتيب يأتي ضمن بنود إتفاق وقف إطلاق النار الذي رعاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن التنفيذ ظلَ متعثراً. فقد كان من المفترض فتح المعبر ضمن المرحلة الأولى من الإتفاق في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلا إن إسرائيل لم تلتزم، ما فجّر توتراً متزايداً مع مصر التي شددت مراراً على أن أي فتح يجب أن يكون في الإتجاهين لا مجرد بوابة خروج. ومع كل تأخير كانت الأزمة الإنسانية في غزة تتعمق أكثر. فمعبر رفح هو المنفذ البري الوحيد للقطاع إلى العالم الخارجي دون المرور المباشر عبر إسرائيل ما دفع 8 دول عربية وإسلامية (السعودية مصر الأردن الإمارات إندونيسيا باكستان تركيا وقطر) بالمطالبة بإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل فوري وكامل ودون عوائق أو تدخل من أيّ طرف عبر الأمم المتحدة ووكالاتها، معبرين عن بالغ قلقهم إزاء الإنهيار الإنساني المتسارع في قطاع غزة. ومنذ تدمير مبانيه وإغلاقه، حُرم آلاف المرضى والجرحى من العلاج، وبقي آلاف آخرون عالقين خارج القطاع، معلّقين بين وطن لا يستطيعون العودة إليه وحدود لا تُفتح، وفيما لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية بل إن إستمرار الهجمات المكثفة على مناطق متعددة داخل قطاع غزة أعاد طرح السؤال الجوهري: هل هناك نية حقيقية للإنتقال إلى المرحلة الثانية من إتفاق وقف إطلاق النار؟ فعلى الرغم من التعويل والتهويل الذي ساد عقب لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عاد الأخير إلى تل أبيب محمّلاً بتصريحات تهديدية، بينما واصلت قواته نسف المنازل والمنشآت المدنية على طول الشريط الحدودي في محاولة لفرض تموضع عسكري دائم وإستخدام هذه المناطق كورقة ضغط سياسية وأمنية، فنتنياهو حصل على تفهّم أمريكي يسمح لإسرائيل بعدم الإنسحاب من قطاع غزة حتى لو بدأت المرحلة الثانية إضافة إلى ضوء أخضر لتنفيذ عمليات عسكرية ضد حركة حماس والفلسطينيين متى شاءت في ظل تقديرات إسرائيلية إن حماس تعيد تسليح نفسها عبر الإستفادة من القنابل الإسرائيلية الضخمة غير المنفجرة في قطاع غزة وتصنّع منها عبوات كبيرة ضخمة كما يتم تصنيع صواريخ مضادة للدروع وقذائف هاون بالإضافة إلى إعادة تصنيع صواريخ تطال العمق الإسرائيلي. وما يجري يُظهر إن إسرائيل لن تسحب قواتها من غزة قبل الإنتخابات الإسرائيلية المقبلة، لكن يسعى الفلسطينيون للرد على نتنياهو عبر الوسطاء حيث بحث حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني الأحد في القاهرة، سبل الدفع نحو الإنتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب، وبالرغم من الدعم الأمريكي الذي ينشرخ أحياناً لتل أبيب، واجهت الأولى أي واشنطن صعوبات كبيرة في تتبع الأسلحة الحساسة التي أُرسلتها لإسرائيل خلال السنة الأولى من الحرب، فوحدة التعاون الدفاعي في السفارة الأمريكية عجزت عن تنفيذ عمليات التفتيش الميداني المطلوبة بعد إندلاع الحرب، ما أدى إلى تراجع القدرة على تتبع المكونات العسكرية من 69% قبل الحرب إلى 44% فقط منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وفي قلب المأساة الإنسانية، تتفاقم أزمة المفقودين في قطاع غزة. مئات الجثامين المجهولة الهوية تُدفن دون أن تُعرف أسماؤها، في ظل منع إسرائيل إدخال أجهزة فحص الحمض النووي (DNA)، ما يحوّل القضية إلى جرح مفتوح في ذاكرة العائلات. تدمير المختبرات وإستشهاد أطباء الأنسجة وتحلل الجثث تحت الأنقاض، كلها عوامل جعلت التعرف على الضحايا شبه مستحيل. ومع كل يوم يمر، يتلاشى الأمل أكثر، ويتحول الزمن من شاهد محتمل إلى عدو مباشر للحقيقة. ومع إتساع رقعة النار في غزة، إتضحت لعبة نتنياهو التي تسير على مبدأ تثبيت صورة أن العدو مركزي. فإيران بأذرعها وشبكاتها كانت الحاضر في كل غرفة عمليات وفي كل خطاب سياسي. غير أن المفارقة إن هذا التصعيد الخارجي تزامن مع تصدعات داخلية عميقة وغليان في قلب إيران وشوارعها. في طهران لم تبدأ الإحتجاجات كشعار سياسي كبير أو حركة منظمة تسعى لإسقاط النظام. البداية كانت إقتصادية صامتة نسبياً خرجت من الأسواق ومن أفواه التجار الذين ضاقوا بتقلبات العملة، وغلاء المعيشة، وإنسداد الأفق. مطالب بدت في ظاهرها معيشية بحتة، لكنها حملت في طياتها تراكم سنوات من الغضب. وما إن مرّ اليوم الأول، حتى خرجت الأمور عن المسار الذي أرادته السلطات ليتحوّل الإعتراض إلى حراك في الشوارع، وتتحول الهتافات من شكاوى إقتصادية إلى شعارات أوسع تمس جوهر السلطة. هنا، وجدت طهران نفسها أمام إختبار مزدوج في الخارج تصعيد إسرائيلي مستمر، ورسائل أمريكية متوترة. وفي الداخل شارع يفور وشباب ينزلون إلى الساحات، وجامعات تعود لتكون بؤر إحتجاج كما كانت في إحتجاجات العام 2022، لكن الإحتجاجات حُرفت عن مسارها فالإعتقالات المستهدفة بدأت خصوصاً بعد دعوة الموساد الإسرائيلي الإيرانيين للنزول إلى الشارع. الموساد الإسرائيلي لم يكتفِ بالدعوة بل شارك بنفسه في هذه الإحتجاجات حيث عمد إلى تجنيد بعض الأشخاص كالعنصر الذي تمكنت الأجهزة الأمنية من رصده وإعتقاله وهو بنفسه إعترف عن آليات تجنيده وتدريبه وطرق التواصل معه. طريقة الموساد نفسها تقوم بإستهداف الأشخاص الناشطين على شبكات التواصل الإجتماعي مثل إنستغرام وتليغرام، ممن لديهم تفاعل وإعجابات. إسم إسرائيل حضر بقوة ليس فقط في الخطاب الإيراني بل أيضاً في الحسابات السياسية داخل تل أبيب. نتنياهو الذي إعتاد إستخدام التهديد الإيراني كأداة لتوحيد الداخل الإسرائيلي وتبرير سياساته الأمنية وجد في هذه الإحتجاجات فرصة مزدوجة وهي عبر إضعاف خصم إقليمي من الداخل، وإعادة تقديم نفسه حليفاً لتطلعات الشعب الإيراني للحرية كما قال لاحقاً بوضوح غير مسبوق. تصريحات نتنياهو لم تكن عفوية. حين أعلن تضامنه مع الشعب الإيراني لم يكن يخاطب الإيرانيين وحدهم، بل كان يوجّه رسائل متعددة الإتجاهات منها إلى واشنطن بأن اللحظة مؤاتية للضغط وإلى الداخل الإسرائيلي بأن الخطر الإيراني يتصدع وإلى طهران نفسها بأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية ونفسية أيضاً. في المقابل، ردّت القيادة الإيرانية بنبرة أكثر تشدداً. المرشد الأعلى السيدعلي خامنئي فرّق بوضوح بين مطالب إقتصادية محقة وبين شغب يجب وقفه وهذا الفصل لم يكن لغوياً فحسب بل كان إشارة واضحة إلى إن النظام إختار طريق المواجهة الأمنية لا الإحتواء السياسي، لتتصاعد بعدها الإعتقالات في الإحتجاجات التي دخلت أسبوعها الثاني ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى بين المتظاهرين وقوات الأمن الإيرانية وبعد مشاهد الدم والعنف التي ظهرت في التظاهرات لم يبقَ الخارج ساكناً. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد إلى لغة التهديد المباشر مشيراً إلى تدخل محتمل إذا إستُهدف المتظاهرون. هذه التصريحات التي وُصفت في طهران بالمتهورة، فتحت الباب أمام سيناريوهات خطيرة. فإيران التي تخوض حرب أعصاب مع إسرائيل، الآن وجدت نفسها أمام ضغط مزدوج أمريكي – إسرائيلي مباشر، مستند إلى مشهد داخلي متفجر. ومع تزايد التهديدات تحركت المؤسسة العسكرية الإيرانية في إستعراض قوة محسوب. مناورات صاروخية، تفعيل أنظمة دفاع جوي، ومشاهد وميض في سماء طهران وشيراز، كلها رسائل أرادت بها طهران القول إن إنشغالها بالداخل لا يعني ضعفها في الخارج. وفي الوقت ذاته، نُصبت لوحات دعائية في العاصمة تحمل صور توابيت مغطاة بأعلام إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في مشهد يعكس كيف تحوّل الصراع إلى حرب رموز بقدر ما هو حرب أسلحة مع تهديدات شديدة النبرة بإستهداف جميع قواعدها وقواتها المسلحة في منطقة الشرق الأوسط رداً على أي عدوان أو مغامرة تلى ذلك تحركات عسكرية أمريكية إلى بريطانيا تشمل وصول طائرات نقل إستراتيجية وتعزيزات جوية غير معتادة، أعادت إلى الأذهان مشاهد ما قبل الضربات السابقة. وإسرائيل أيضاً التي تنتظر الحرب مع إيران على مضض لم تُخفِ إستعدادها. إجتماعات أمنية مطولة، خطط هجوم تحمل أسماء ذات دلالة، وحالة تأهب قصوى في الجيش والإستخبارات، كلها أشارت إلى إن خيار المواجهة لم يُرفع عن الطاولة. وبالتوازي مع كل هذا بدأت إيران بخوض حرباً سيبرانية مفتوحة مع إسرائيل. رسائل تهديد وصلت إلى آلاف الإسرائيليين، تحمل أسماءهم وأرقام هوياتهم، وتقول بلغة باردة: نحن نعرفك. لم يكن الهدف إختراقاً تقنياً بقدر ما كان ضربة نفسية، رسالة تقول إن الجبهة الداخلية الإسرائيلية مكشوفة كما هو الشارع الإيراني مشتعل. هذه الحرب الرقمية أعادت إسم مجموعة “حنظلة” إلى الواجهة. المجموعة التي أعلنت إختراق هواتف شخصيات سياسية إسرائيلية بارزة، لم تكتفِ بنشر صور أو مقاطع خاصة بل سعت إلى ربط كل ذلك بالسياق الأكبر: حرب الإثني عشر يوماً وما تلاها من تصعيد غير معلن. الرسائل المنسوبة إلى أييلت شاكيد، وما قيل عن محاولات تنسيق خارج القنوات الرسمية، كانت بمثابة قنبلة سياسية حتى وإن لم تؤكد صحتها رسمياً.

في دمشق، العاصمة التي تحمل ندوب الحروب السابقة، المسؤولون السوريون والإسرائيليون يستعدون للقاء في باريس على مدى يومين في إطار جولة جديدة من المفاوضات الأمنية. اللقاء الذي تتوسط فيه واشنطن من خلال المبعوث الخاص توم باراك، لن يكون مجرد إجتماع بروتوكولي، بل محاولة حذرة لتثبيت وقف إطلاق النار على الحدود، بعد سنوات من الصراعات والتوترات. على الطاولة، ملفات حساسة: نزع السلاح من جنوب سورية، إنسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي سيطرت عليها بعد إنهيار نظام الأسد السابق، وضمان حماية الأقليات، خصوصاً الدروز والمسيحيين. رغم كل هذا، بقيَ ملف هضبة الجولان بعيداً عن أي تفاهم، فهو قضية سيادية لا يمكن تجاوزها ولا يُسمح لأي إتفاق مؤقت أن يمس خطوطها الحمراء. ومع ذلك، فريق التفاوض الإسرائيلي الجديد بقيادة سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل ليتر، والمرشح لرئاسة الموساد رومان غوفمان، والقائم بأعمال رئاسة مجلس الأمن القومي الإسرائيلي جيل رايخ، مستعد لإدارة اللعبة بدقة: غوفمان يركز على الجانب الأمني، ليتر على التنسيق مع واشنطن، ورايش على الإتصالات الدبلوماسية. أما الجانب السوري، فسيكون ممثلاً بوزير الخارجية أسعد الشيباني مع حضور الوسيط الأمريكي باراك لضبط الإيقاع وتقديم خطوط حمراء واضحة للطرفين وهذا ما جرى التأكيد عليه أصلاً في لقاء الرئيس ترامب ونتنياهو في فلوريدا فالرئيس الأمريكي أجبر الأخير على التوصل لإتفاق أمني مع سورية، في الوقت ذاته كانت قوات سورية الديمقراطية (قسد) في شمال وشرق البلاد تتابع ملف الإندماج في المؤسسات العسكرية السورية وفق إتفاق10 مارس 2025 في لقاء جرى في العاصمة دمشق بحضور مظلوم عبدي مع الرئيس أحمد الشرع، محاولة تأكيد سيطرة الإدارة الذاتية على مناطق النفط والغاز، دون الإضرار بالخطوط العامة للمفاوضات مع دمشق. الإختلافات في وجهات النظر حول تقسيم القوات وقيادة الألوية خصوصاً لواء المرأة، شكلت عقبة تقنية حالت دون الوصول إلى نتائج ملموسة رغم ضغوط تقودها واشنطن بشكل رئيسي، لكنها كانت ضرورية للحفاظ على التوازن الداخلي، ومنع أي إنفجار شعبي يُسيء لملف الإندماج.

ولبنان على أعتاب أسبوع حاسم، حيث يستعد الجيش اللبناني لعرض تقريره على مجلس الوزراء حول مهام حصرية تتعلق بالسلاح جنوب نهر الليطاني في إطار خطة محكمة لضبط الساحة الأمنية وفرض هيمنة الدولة على الأراضي، بعيداً عن أي توظيف سياسي أو ضغوط خارجية مباشرة. هذا الإجتماع العسكري البحت، سيكون خطوة أولى قبل دعوة لاحقة تضم ممثلين مدنيين لإعادة التوازن إلى إطار لجنة الميكانيزم، وتأكيد أن المرحلة الحالية هي فنية وأمنية بحتة، في وقت يتصاعد فيه القلق من أي تصعيد إسرائيلي واسع رغم خروقاته اليومية وإستهدافاته التي تطال الجنوب والبقاع وحتى أجواء الضاحية الجنوبية لبيروت في رسالة واضحة من تل أبيب بأن الضغوط على لبنان وحزب الله مستمرة وإن أي إنتهاك لإتفاق وقف إطلاق النار الذي أصلاً تخترقه إسرائيل بنفسها منذ سريانه سيواجه برد حاسم! تتزامن هذه التحركات مع تجارب صاروخية إسرائيلية باليستية عسكرية جرت في الشمال تحسباً لأي مواجهة. في الداخل اللبناني، تتواصل التحركات العسكرية على الأرض بجدية، فالجيش يواصل حصر السلاح بيد الدولة في جنوب نهر الليطاني، في إطار خطة تشمل لاحقاً بيروت وجبل لبنان والبقاع. ويؤكد وزير الدفاع اللبناني وقائد الجيش إن المرحلة الأولى إكتملت بنجاح نسبي، رغم وجود نقاط محتلة من قبل إسرائيل، والتي يُتوقع أن تشهد مزيداً من الضغط الدبلوماسي لإنسحابها. بينما يظل حزب الله على موقفه الرافض للمرحلة الثانية. وعلى الطاولة السياسية، تلقت الحكومة اللبنانية مجدداً رسالة أمريكية مفادها أن المهلة الممنوحة للبنان للإنتقال إلى حصر السلاح شمال نهر الليطاني تنتهي في 15يناير/كانون الثاني الجاري وسط تحذير من إن إسرائيل قد تشن جولة قتالية جديدة ضد حزب الله إذا لم يتم الإلتزام بهذه المهلة، هذا المشهد السياسي الأمني الحذر يتصاعد وسط فضيحة غرامية للمبعوثة الأمريكية إلى لبنان مورغان أورتاغوس مع رجل الأعمال اللبناني وأشهر مصرفي في البلاد، أنطون الصحناوي الذي أثارت إدارته المصرفية الكثير من السجال وعلامات الإستفهام في الأوساط اللبنانية ناهيك عن علاقته شديدة التوتر بالصحافة وإدعاءاته القضائية العديدة على الكثير من الصحافيين الذين سلطوا الضوء على مساراته الإشكالية قانونياً ومالياً، فهل تؤثر علاقة أورتاغوس المتزوجة أصلاً مع الرجل اللبناني الذي يدعم بادرة فنية أمريكية – إسرائيلية، تجمع فرقتي أوبرا من واشنطن وتل أبيب على إجتماعات لجنة الإشراف على إتفاق وقف إطلاق النار الميكانيزم؟ وفي المشهد الأمني الداخلي، إنطلقت حملة واسعة للجيش اللبناني لملاحقة فلول نظام الأسد في شمال لبنان، بالتزامن مع محاولات مستشار الرئيس السوري فتح صفحة جديدة مع بيروت. المداهمات شملت عكار وطرابلس والبترون وبعلبك والهرمل، وأسفرت عن توقيف 9 لبنانيين و35 سورياً متورطين في أنشطة مشبوهة، من تهريب أسلحة ومخدرات إلى تحركات غير قانونية، في تأكيد على إن الدولة اللبنانية تحاول إستعادة زمام المبادرة على الأرض قبل أي مواجهة محتملة مع إسرائيل أو أي تهديد داخلي آخر، بعد معلومات وصلت إلى الأوساط اللبنانية تفيد بأن لبنان يجهز لإستخدامه كقاعدة خلفية للتخطيط وتنفيذ عمليات عسكرية ضد الإدارة السورية الجديدة، وهذا ما أثار موجة من القلق الشعبي والرسمي ومخاوف من وضع لبنان مجدداً في موقف بالغ الحساسية والخطورة مع تداعيات وخيمة على أمنه وإستقراره الهش أساساً، فضلاً عن تهديد علاقاته الإقليمية والدولية التي يسعى جاهداً إلى إعادة بنائها على أسس سليمة. وهذا إستدعى إستنفار سياسي لبناني – سوري وسط إتصالات بين الجانبين لم تخلُ من التوتر على الرغم من تأكيد الحكومة اللبنانية إن ما يُشيع يجب التعاطي معه بجدية رغم عدم وجود أدلة ثابتة حوله. وهذا الموضوع إن صح، سيكون مؤذياً للبنان وسورية معاً.

إذن المنطقة برمتها تقف على مفترق طرق دقيق، حيث تتداخل الأزمات الإنسانية والسياسية والأمنية بشكل يفرض على كل طرف التفكير بعناية في خياراته. إسرائيل تواجه تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة، من إنهيار أكاديمي وسياسي إلى تصاعد الإحتقان الإجتماعي والعزلة الدولية، بينما يبقى قطاع غزة محوراً حاسماً يُختبر عنده كامل القرار السياسي والأمني. في الوقت نفسه، تتكشف أبعاد مُتشابكة للصراع الإقليمي، مع إيران ولبنان وسورية كمحاور رئيسية، ما يجعل كل تحرك محسوباً ضمن لعبة متوازنة بين القوة والتهدئة، وبين الردع والتفاوض. هناك حاجة ملحة لتبني حلول إستراتيجية شاملة، قادرة على إستيعاب الأزمات المتعددة، وتقليل المخاطر الإنسانية والسياسية، وتثبيت إستقرار داخلي وإقليمي هش. فالمشهد الراهن يؤكد أن أي تجاهل لهذه التحديات سيضاعف الضغوط ويقود المنطقة إلى دوامة جديدة من التصعيد المستمر الذي هو موجود أساساً، بينما التعامل المدروس والمتوازن مع هذه الأزمات قد يشكل نقطة إنطلاق نحو مسارات أكثر إستدامة للأمن والإستقرار، ليس فقط لإسرائيل والفلسطينيين، بل للمنطقة بأسرها، ولكن كيف ستهدأ المنطقة بوجود الرئيس ترامب وطفله المدلل نتنياهو؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى