دولي

مشهد إقليمي مضطرب بين السودان والبحر الأحمر… وخريطة صراع تعاد كتابتها رغم هدنة هشة

ماتريوشكا نيوز

أولاً: السودان – تبدّل خطوط الإمداد وتصاعد التدخلات الإقليمية

تعيش الحرب السودانية أخطر مراحلها مع تغيّر خطوط الإمداد واتساع رقعة التدخلات الخارجية. فمع اشتداد الضربات الجوية في المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا، ازدادت حساسية المنطقة التي تُستخدم لتهريب الذهب وإعادة التموين لقوات الدعم السريع ومجموعات مرتبطة بخليفة حفتر. المؤشرات تشير إلى أن الضربات الأخيرة – التي وقعت على بعد 20 كيلومتراً فقط من الحدود المصرية – قد تكون جزءاً من تحرك مصري أوسع لوقف تمدد الدعم السريع المدعوم إماراتياً.

وفي الوقت ذاته، بدأ حفتر ونجله صدام بتغيير مسارات الإمداد، لتسلك القوافل طرقاً عبر معبر “رقم 17” مروراً بتشاد قبل دخول السودان، في محاولة للالتفاف على الاستهداف المتكرر لخطوط الإمداد الجوية والبرية التي تشكل شريان القوة للدعم السريع.

وتفاقم ضعف المؤسسة العسكرية السودانية أدى إلى اختراقات ميدانية، أبرزها تبدّل ولاءات شخصيات نافذة مثل أبو عاقلة كيكل، إضافة إلى حادثة دنقلا التي رفضت فيها مجموعة “أولاد قمري” أوامر الجيش واشتعل قتال داخلي أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، ما كشف حجم هشاشة التشكيلات التي أنشأها الجيش نفسه خلال السنوات الماضية.

وفي المقابل، تتحرك دول داعمة للجيش – مصر وتركيا والسعودية – لقطع خطوط إمداد الدعم السريع عبر ليبيا وتشاد، مع تكثيف استخدام المسيّرات بهدف استعادة مناطق محورية مثل كردفان وبابنوسة والأبيض، وهي مناطق تُعد السيطرة عليها نقطة تحول في مجرى الحرب.

سياسياً، تمارس الرياض ضغطاً على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحد من الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، بينما تتعامل واشنطن بحذر لتجنّب صدام بين حليفين استراتيجيين. وبالتزامن، نقلت القاهرة للإدارة الأميركية أن استمرار الدعم الإماراتي يهدد أمنها القومي، وقد يدفعها لتدخل مباشر في السودان كما حدث في ضربات محلية سابقة.


ثانياً: ميناء عصب – شرارة صراع يعيد رسم البحر الأحمر

يتصاعد التوتر الإقليمي حول ميناء عصب الإريتري الذي تحوّل إلى محور تنافس حاد بين إثيوبيا المدعومة إماراتياً، وإريتريا المسانَدة من السعودية ومصر.
أديس أبابا انتقلت من الدبلوماسية إلى خطاب عدائي صريح، حيث بدأت حملة ضغط في الولايات المتحدة عبر لوبيات نافذة لتسويق رواية تعتبر ميناء عصب “أرضاً إثيوبية محتلة يجب استعادتها”. ويطرح رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أن دولة تضم أكثر من 130 مليون نسمة لا يمكن أن تبقى “محاصرة بحراً”.

يستند الخطاب الإثيوبي إلى سردية تاريخية تبدأ من ضم إريتريا بعد الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى الحرب الدموية عام 1998، ثم مصالحة 2018 التي أنهت جمود النزاع. لكن أبي أحمد اليوم يطيح بهذه التفاهمات، ممهداً لإمكانية عملية عسكرية انطلاقاً من مدينة بيري نحو عصب عبر مسافة 50 كيلومتراً فقط.

تعتمد إثيوبيا على المسيّرات الصينية “وينغ لونغ” القادمة عبر الجسور الجوية الإماراتية، تماماً كما جرى في حرب تيغراي. فيما تستند إريتريا إلى مطار عصب الذي قد يتحول إلى منصة لصد أي تقدم إثيوبي، مع فارق المسافة التشغيلية التي تجعل المسيّرات الإثيوبية أقل فعالية في المراحل الأولى.

وتدخل في المشهد جزر حنيش التي قد تُستخدم كمنصات هجومية أو دفاعية في حال توسعت المعارك، إضافة إلى محاولات أبي أحمد كسب العفر بوعدهم بنفوذ اقتصادي واسع إذا ما تم ضم المنطقة الساحلية.

وفي حين تحظى إثيوبيا بدعم إماراتي كبير، يعتمد الموقف الإريتري على دعم سعودي–مصري محتمل لتعزيز الدفاعات الجوية واللوجستية ومنع تغير استراتيجي خطير على البحر الأحمر، خصوصاً أن وصول إثيوبيا إلى الساحل سيضرب موازين القوى في المنطقة ويؤثر مباشرة على ملفات حساسة مثل مياه النيل.


ثالثاً: تشابك الصراعين السوداني والإثيوبي

تعزز الإمارات حضورها في السودان وإثيوبيا في آن واحد، بينما تتخذ مصر والسعودية نهجاً أكثر حذراً، ما يمنح أديس أبابا والدعم السريع مساحة أكبر للمناورة. وتتقاطع خطوط الإمداد والدعم الإقليمي بين مسارح العمليات في السودان وحسابات البحر الأحمر، خصوصاً مع شبكات دعم واسعة تشمل كينيا وأوغندا وتشاد والكاميرون.

أمام ذلك، تبدو المنطقة على أعتاب تصعيد مركّب يجمع بين:

  • صراع النفوذ على البحر الأحمر
  • المعارك السودانية الداخلية
  • التنافس المصري–السعودي–الإماراتي
  • التحركات الإثيوبية نحو الساحل
  • هشاشة الوضع الأمني في القرن الإفريقي

رابعاً: الهدنة – وقفة مشروطة في عاصفة أكبر

على الرغم من هذا التصعيد، دخلت هدنة قصيرة حيّز التنفيذ في السودان خلال الأيام الماضية، شملت:

  • وقفاً محدوداً لإطلاق النار في بعض مناطق كردفان والخرطوم
  • السماح بمرور مساعدات إنسانية
  • فتح ممرات مؤقتة للنازحين

لكن هذه الهدنة تبدو هشة للغاية للأسباب الآتية:

  1. استمرار التحشيد العسكري لدى الطرفين.
  2. عدم وجود جهة ضامنة قادرة على فرض الالتزام.
  3. ارتباط القتال داخل السودان بصراعات إقليمية أكبر.
  4. تغيّر خطوط الإمداد بشكل يومي.

وبالتالي، فإن الهدنة تبدو أشبه بـ استراحة تكتيكية لكلا الطرفين، بانتظار تحولات على الأرض أو تفاهمات إقليمية أكبر، خصوصاً مع اقتراب معارك كردفان وعصب من مرحلة حاسمة.


خامساً: نحو أي سيناريو تسير المنطقة؟

السيناريوهات المطروحة حالياً ثلاثة:

  1. نجاح الجيش السوداني في طرد الدعم السريع من كردفان
    ما يعزز معسكر مصر–السعودية ويعيد التوازن للميدان.
  2. تقدم الدعم السريع نحو الخرطوم والبحر الأحمر
    ما يمنح الإمارات نفوذاً أوسع ويفتح الطريق أمام إعادة تشكيل التحالفات.
  3. تصعيد إقليمي متعدد الجبهات
    يشمل احتمال تدخل مصري مباشر، دعم سعودي أكبر لإريتريا، واندفاع إثيوبي نحو الساحل.

وفي جميع السيناريوهات، تبقى السيطرة على ميناء عصب ونتائج معارك كردفان العاملين الأهم في تحديد مستقبل المنطقة لسنوات طويلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى