صحافة وآراء

مسرحية “رجل الثلج” للشاعر الأديب أيمن أبو الشعر قادمة من كهوف التاريخ لتتكلم الآن

فرحان الخطيب

عرف عن الشاعر أيمن أبو الشعر أنه متنوع في نتاجه الأدبي ما بين الشعر والمسرح والدراسات والترجمة، فهو نهر فيّاض بالإبداع الأصيل، والمنتمي إلى جذوره الإنسانية والتي منح منها عناصرها الرئيسة المشتركة بين شعوب الأرض، فتحدث عن الحب والعدالة والجمال وعن نقيض ذلك كالظلم والعدوان والقبح، وكل ذلك يتناسل من النفس البشرية التي تنحاز بطبيعتها من جهة، وبعوامل ذاتية وموضوعية من جهة ثانية.

أيمن أبو الشعر ومن خلال دراسته للأدب الروسي، وإقامته في روسيا من على زمن الاتحاد السوفييتي، وقفزة البروسترويكا التي نقلت المجتمع الروسي إلى مرحلة أخرى، وبما رافقها من فساد من بعض أولي الأمر، كل ذلك اطلع عليه الشاعر أبو الشعر وتأثر به، وكانت أحاسيسه وتأملاته تجوس المظاهر والتحولات الطافية على سطح المجتمع وصولاً إلى جوّانيته، وهذا لا يتأتى إلّا لمن امتلك ناصية اللغة، ومفاتيح المعنى، وجمالية السبك في المنتج الأدبي الذي يرغب، ولهذا كانت مسرحية “رجل الثلج” بلغة شخوصها الروس يكتبها أبو الشعر، لتذهب أبعد من ذلك بعد تاريخ طويل من كتابتها، لتترجم إلى الانكليزية من قبل خالد وتعيد نشرها وإطلاقها أهم دور النشر الأمريكية “الأمازون” نظراً لتجاوزها مرحلتها التاريخية، وقدرتها على الاستمرار بمعاصرة قابلة للحضور والتكلم الآن معنا.

تقول المسرحية : لقد ضربت النازية مفاصل الجسد الروسي بقوة، فاستلّ الكاتب من المجتمع الروسي وجع أسرة هربت من وحشية النازية إلى جبال القفقاس حاملة معها وهماً بأن المجتمع الروسي تتم إبادته، ولم يبق إلّا هم في هذا المحيط الجبلي المنعزل، وتحدث مرحلة التغيير والانتقال من الاتحاد السوفييتي إلى روسيا، عبر “البروسترويكا” ليتسلل الفاسدون إلى مفاصل القرار وينهبون ويسرقون يمثلهما الشاب “بيوتر” والكهل “خرياكوف”.

هذان الفاسدان حاولا عبور الحدود عن طريق الجبال، فاصطدما بالأسرة الروسية الهاربة منذ أكثر من أربعين سنة معتقدة أن العالم انتهى، ولم يعد غيرأفرادها من الروس على قيد الحياة.

كانت الأسرة مؤلفة من رجل وزوجته وولديه سلافا وإيغر، وابنته الفيرا، ولأن الأب دائم البحث والتقصي ليستطلع ما يحدث حوله فقد قتل ببنادق ورصاص المتقاتلين، وتتصاعد الأحداث دراميا حينما أرادت الأم أن تعيد الخلق من خلال الفيرا وسلافا، إلا أن أخاه إيغر قد قتله، فانتقمت الفيرا منه وقطعت له عضوه الذكري وهو نائم، وهنا وصلت الأم إلى نصف جنونها بالقضاء على رغبتها الملحة في بعث الحياة من جديد.

الرجلان الفاسدان أكدا للأسرة المنغلقة على ذاتها أنهما روسيان مثلهم، وأن النازيين يملؤون الأماكن ليتسنى لهم البقاء مدة أطول ويتمكنا بالعبور إلى أوروبا بأمولهما المسروقة من الدولة، ويتابع أبو الشعر بالتصعيد الدرامي، وخلق الحوادث المناسبة لسيرورة المسرحية بحبكة درامية مقتعة، إذ تشاء الأقدار أن يقع الكهل خرياكوف ويكسر رجله، لتزداد مدة اقامتهما عند هذه الأسرة الروسية الحاملة خوفها ورعبها من النازية ومن التلاشي والفناء بعد موت سلافا إذ أنه تلد منه الفيرا سوى البنت أولغا، وهذا أمر قدري يودي بالروس إلى الفناء حسب ما هو متخيل عند أفراد الأسرة الباقين، ولكي يزيد الكاتب من ذروة التشوق، أراد للثلوج أن تهطل وتسد الطرق ليمكث الرجلان مدة أطول ويقع الشاب بيوتر في حب الفتاة أولغا، ويتزوجان، ويبدأ بحب الحياة وزوجته والزراعة ليغير مساره ليصبح رجلاً صالحاً في المجتمع، ما أزعج الكهل خرياكوف وخاصة عندما أنجبا طفلة، ويأخذ الفرح مساره إلى قلب الجدة، إذ يعود لها أملها بانبعاث الخلق من جديد بواسطة الزوجين بيتر وحفيدتها أولغا .

المسرحية “رجل الثلج” لمن يقرؤها يجد أنها وإن اتكأت على مرتكز تاريخي محدد بالزمان والمكان، إلّا أنها استطاعت أن تكون ببواعثها وشخوصها صالحة لأكثر من زمن بفعل قدرة أبو الشعر أن يصوغ الحبكة المسرحية من حوادث وشخوص وحوارات ويجعلها حمالة للألم والأمل والموت والولادة والظلم ومحاولة الخروج من دائرته، وهذه العناصر الوجودية عابرة للوقت ما جعل المسرحية بقوتها الحكائية الممثلة على مسرح الحياة، تعيد انتاجها أكبر دار للنشر أمريكية ” الأمازون ” لتطرح للقراءة مجدداً عبر أجيال تتعاقب زمنياً.

لاقت مسرحية “رجل الثلج” رواجاً واهتماماً كبيرين، ولعل الرأي الذي جاء من د. منى كشيك المدرسة في جامعة دمشق يمثل المسرحية ومقاصدها بشكل لافت، تقول :

إن أيمن أبو الشعر استطاع توظيف الإسطورة درامياً بشكل مثير، حيث تتشكل الأحداث وتصاعدها عبر الحوار، وتمكن عبرها من أن يطرح أسئلة وجودية كبرى وصعبة، هل ينقذنا الإيمان بقضية من واقع متردٍّ حتى لو كانت القضية واهمة!؟

والمؤلف لا يقدم إجابات جاهزة، دافعاً القارىء بذلك إلى المشاركة في استقراء الحدث وتقييمه، حيث يتجلى بشكل متوازن الخوف من النازيين الغرباء والفاسدين المحليين، وخاصة عبر شخصية خرياكوف.

وكما أشرت في سطور سابقة، إن إمكانية مسرحية “رجل الثلج” تؤهلها لأن تكون حاضرة بموضوعها في كثير من الجغرافية التي نعرفها، عبر اسقاطات من الماضي تتماثل مع حاضرنا الذي نحن فيه عبر ثنائية العدو الخارجي الذي يشكل مع الفساد الداخلي غولاً ينهش جسد المجتمع، وينهب خيراته، ويقتل طموح أبنائه لوقوعهم بين فكي الكماشة داخلياً وخارجياً .

ومن الذين أشادوا بهذه المسرحية الناقد المسرحي هيثم يحيى الخواجة معتبراً المسرحية :
( .. بأنها عمل درامي بالغ الإتقان عبر معمارية مسرحية تعتمد الإسلوب الكلاسيكي عبر الوحدات الثلاث، ناهيك عن البناء الهرمي للحبكة والصراع من خلال حوار هادف ومؤثر .. ) .

لقد تعاطى الكثير من الكتاب المسرحيين مع موضوعة الخير والشر، ومثلها الكثير من المعاني المتضادة في الحياة والتي بنيت واستقامت عليها الحياة بالأصل، ولكنها عند الكاتب المتصل بجدلية الوجود بعقل منفتح ومتنور تجعله هذه المتناقضات دائم التفكير، طارحاً على نفسه وبالتالي على مجتمعه الأسئلة الكثيرة المتعلقة بطبيعة إنسانيتنا التي تصطدم في كثير من الصعوبات الكبرى التي تعيقها عن تحقيق ذاتها.

وهذا ما سعى إليه أيمن أبو الشعر في “رجل الثلج” عبر الحوار المتصاعد درامياً بين الضابط المتخفي الذي عثر على حقيقة خرياكوف الفاسدة حين ادعى أنه رجل الثلج، ملتقيأ مع بطش النازية ليشكلا ذروة الثنائية المتمرسة في قهر الشعوب، بعد حبكة و حوار ماتع بلغة شاعر متمكن استطاع من خلالها إضفاء رشاقة وحيوية على النص المسرحي ما قربها من المتلقي قراءة، ونحن بانتظارها على خشبة المسرح يؤدي شخوصها ممثلون قديرون بإظهار أفكار أيمن أبو الشعر الصالحة لكل زمان ومكان ومؤداها أن الحياة ولّادة ومستمرة باخضرار الخير الذي لابد وأن ينتصر على التقوقع والانطفاء ..

ولم يبق لنا في نهاية هذا المقال إلًا أن نهنىء شاعرنا ونبارك له هذه الترجمة لرجل الثلج إلى اللغة الانكليزية عبر دار “الأمازون” الأمريكية ليكون انتشارها أشمل وأعم.


يجدر بنا أن نُشير في الختام إلى أن “ماتريوشكا نيوز” كانت على حق في اهتمامها بهذا الخبر؛ فقد أدركت منذ اللحظة الأولى أنه عمل نوعي يستحق التوقف عنده، سواء لما يتمتع به المؤلف من حضورٍ وشهرة، أو لما يحمله الموضوع من خصوصية تتصل بأصداء الحرب العالمية الثانية ومحاربة النازية، تلك التي قد تعود بأشكالٍ مختلفة كلما غاب الوعي وغفلت الذاكرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى